قصائد تقرأ السلام على دمشق وأخرى تنهل من ثراء العامية المصرية

مدني قصري

جرش- عاود مسرح أرتيمس في شارع الأعمدة بجرش، مساء أوّل من أمس، لقاءه الحميمي مع الشعر والشعراء، محتضنا إياهم بين جنباته بالحب والتقدير، ولم يبخل عليه ضيوفه المبدعون بأجمل ما جادت به عليهم قرائحهم، ليقينهم أنّ أوّل أدبٍ عرفه العالم هو الشعر الذي صدح به الشعراء والمطربون على مدرجات ومسارح الرومان وغيرهم في العصور القديمة، وحتى يؤكدوا لمَن جاء يُنصت ويستمتع بقصائدهم أن الشعر، مثل دقّات القلب، يجتاز العصور والأزمنة، لأنه الحلم والحقيقة!       اضافة اعلان
كانت بداية الأمسية التي أدارها الكاتب والروائي الأردني هزاع البراري، مع الشاعر مهند ساري الذي تألق بقصائده القصيرة، ومنها دفتر أبيض للطبخ"، "هناك شيء ما سيحدث"، وبقصيدة طويلة مفعمة بحس روحاني عال أقرب إلى حلة التصوف، " أزور دمشق": "أزور دمشق التي قد خوت/ كعيون الصّغار من الماء..، يا أُخت "جلّق" قلبي خَوَى، مثْلَ جَرّهْ ولا ماء في بردى، لأُعالج هذا الصّدى.. من هواجسه، لا سلام على سلام على الأَرض تحتن السّماء التي انفطرت، وما من مسرهْ..".
وحلّق سعدالدين شاهين، العضو برابطة الكتاب الأردنيين في سماء الشعر بمجموعة من قصائده الوجدانية والتأملية الجميلة اختتمها بقصيدة طويلة "أحد سيرحل": "لا بد أن البحر قد سئم الركود، ولنا على كل البحار دلال صهوتها، ومفتاح المضائق حين تنغلق الموانئ، وامتعاض الموج من صخر السواحل، هاربا من لجة الطوفان، أن أزف الرحيل، أحدٌ سيرحلُ ... ماؤه ..أم  شاطئاه.. أم السفينة.. أم موانئه، أم الربان منفردا، ليبقى  كل ما في البحر غايته، وغايتنا الجلوس على شواطئه، اصطياد محاره الرخوي، جينُ الابتعاد عن الموانئ.. حين تعصفنا المنافي والقيود، أحد سيرحل.. سوف تنفتح الطريق لكي يغادر، مثلما في دكة الموتى نغادر آخر العتبات، دون الخوف، من دمنا إلى دمنا نعود، أحد سيرحل.. من نسيج  الوقت إذ نتنفس الماضي، وما في قصعة السجان، أن غنت بلابلنا على  طرب لأوطان الجدود".
واختتمت الأمسية بقراءات عطرة مع الشاعر المصري سيد حجاب، المعروف بكتابة أشعاره باللهجة العامية للكثير من الأعمال الدرامية والتلفزيونية المصرية، وهو كثيرا ما يلقب بسيد شعراء العامية. تغنى سيد حجاب بقصيدة "لو كنت أمير من أمراء الحواديت" يقول فيها: "لو كنت أمير، من أمراء الحواديت، كنت أدى لكل فقير وفقيرة بيت، بيت بجنينة مليانة زهور، وبعشة مليانة كتاكيت، وأعلّق فوقه قمر بنور، ونجوم لولى.. فتافيت فتافيت، لوكنت أمير من أمراء الحواديت، كنت أدى لـ.. وزرائي محاريت، علشان يشتغلوا بأيديهم ويشوفوا ازاي، الأرض السمرا لما نحرتها كدة رايح جاي، بتطلع غلّة وبن وقطن وضل وشاي، وتطلع غاب نعمل منه الأرغول والناي، لو كنت أمير، من أمراء الحواديت، كنت أدّى لكل الأطفال الحلوين ألعاب، قطر بقضبان.. فرشة ألوان.. مية أو زيت، وابنيلهم قصر على المالح من غير أبواب، قصر بقبة لولى وقبة مرجان، وأعلّق عالقبة أجراس، فضة ومرمر ودهب ونحاس.
لكن قبل ده كلّه لو كنت أمير، من أمراء الحواديت، كنت أدّى لكل الناس، وردة وكتاب، وردة وكتاب، وكمان قبل ده كلّه، قبل ده كلّه، لو كنت أمير، من أمراء الحواديت، كنت أرفرف زى النسمة وادخل فى الحلق، وأقطّع نص السنة الخلق، نص اللى ما بيقولش الحق، علشان يتعلمه، امتى يقولوا أيوة، وامتى لأ، ده لوكنت أمير من أمراء الحواديت".
كما قرأ حجاب قصيدته المشهورة "الأراجوز" التي غناها الفنان عمر الشريف في فيلم "الأراجوز" يقول فيها: "أراجوز.. أراجوز .. إنما فنان، فنان.. أيوه.. إنما أراجوز، و يجوز يا زمان أنا كنت زمان، غاوي الأرجزة طياري.. يجوز، إنما لما الكيف بقى إدمان، باجي أبص لشيء واحد أرى.. جوز، أرى إيه؟ أرى إيه؟ أرى أرى أراجوز، فلسان.. كحيان.. أيوه أنا فلسان، إنما برضك.. راجل إنسان، بأضرب بالألف لسان ولسان، وباكلها بعرقي.. ومش إحسان، راجل والرجولية لا عضلات، ولا ألابندة وسيما وحركات، الرجولية الحقيقية ثبات، قدام جبونية أي جبان".
وسألت "الغد" السيد حجاب عن دور الشعر في ميلاد "الربيع العربي" فقال: "كان الشعر العربي يقع في أساس الثورات العربية. لم تكن مصادفة أن يكون شعراء الثورة التونسية، ثم المصرية، هو بيت للشاعر أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر!". من المؤكد أن هذه الثورات ليست بنت لحظتها وإنما هي اختبار طويل لمشاعر شعوبنا التي عبّر عنها شعراؤها عندنا في مصر، مثلا، منذ كامب ديفيد. كانت هناك موجة من الشعر المقاوم لعل من أشهر بواكرها قصيدة "لا تُصالح!" لأمل دنقل. كما كان في إطار هذه الموجة شعر وشعراء كثر، منهم جمال بخيت، وأحمد بخيت، والعبدلله. صحيح أنه كان هناك بعض الشعراء الذين غادروا صفوف الشعب وانحازوا للأنظمة المستبدة، لكن الكثرة الغالبة، طوال ثلاثين عاما، كانوا في صفوف مقاومة الفساد والاستبداد. ففي ثورة 25 يناير فاجأني الكثير من الشباب بمعرفتهم وحفظهم لشعراء وأغاني سبقت ميلادهم. هذه النخبة الثورية الجديدة قد اكتنزت في داخلها كل قيم الآباء والأجداد في حلمهم بالمدنية التي تؤسس للعدالة الاجتماعية. كان هؤلاء هم المبدعون في هذه الثورات، واستطاعوا في "الميدان" أن يفجروا طاقات خلاقة تجسدت في المشاهد الفنية العديدة التي كانوا يمثلونها".

 [email protected]