متخصصون يتحدثون عن أهمية التنوع الثقافي في اليوم العالمي للغة الام

حماية اللغة الأم أساس في تحقيق المواطنة العالمية والتفاهم الحقيقي-(الغد)
حماية اللغة الأم أساس في تحقيق المواطنة العالمية والتفاهم الحقيقي-(الغد)

عمان - تحتفل اليوم دول العالم باليوم الدولي للغة الأم الذي أعلنته منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) في مؤتمرها العام في تشرين الثاني 1999 من اجل تعزيز التنوع الثقافي وتعدد اللغات.اضافة اعلان
وتنظم اليونسكو بهذه المناسبة أنشطة ومؤتمرات في مختلف دول العالم من أجل المساعدة على استكشاف أهمية التنوع اللغوي وتعدد اللغات، واختارت شعارا لهذا العام "اللغات المحلية من أجل المواطنة العالمية : التركيز على العلوم" .
وقال الدكتور صلاح جرّار وزير الثقافة - سابقا- انه ما دام الرقيّ الحضاري لا يمكن أن ينشأ في معزل عن التواصل الثقافي مع الأمم الأخرى، فإنّ للترجمة دوراً فاعلاً في تحقيق التواصل الثقافي بين الأمم، والترجمة في الاتجاهين: من اللغة الأمّ إلى اللغات الحيّة الأخرى وبالعكس تسهّل التعارف بين الشعوب.
واضاف انه إذا ترجمنا الإنتاج العقلي والفكري العربي – مثلاً – إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها، فمن الطبيعي أن يتيح ذلك فرصة للمجتمعات الغربيّة لمعرفة الصورة الحقيقية للإنسان العربي وفكره وثقافته، ما يؤدّي إلى تصحيح كثير من المفاهيم والصور المغلوطة والمشوّهة التي يتبناها الإنسان الغربي عن العرب والمسلمين.
وبين انه وفي مقابل ذلك فإنّ ترجمة الروايات والآداب والأعمال الفكرية الغربية إلى اللغة العربيّة سيتيح لنا التعرّف عن كثب على ما تفكّر به المجتمعات الغربية وأنماط التفكير والاعتقادات ومكوّنات الثقافة لديها ما يسهّل علينا فهم وسائل التخاطب بالطريقة التي تترك أثراً إيجابياً فيها، وإنّ اطّلاع كلّ طرف على ثقافة الطرف الآخر من خلال الترجمة يساعد على جعل التواصل بينهما أكثر سلاسة ويصحّح كثيراً من الأوهام التي يحملها كلّ طرف عن الآخر.
وقال الدكتور جرار إنّ الترجمة وسيلة فاعلة ومؤثّرة في تحقيق التواصل الثقافي بين الشعوب، وتعزيز الأواصر الفكريّة والثقافيّة بينها، والكشف عن كثير من العلائق الثقافيّة المشتركة، وبغياب الترجمة بين طرفين ما، فقد يدخل طرفٌ ثالث يشكل صورة كل طرف لدى الآخر كما يريد، وأوضح شاهد على ذلك الإعلام الصهيوني الذي شكّل صورة مشوّهة عن العرب والمسلمين لدى المجتمعات الغربية في غياب الترجمة من العربيّة إلى اللغات العالمية.
واعتبر رئيس قسم اللغة العربية بجامعة اليرموك الدكتور خليل الشيخ تعدد اللغات من أبرز الظواهر التي أنتجتها المجتمعات الإنسانية في أثناء تطورها، فهي وسيلة أساسية من وسائل التواصل، ووعاء معرفي يحوي التجارب والعلوم والأفكار، ومكون اصيل للهوية الثقافية والحياة البشرية تمكنت من انتاج ما لا يحصى من اللغات التي تمتلك تجارب شعوبها وتعبر عن ثقافات شتّى.
وقال ان المتأمل في التاريخ البشري يرى أنّ التفاعل بين الحضارات كان قاعدة، وكانت العزلة أو الانغلاق تمثل الاستثناء، مبينا ان الحياة قامت على التنوع، وصارت الترجمة تجسيرا لهذا التنوع الذي يفضي إلى التواصل بين الثقافات والتفاعل بين الآداب، وان الحضارة التي لا تقوم على احترام الثقافات الأخرى تبقى تعاني من صدوع أخلاقية كثيرة، فالأساس في الثقافة الإيمان بحق الاختلاف وخصوصيات الثقافات الأخرى، والتعددية اللغوية ضرورة لنمو الثقافات وتلاقحها، دون أن تتعالى ثقافة على أخرى ودون أن تستشعر أي ثقافة بالدونية.
وقالت المترجمة الأردنية هدى القيسي المقيمة في المانيا ان مصطلح الترجمة غير مقيد بحدود اللغات وتراكيبها، بل تجاوز ذلك ووصل إلى الثقافات والربط بين المجتمعات على اختلافها وتنوعها , وان عملية الترجمة ليست بحثا عن مفردات أو فحصا للمرادفات أو دراسة للجناس وغيرها من ظواهر اللغات وعناصر علم اللغويات فقط، بل هي عملية تحمل في ثناياها عناصر لا غنى عنها من ثقافة ومجتمع وتقاليد وخصوصيات اللغة المترجم منها.
وتقع على عاتق المترجم وفقا لها مهمة إيصال هذه العناصر بصورة مناسبة ورصينة إلى اللغة المترجم إليها مضيفة "أن الفن في الترجمة هو الاستطاعة على الإبقاء على النص قوي التعابير، فصيح المفردات، وغني المحتوى بحيث لا يدرك القارئ بالضرورة أن النص خضع لعملية ترجمة متعددة المراحل حتى وصل إليه بصورته الأخيرة".
وبينت القيسي دور الترجمة المحوري في تاريخ الحضارات المختلفة، اذ كانت الطريق الوحيد لنقل روائع العلم والعلماء بين شتى الحضارات.
واستشهدت المترجمة الجزائرية خيرية بلقصير المقيمة في الاردن بمقولة المفكر هانسي غادامير: إن التّرجمة تٌمثل عٌبورا فكريا من لغة إلى أخرى، ومقولة الشاعر الروسي بوشكين: المترجمون هم خيول بريد التنوير، وقالت ان الترجمة فعل ثقافي لغوي وحضاري ووسيلة تلاقح بين نصين، ويعد قاسما مشتركا بين الثقافات والحضارات بحيث يمكن امتهان آليات الحوار والتواصل والاستثمار المعرفي لتمكين الإنسانية من التخفيف من الانعزال والكراهية من أجل حضارة بشرية متناغمة ترفض التعصب.
وأكدت ان الترجمة رافد أساسي للتنوع الثقافي والتنوير الإبداعي والحسّ اللغوي حالة أدبية خالصة وقد تتعدى الترجمة الجانب الورقي نحو تفاعل تنصهر فيه الشعوب مع بعضها البعض عبر سلوكات أخرى ضمن فعل السياحة والتجارة على سبيل المثال.
وتابعت ان الترجمة يمكن أن تكون سببا علاجيا لكثير من النزاعات والخلافات التي تنشب بين مجتمعات مختلفة، وقد نقلت لنا العلوم والتكنولوجيا، فهي الأداة التي بها نواكب الحركة الفكرية والثقافية في العالم، ومن خلال ترجمة الشرائع والسنن تفتحت الأمم على بعضها ولم تعد الكتب حكرا على مؤلفيها بل تناقلت بلغات مختلفة، وهناك ارتباط طردي بين عدد ما تترجمه الأمم من مؤلفات وما تحرزه من تطور وتقدم.
استاذة الأدب الانجليزي في جامعة الزيتونة الدكتورة ريما مقطش قالت ان اللغات وسائل اتصال مضمونة لفرز كنوز الأمم الأخرى ونهل ما يفيد منها وافادة أصحابها بما نود اطلاعهم عليه من خلال مخاطبتهم بصورة مباشرة.
واضافت: ليتنا نحسن استخدام اللغات لنمد جسور التواصل بين الأمم، لنسعى نحو مزيد من الأطلاع النابع من اتقان لغة أو أكثر لتضيء دروب المعرفة على أمل أن يعم السلام في العالم حين يتوفر مزيد من الفهم لحقيقة الأخر المجهول، فما أروعها سطوة اللغات حين يتم توظيفها لدعم التواصل بين الشعوب.
 وأشارت المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا في رسالة لها بهذه المناسبة إلى أنه منذ 14 عاما تحتفل اليونسكو باليوم الدولي للغة الأم، مبينة ان حماية اللغات الأم وتعزيزها أساسيان في تحقيق المواطنة العالمية والتفاهم الحقيقي، والقدرة على فهم عدة لغات والتحدث بها يؤديان إلى فهم أفضل لغنى التفاعلات الثقافية في عالمنا مشيرة الى أن اليونسكو تبذل قصارى جهدها للمساهمة في تحقيق التعايش المنسجم لسبعة آلاف لغة تتحدثها الإنسانية.
واوضحت ان اللغات المحلية تشكل القسم الأكبر من اللغات المحكية على كوكبنا في المجال العلمي، وهى أيضا أكثر اللغات تعرضا للخطر، فإقصاء لغة يؤدي إلى حرمان المتحدثين بها من حقهم الإنساني الأساسي في الانتفاع بالمعارف العلمية. -( بترا )