مجد القصص: الفنانة الناظرة إلى أعلى

000
000
  • الناقد الدكتور فيصل درّاج

عندي فكرة مسرحية جديدة!! هذا ما تفاجئ به السيدة: مجد القصص سامعها، أكانت أنهت عملاً مسرحياً أم لا تزال تتهيّأ لآخر جديد، كما لو كانت تستأنف حواراً مع ذاتها، أو تستكمل حديثاً من الأمس، لا فرق إن اكتمل أو ترك مفتوحاً على احتمالات عديدة.اضافة اعلان
ليس المقصود ذاكرة تجدّد أسئلتها، أكانت مقنعة أم مبتورة الإقناع، إنما المقصود هاجس فني لا يغادر صاحبه، كما لو كان الهاجس المسرحي جوهر الوجود، أو كان وجودها، كما تؤمن مجد، جزءاً من مشروعها المسرحي. ولأنه على ما هو عليه فهي تعيشه، يلازم حياتها، تجتهد في صقله ودفعه إلى الأمام، وتتكلّم عليه بإخلاص غير منقوص. لكأنها عهدت إلى نفسها رفع راية المسرح عالياً، وتعيّن ذاتها مسؤولة "وحيدة" عنه.
لست أدري من قال: الإنسان محصلة لأعماله، ومحصلة حياة مجد المسرحيات التي اقترحتها وأدارتها وقامت بإخراجها، وهي جديدة متوالدة مترافدة متكاملة. لكننا في الحالة هذه يمكن أن نغيّر قول "أندريه مالرو" ـ الكاتب الفرنسي الشهير، ونضيف: يساوي الإنسان المقاتل في سبيل الفن هواجسه المستمرة، على اعتبار الهاجس المفتوح مرآة لفنان صادق يتماهى بفنه، كما لو كان فنه كياناً واحداً لا يقبل بالانقسام.
عندي فكرة مسرحية جديدة! تقول مجد بلا انقطاع. وقد توسّع قولها وتحتفي بفنها فتقول: هذه المرة سأتعامل مع نص كتبته الأديبة: سميحة خريس، التي تحترم نصوصها بقدر ما تحترم ذاتها، وهي روائية جديرة بالاحترام. وقد تشير إلى عمل كتبته الراحلة الكريمة ليلى الأطرش، التي كانت تتقاسم مع زوجها الراحل فايز الصيّاغ الفطنة والموهبة. أو يحضر مفلح العدوان الأديب المتعدّد الاهتمامات. ولن تكون فكرة المسرحية، عند مجد، هذه المرة، إلا حواراً بين الفن والأدب، وبحثاً عن جديد فني متعدد الأصوات.
عندي فكرة مسرحية جديدة، تصرّح بها "الفنانة" مدركة أن جمالية الفكرة تأتي من شكلها المجسّد مسرحياً، من تلك التقنيات المتكاملة، التي يتداخل فيها الضوء والصوت وأداء الشخصيات يضاف إليها، أحياناً، موسيقا "صوفية"، أو "موّال" يضيئه صوت عذب، يضيء بدوره "ملمحاً" من ملامح القدس أو دواخل شخصيات مهزومة ترفض الهزيمة، أو تبشّر بفجر قادم يرضي الروح، حتى لو كان الحاضر قاتماً.
لا غرابة أن يكون "التبشير" بعداً من أبعاد مسرح مجد القصص، تبشيراً قوامه الأمل الذي يحتاجه هؤلاء الذين فقدوا الأمل. ولا غرابة أن يكون التحريض مستتراً بإشارات فنيّة، أو مصرّحاً به في أغنية. لكن التبشير، كما التحريض، لن يأخذ صفة الوعظ الأخلاقي الرتيب، ولا طابع الخطابة المباشرة الخانقة. ذلك أن مجد تعتمد على تقنيات متجددة يتبادل فيها النور والظلمة المواقع، ويمدّها اللباس بألوان ناطقة، تستضيء بإيقاع الصور المتناوبة، وبحوار مسرحي تعلو نبرته وتنخفض ويتحرّر من "الرتابة" والكلمات الجاهزة.
الفن شكل محسوب، والفن كما الشكل حريّة، وحرية العمل الفني من تقنياته، من ذلك العبور من أداء إلى آخر، ومن موضوع يستكمل ما سبقه ولا ينغلق ذاهباً إلى موضوع "قيد التشكّل".
هذه تجربتي في "المونودراما"، تقول مجد، مشيرة إلى حوار بين جسد وفضاء، مذكّرة ببداياتها الأولى، المتقشّفة المكتفية بذاتها المنفتحة على قادم فني أكثر اكتمالاً، وعلى اجتهاد فني نموذجي يعرف أن الفن كالحياة، دائب الحركة ومتعدد الأشكال، وأن حياة الفن قابلة للتراجع والازدهار.
يعرف متابع سيرة مجد الفنيّة أنها قصدت لندن إرضاء لفضول مسؤول لا يمكن إرضاؤه. كانت قد جاوزت عمر الشباب المتسامح مدّت بعمره يؤازرها "زوج" متسامح. والأرجح أنها كانت مستعدة لفعل ما فعلت حتى لو قاربت "الستين"، ذلك أن الذي يحكمه قلبه لا ينصاع إلى أوامر الزمن والقواعد الاجتماعية المألوفة. وما تنصاع له "مجد" طموح لا يشيخ، استهلّته في عمان ورعته التجربة أخذ بها إلى القاهرة، و"قرطاج" وإلى مقام جدير بالاحترام في أكثر من مكان.
لعل هذا الطموح المدفوع برغبات القلب لا بالمصلحة، هو الذي منحها صبراً وجلداً ورسالة دكتوراه من "ألف صفحة" ومعرفة بمدارس الفن المسرحي الحديثة، في اتجاهاتها المتعددة. قرأت ما قرأت على ضوء تجاربها وساعدتها القراءة على اقتراح أشكال فنية مجتهدة وتوسيع التجربة.
حين قالت إنها تفكر بمسرحية عن الفنان ناجي العلي أعلنت، مجدداً، عن فكر ينكر الهدوء والسكينة والأشكال الفنية المستقرة. عاشت، طويلاً، أسئلة موضوعها الجديد الذي يدور حول ذلك المثقف الأكثر تمرداً في حياة الثقافة الوطنية الفلسطينية: كيف يمكن تحويل الرسم الكاريكاتوري إلى لوحات مسرحية؟ وهل يمكن التعبير عن السخرية السوداء بحركات فنان مفرد أو متعدد، وما هو المتعدد الفني الذي يستوعب عالماً شاسعاً من الرسوم يتداخل فيه الغضب والحزن والتمرّد والتأمل والتعليق السياسي ومساءلة الظلم والعدل في الوجود كله؟
كيف يدخل الفنان المسرحي إلى عالم ناجي الملحمي ـ التمرد البطولي المأساوي ـ وهل تُبنى الملحمة بأشخاص وضوء وحوار أم أنها تحتاج إلى عنصر يُرى، ولا يُرى يعلن عن روح ناجي في رسمه، وفي رسوم جاوزت عشرات الألوف؟ هل يستطيع الفن القبض على روح فنان كان واحداً في تعدّده ومتعدداً وهو يوزّع غضبه على المنفى واللجوء والأرواح الميتة؟
غامرت مجد وحاولت تصوير الواحد والمتعدد فنياً، غامرت في تجربة غير مسبوقة لأنها لم تقصد شخص ناجي بشعره الرمادي وكلامه البسيط وقهقهته العالية إنما اجتهدت في تصوير روحه الثائرة، التي يتكامل فيها الرسم والكلام، والكلام المرسوم وروح متأسيّة مشرقة، مظلمة منيرة، شعبية وطنية، مغتربة ومقاتلة ضد الغربة والاغتراب. غامرت مجد وحاولت الارتقاء إلى عالم سهل صعب، بسيط معذّب، يجمع بين ما يشقي الروح ويضع على أطراف الفم ضحكة صاخبة.
لهذا نقول من جديد: يساوي الفنان أعماله التي أنجزها، ويعادل أبعاد هاجسه الفني المتعِب المستمر، ويكتمل بقدرته على المغامرة والتجديد والمجازفة. عاشت مجد هذه الأبعاد بمقادير مختلفة، لبست والتبست بها وأخبرت راضية: أنا مجد القصص وأريد أن أكون فنانة مسرحية، وأن أراهن بحياتي لأصبح ما أريد.
في زمن سبق، يقترب من ربع قرن، ربما، وصف أحدهم بأن مجد القصص فنانة مجتهدة. كان في وصفه عادلاً ومصيباً، ذلك أن الفنان المجتهد يبحث عن الحقيقة، بلغة لا تكفّ عن التشكّل، بعيداً عن الحسابات الفقيرة والشهرة التي لا يتحكم بديمومتها أحد، علماً أن الإبداع لا يعني الشهرة، وأن الشهرة قد تكون منقطعة
عن الإبداع.