مختارات لـ" اديث سوذيكرين" شاعرة الشمال الأول

في الأعالي حيث تلتقي القمم

   عمان-الغد- صدر في الدانمارك كتاب "في وجودي انتصار"، مختارات للشاعرة الفنلندية الأسوجية إديت سوذيكرين (1892 - 1923)، جمعتها تسع من الشاعرات الدانماركيات البارزات لترجمتها من الأسوجية إلى الدانماركية ونشرها في كتاب صغير في 128 صفحة، لدى "دار نانسن كيذه انتيكفارييتس". لاقى المشروع الإستحسان في الغالب، ثم القليل من النقد المتحفظ عن ترجمة بعض القصائد التي اعتبرها البعض مباشرة.

اضافة اعلان

   انقصفت سوذيكرين في الواح والثلاثين من عمرها ،لكنها استطاعت ان تترك أثرا كبيرا في الأدب الإسكندينافي، وان تحتل مكانة تُحسد عليها في قلوب الناس. لم يدرك أحد في ذلك الحين، أي في العشرينيات من القرن الفائت، أن مؤلفاتها الشعرية الصغيرة التي خلّفتها ستجعلها في قائمة أهمّ المحدثين في التجربة الشعرية الإسكندينافية.

يقرن البعض ذكرها بالشاعرة الأميركية إميلي ديكنسن، وقد يعزى ذلك إلى عزلة الشاعرتين وانصرافهما إلى الكتابة وما نجم عن ذلك من شعر طابعه التأمل والتعمق في الدواخل الإنسانية وما حولهما، عدا الموهبة الشعرية المتفردة التي امتلكتها، لا يختلف قراؤها في أن كلماتها متقدة، ولا تني تبعث الدفء فيهم حتى اليوم، بل يلفحهم لهيبها.

   تلقت إديت سوذيكرين تحصيلاً دراسيا جيدا وكانت تتقن الأسوجية، الروسية، الفنلندية، الألمانية، الانكليزية والفرنسية، كما درست الإيطالية. أصدرت أربعة دواوين: "شعر" في العام 1916، "وتريات أيلول" في العام 1918، "معبد الوردة" في العام 1919، و"مستقبل الظل" 1920. وفي العام 1925 نشرت لها صديقتها، بعد الوفاة، ديوان "البلاد التي لا وجود لها". رأى النقاد أن ما كتبته سوذيكرين في مطلع العشرينيات ينتمي الى الحداثة المجددة، فهو انطبع بشكل حاد بالمستقبلية الروسية، والإنطباعية الألمانية، والرمزية الفرنسية. ذلك انها عرفت في مواضع عديدة من شعرها، كيف توظّف عاطفتها والعمق الداخلي لمشاعرها الشابة وتحافظ في الوقت نفسه على شعر في غاية التكثيف واللامباشرة، وكثيرا ما يحرك اللواعج ويبعث على الحزن. ولأنها عاشت أيامها في منطقة ساكنة نائية، فقد حضرت في شعرها الطبيعة الإسكندينافية الفنلندية والأسوجية حية وموحية بخلجات النفس حيث نراها تمتزج ببحيرات الغابات والأزهار والسماء والماء ونسمعها مع أصوات الطيور والريح والأوراق ونشعر بها في الفصول.

   ولدت إديت سوذيكرين في سان بطرسبورغ وسط عائلة بورجوازية ما لبثت ان غادرت إلى فنلندا بسبب الثورة الروسية، واستقرت في منطقة قريبة من الحدود الروسية - الفنلندية. توفي الأب بمرض السل عندما كانت إديت في السابعة عشرة من عمرها، ثم انتقل إليها المرض وبقيت تعانيه حتى قضى عليها في سن الواحد والثلاثين. دارت الأم مع إديت بلدان أوروبا على أمل أن تتعافى الابنة لكن من دون نتيجة، حتى عادت واستقرت في رايفولا وهي منطقة فنلندية نائية، إذ اضطرتها حالها الصحية ان تعيش هناك حياة شبه معزولة فيها.

   في حياتها القصيرة، كانت محاصرة بفكرة الموت. فقد اسستشعرت أنه يتوجب عليها أن تغتنم الدقائق لتسجل حياتها، لتصف الحب، المشاعر المتضاربة، الشوق، الإفتقاد، النفي، الغربة والألم، قبل أن تحين الساعة الأخيرة. لذا جاء تسجيلها دقيقا وحادا ومراً أحيانا. من بين "الجوق النسائي المتناغم"، وهي التسمية التي تعبّر عن المشاركات في اختيار القصائد وترجمتها، الروائية والشاعرة الدانماركية كيستن توروب التي تحتل مكانة بارزة في خريطة الأدب الدانماركي الحديث، منذ إصدارها مجموعتها الشعرية الأولى "الداخل - الخارج" في العام 1967.

   وعن سؤالي لها عن سبب اختيار الشاعرة سوذيكرين تحديدا والآن، ثم تأثير الزمن الفاصل بين مطلع العشرينيات واليوم في إقبال النقاد على دراسة شعرها واهتمام القراء المتواصل بها، تجيب توروب: "تعتبر إديت من الرواد في عالم الشعر. لا اعرف مدى شهرتها في العالم خارج الدول الإسكندينافية لكنها معروفة في ألمانيا وفرنسا. وقد استوحت الهامها من فلسفة نيتشه. وبسبب اعتبارها من مؤسسي الحداثة ستبقى من الشعراء الذين يعاد طبع كتبهم وقراءتها مثل باقي الشعراء الكبار. ربما تكون المسألة انه ليس هناك بين النساء العديد من الرواد الكبار. كانت إديث سوذيكرين تعني لي الكثير في فترة الستينيات عندما بدأتُ بكتابة الشعر، بسبب وعيها العميق لنفسها ولقيمتها كإمرأة، وذلك قبل الحركة النسوية الحديثة التي نهضت في السبعينيات بسنين عديدة. أجد نفسي في أسئلتها الكبرى حول الحياة، والحب، واللاخوف من الموت، والإنسجام بين الإنسان والطبيعة، وفي الإحساس القوي بالحياة. كتابتها مباشرة ومفتوحة من حيث الأسلوب والشكل. انها شاعرة محدثة بالمعنى الأفضل للكلمة. وهي كرائدة ستبقى دوما حاضرة فعليا لأنها اعتبرت المرأة إنساناً أولا وليس ككائن متعلق بالرجل. ثم هناك اللوعة والإشتياق لديها، لتعيش الحياة ولتكون في وحدة واحدة مع العالم. وبهذا فإن شعرها كوني وعالمي ولكل الأمكنة والأزمنة.

   عندما ذكرتُ لها أسماء بعض الشعراء الدانماركيين المعاصرين من الرجال من أجيال مختلفة، لأسألها إن كانت تتخيل توقيع "المختارات" بأسمائهم كمترجمين، أجابت: "نعم، في إمكان الرجل ترجمة أشعارها لأنها شاعرة كونية تعلو فوق كل ما هو رجولي وأنثوي. لكن هناك معنى لأن تكون مترجمات نصوصها من النساء. فالسؤال يصيب عصب الإشكالية، وهو ولا شك يحمل أكثر من قصد. لأن إديث سوذيكرين تمتلك في الوقت نفسه وعيها القوي لقيمتها كإمرأة. انها مباشرة وواضحة في هذا ولها صوت نسوي تحريضي. لذا لا أعتقد أن الشاعر الرجل يحمل الإحساس نفسه بها أو القرب منها. لم أجرب مطلقا أن أسأل الشعراء عن ذلك لكني سأقوم بذلك حال لقائي أحدهم.

   سألتُ القاصة والشاعرة والمترجمة بيا يول فأجابت: قبلت المشاركة لأني كنت في أيام شبابي مغرمة تماما بقصائدها، لكن عليّ الإعتراف بأن القصائد نفسها لم تقتنصني بالدرجة نفسها عندما بدأت بترجمتها. الثيمة التي تناولتها هي التي ستبقى محط اهتمام الجميع. الشعر الجيد له حضوره الفعلي رغم العمر. وفي رأيها أن ترجمة الرجال لشعرها ممكنة جدا: اختيارهم للقصائد هو الذي يثير فضولي بالفعل.

الشاعرة والكاتبة الدافئة نايا ماريا أيت، تؤكد منزلة إديت سوذيكرين لدى الشعوب الإسكندينافية، كونها كانت تعني لها الكثير عندما كانت شابة، وقد سمّتها "شاعرة الشباب"، لرومانسيتها، وتعبيريتها وحميميتها: هناك الكثير من الشوق، والبحث والروحانية في أشعارها. جوع للحب! للطبيعة المستلهمة من الله ومن وجوده فيها. ورغم اني ربما قد كبرت على تلك القصائد بعض الشيء، لا يزال هناك العديد منها، المشعّ والواضح والقوي، لم يتمكن منه الوقت ويتقادم عليه. إنها شاعرة الشمال الأولى بين النساء، لذا سيكون من دواعي الشرف على الدوام السماح لنا بالمحاولة - الحذرة - لإعادة كتابة قصائدها باللغة الدانماركية.

   اعتبرها إميلي ديكنسن الشمال. كان يمكن دعوة الرجال أيضا إلى ترجمتها. وفي اعتقادي أن لها المنزلة نفسها عندهم أيضا. في تصوري أن الدعوة الى الترجمة وجهت الى النساء للتأكيد أن إديت كانت إمرأة وأن جزءا كبيرا من الإعجاب بها يعود إلى أن إمرأة قد عبّرت في ذاك الزمن عن نفسها بلهفة كبيرة. في أمكنة كثيرة من أشعارها نجد زهوها بنفسها، وأنها شيء خاص، أن إحساسها بقيمتها عالٍ جدا. فأن تتغنى إمرأة بنفسها في ذلك الوقت، لشيء يدعو الى التوقف والالتفات. وأعتقد أن الإختيار وقع علينا كوننا نساء شاعرات، لنعلل العنوان المختار، "في وجودي انتصار"، أي في وجودنا كنساء. وإنه لانتصار حقاً أن تعبّد تلك المرأة الطريق أمام الشاعرات من دول الشمال. وذلك هو الواقع، المهم والجيد أن تكون الشاعرات في دول الشمال على قدم المساواة مع الرجال في الكتابة ونشر الكتب.

ذلك أن الأمر لم يكن هكذا من قبل حسبما جاء في موقع "جهة الشعر" .

***

اليوم وهو ينطفىء

1

يحلّ البرد مع تقدم المساء...

إشربْ الدفءَ من يدي

خذ يدي، ذراعي البيضاء

خذ شوق كتفيّ الضيقتين

كم سيكون غريبا أن أشعر

لليلةٍ وحيدةٍ

لليلةٍ كهذه

برأسكَ الثقيل على صدري.

2

رميتَ وردةَ عشقك الحمراء

في حضني الأبيض

أحمل بين يدي المشتعلتين وردة عشقك الحمراء،

ستذبل بعد قليل

آه، أنت تتسيد بعينين باردتين

أقبل منك التاج الذي تسلمني

وهو يحني رأسي تجاه قلبي.

3

رأيتُ مولاي للمرة الأولى اليوم

تعرفت اليه مهتزة من أول وهلة

ها أنا الآن أشعر بيده الثقيلة على ذراعي الخفيفة...

أين ضحكاتي الصبية الرنانة

حريتي وزهوي؟

ها أنا أشعر بقبضته القوية على جسدي المرتعش فأسمع دوي الواقع القاسي

وسط أحلامي الرقيقة الرقيقة.

4

قصدتَ زهرة

فوجدتَ ثمرة.

قصدتَ نبعاً ووجدتَ بحراً

قصدتَ امرأةً ووجدتَ روحا -

يخيب ظنك.

5

أنا غريبة في هذا البلد

الذي يقع عميقا تحت البحر الثقيل،

تطل الشمس بأشعة متموجة

وينساب الهواء بين يدي.

أخبروني بأني وُلدت في الحبس

لا وجه يبدو أليفا لي هنا

هل كنت حجرة رموها في القاع؟

هل كنت ثمرة ثقلت على غصنها؟

أستلقي غافية عند قدم شجرة موشوشة

كيف سأتسلق تلك الجذوع الملساء؟

في الأعالي تلتقي القمم المتمرجحة

لو أجلس هناك

لأرنو إلى الدخان يتصاعد من مداخن بلادي...