يا كمال!

د. رشا سلامة
د. رشا سلامة
ما جال في خاطر الشاعر أديب ناصر يوما أنه سيتحسس جبهة ابن عمه الوسيم كمال، الذي كان يُسدل قذالته دوما بـ”شبوبية” بالغة، ليجدها مثقوبة بالرصاص وغارقة في الدم، عشية اغتياله في منطقة الفردان في بيروت، في نيسان (أبريل) من العام 1973.اضافة اعلان
حين وصل أديب بيروت، بعد أن اتصلت به صديقة من هناك فجراً لتخبره باستشهاد كمال ورفيقيه كمال عدوان وأبو يوسف النجار، صعدَ لشقته. كان مصلوباً على الأرض. وحين تحسس قذالته غارت أصابعه في مقدمة رأسه لشدة ما أحدث الرصاص ثقوباً فيها. كان كمال ناصر آخر من عُلِم عن اغتياله ليلتها؛ ذلك أن لا زوجة ولا أطفال، بعكس رفيقيه عدوان والنجار. لذا، لم يُعلَم عن اغتياله سوى لاحقاً.
كان فريق الموساد الذي اغتال كمال على دراية تامة بدوره الإعلامي البارز في منظمة التحريرالفلسطينية؛ إذ كان مسؤول الإعلام الموحد ورئيس تحرير “فلسطين الثورة”، لذا كان جلّ الرصاص مصبوباً على فمه. لم تتم عملية الاغتيال الثلاثية ليلتها إلا حين وصل كمال ناصر. كان في زيارة لابنة عمه التي حاولت إقناعه بالبقاء، لكنه أصر على العودة إلى البيت؛ لأن لديه مهمة كتابية يريد إنجازها قبل الصباح.
لم تكد دقائق تمضي، حتى نسف فريق الاغتيال الإسرائيلي الباب وأردوه قتيلاً رغم استعماله مسدساً للدفاع عن نفسه. استدل ابن عمه أديب ومن حققوا في الحادثة على ذلك من خلال الدم الذي كان يقطر من باب شقته حتى أسفل الدرج والذي لربما يعود لأحد قتلته.
يستذكر أديب، الذي أحبُّ زيارته في بيته الرائق الأنيق بين الدوّارين الثامن والسابع في عمّان، موقفاً لابن عمه كمال. يقول إنه لم يرضَ يوماً أن يصنف كعسكري بل كأديب وإعلامي، على الرغم من بسالته في الدفاع يوم استشهاده. يستذكر كيف أنيطت به ذات مرة مسؤولية نقل أسلحة. كان قد أبدى امتعاضه قبل أن ينفذ الأمر. قال “اسمي كمال بطرس ناصر وليس كمال بن عنترة بن شداد العبسي. مش ملاقيين غيري؟”.
يستذكر أديب أن كل شيء كان ينذر بقرب اغتيال كمال. يقول إنه استيقظ صباحاً في بغداد ليكتشف بأن حديقته غارقة في المياه من دون مبرر. ساعات وكان خبر اغتيال كمال في بيروت قد أغرقه كذلك. أيضا كتابة كمال وصية لأمه، والعثور على ورقة في شقته بالفردان مكتوب فيها من قِبل شخص لم يذكر اسمه تحذيراً من عملية اغتيال واسعة ستجري على يد أنظمة عربية وعملاء. 
يقول أديب إن صراحة ابن عمه كمال كانت مزعجة لمن لا يحبون الصراحة ولمن كانت لديهم ارتباطات عدة ولمن كانوا لا يقبلون ملاحظات على الأداء الفصائلي. كان عربياً معتزاً بعروبته، وكانت له علاقات واسعة مع الإعلام الغربي وكان شاعراً وخطيباً مفوهاً، وله من الكاريزما والشعبية الكثير.
يستذكر أديب جوانب أخرى لدى كمال. يقول إن لديه صوتا جميلا في الغناء وإنه كان يزجي الوقت أثناء ركوبهما في السيارة بأداء أغنيات عدة من أشهرها “يا زهرة في خيالي” و”يا عاشقة الورد”، إلى جانب كونه عازف بيانو محترفاً، كما كتب معظم الأناشيد التي ما تزال تؤدى في جامعة بيرزيت حتى اليوم؛ ذلك أن عائلته هي من أسست هذه الجامعة.
ما يزال أديب ناصر يصر على استحضار صورة ابن عمه كمال بأبهى حلته حتى والدم يغرق رأسه. يقول “ذهبت للكرنتينا وأخذت من خزانته بدلة وقميصاً وربطة عنق أنيقة. كان عريساً وسيماً رغم كل ما اقترفوه أثناء الاغتيال”.
عضّ أديب على جراحه، وقام في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال كمال بتشكيل لجنة في بيروت؛ لجمع أعمال كمال الشعرية بصوته، كما جمعَ كل ما كُتب عنه في حياته وعند اغتياله. يقول أجزم أنه لم يندم يوما على طريق اختاره رغم كل ما قاساه. بل لو كان لأي منا أن يختار مجدداً، لاختار كمال “الذي أعرفه جيداً ما اختاره سابقا بلا تردد”.
لكمال، برقّته ووسامته وشِعره وغنائه ووِحدته بلا زوجة وأطفال ولقيافته وأناقته.. وردة.. أي وردة؟ الورد كلّه لكمال.