رؤية ملكية لتحويل تحديات المياه إلى "قصص نجاح"

سد الملك طلال-(تصوير: ساهر قدارة)
سد الملك طلال-(تصوير: ساهر قدارة)

عمان- خطوات ممنهجة ومدروسة، ارتكزت على الرؤية الملكية، ومنذ تولي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية خلال 25 عاما، تمكنت من تخطي مصاعب ثقيلة يحملها قطاع المياه على كاهله، في بلد يصنف ثاني أفقر دولة في المياه عالميا، لتحوّل المشهد المائي "القاتم" لقصص نجاح.

اضافة اعلان


ففي وقت تواجه فيه المملكة تحديات مياه جمّة في موضوع ندرة المياه، نتيجة عوامل عدة، تتوزع بين تراجع مصادر المياه وعدم إمكانيتها تلبية الضغط الهائل على الطلب، نتيجة النمو السكاني والتغير الديمغرافي وتبعات التغير المناخي، لكن القطاع حظي دوما برعاية ملكية سامية.


وفي هذا السياق، أكد مختصون في القطاع في تصريحات لـ"الغد"، أن تلك الرعاية السامية تمثّلت بتنفيذ مجموعة كبيرة من المشاريع الإستراتيجية التي ساهمت بتحقيق الأمن المائي وتعزيز حصة الفرد من المياه.


وأشار الخبراء لاتخاذ الحكومة زمام المبادرة في وقت مبكر، لتحليل التحديات التي تفرضها ندرة المياه، وصياغة تدابير الاستجابة والتكيف السريع، مسلّطين الضوء على ما شهده العهد الحالي لجلالة الملك، باعتباره "مرحلة مميزة وانطلاقة قوية لقطاع المياه، وذلك في ضوء النجاح بتوفير المياه الصالحة للشرب لـ98 % من السكان، وربط نحو 68 % من المواطنين على خدمات الصرف الصحي، بالإضافة لوجود ما يتجاوز الـ30 محطة تنقية مياه عادمة في الأردن".


ولفتوا إلى ارتكاز الرؤية الملكية على اعتبار المياه، عنصرا أساسيا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمن الوطني؛ لإفساح المجال للنمو الاقتصادي في المملكة والنهوض بنوعية حياة المواطنين، مشيرين لاتخاذ الحكومة زمام المبادرة في وقت مبكر لتحليل التحديات التي تفرضها ندرة المياه، وصياغة تدابير الاستجابة والتكيف السريع.


من جانبه، أكد الأمين العام الأسبق لسلطة المياه إياد الدحيات أن القطاع في الأردن، وبمرور 25 عاما لتولي جلالة الملك سلطاته الدستورية، حظي دوما برعاية ملكية سامية تمثّلت بتنفيذ مجموعة كبيرة من المشاريع الإستراتيجية التي ساهمت بتحقيق الأمن المائي وتعزيز حصة الفرد من المياه.


وقال الدحيات، إن تلك المشاريع عزّزت قدرات قطاع المياه للاستجابة للضغوطات الناتجة عن محدودية التزويد المائي في ظل ازدياد الطلب على المياه، نتيجة التغيّر المناخي وتدفّق اللاجئين من الدول المجاورة.


ومن أهم هذه المشاريع الإستراتيجية التي نفذت بناء على التوجيهات الملكية السامية: سد الوحدة الذي افتتح في العام 2004 بسعة تخزينية تصل إلى 110 ملايين م3 للاستفادة من مياه نهر اليرموك والينابيع والأودية في المنطقة، وذلك إلى جانب مشروع جر مياه الديسي الذي افتتح في العام 2013 والذي يزوّد العاصمة بكميات مياه سنوية تصل إلى 112 مليون م3، ومول من استثمارات القطاع الخاص بقيمة مليار دولار، ومحطة صرف صحي السمرا التي افتتحت عام 2008 ووسعت في عام 2015 وتعالج 70 % من مياه الصرف الصحي في المملكة وتوفّر 130 مليون م3 سنوياً من المياه المعالجة، تستخدم في الزراعات المقيّدة في الأغوار الوسطى والممولة من استثمارات القطاع الخاص بـ400 مليون دولار أميركي.


ومن ضمن تلك المشاريع أيضا، مشروع نظام مياه وادي العرب (2) الذي بلغت قيمة تنفيذه 125 مليون دولار، وتزود محافظات الشمال بكميات مياه سنوية تصل لـ30 مليون م3 ومشاريع عديدة أخرى.


وأضاف الأمين العام الأسبق لـ"المياه" أن جلالة الملك يوجّه الحكومة دوما لإعداد وتنفيذ إستراتيجية وطنية للمياه، وتطبيق برامج استثمارية بالمشاريع المطلوبة، ساهمت بجلب تمويل خارجي والتشجيع على الاستثمار في القطاع عبر المنح والقروض التنموية، نفذت السنوات الماضية.


وبين أن تلك الجهود "ساهمت جذريا بالوصول إلى نسبة تغطية خدمات المياه لـ 98% من المواطنين، وتغطية لخدمات الصرف الصحي لـ65 % من المواطنين" مشيرا إلى أنها "من أعلى النسب في المنطقة العربية، ورفعت مستوى الخدمات المعيشية وتوفير فرص عمل".


وتابع أنه "تم كذلك تأسيس شركات حكومية تعمل على أسس تجارية، وتطور وتقدم خدمات نوعية في المحافظات"، معتبرا بأنها "بمنزلة حاضنة لأفكار الشباب وتعمل بشراكة مع الشركات الأردنية الناشئة والمتوسطة الحجم بتقديم الحلول المبتكرة والتقنية في المياه، لتواكب مبادرات وتكنولوجيا الدول المتقدمة".


وأوضح الدحيات، أنه تطبيقا لمبدأ سيادة القانون الذي هو أساس الدولة المدنية، أطلقت حملة أحكام سيطرة وتعديل قانون سلطة المياه، وإزالة الاعتداءات على مصادر المياه كافة، الجوفية منها أو السطحية، بالإضافة لإزالة الاعتداءات على خطوط المياه الناقلة وشبكات التوزيع السنوات الماضية.


كما السير قدما بتنفيذ إجراءات للتحول الإلكتروني في قطاع المياه، وتركيب عدادات مياه ذكية للمشتركين الجدد، واستكمال استبدال عدادات المياه التقليدية بأخرى ذكية، والتي تعمل عبر نظام إدارة البيانات مسؤولة عن جمع البيانات من أنظمة التخاطب مع العدادات العاملة وتخزينها وتدقيقها، قبيل اعتمادها للفوترة، بالإضافة للتقارير التي ساعدت في إجراء المقارنات والتحليلات وساهمت بفهم طبيعة إستهلاك المشتركين للمياه في المناطق السكنية والتجارية والصناعية، وترشيد الاستهلاك من المياه واستخدامه بالوجه الأمثل، بحسبه.


وسلّط الدحيات الضوء على تركيز الرؤية الملكية السامية في البدء بتنفيذ مشاريع تحلية مياه البحر كخيار إستراتيجي لحماية الأمن المائي الأردني، وتعزيز حصة الفرد والقطاعات الاخرى من المياه، باعتبار أنها "أصبحت موردا مائيا رئيسا ومستداما في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي تسجل حوالي 48 % من الإنتاج العالمي اليومي من المياه المحلاة".


وأضاف "إيمانا بذلك انبثق مشروع الناقل الوطني للمياه الذي يعتبر أولوية قصوى يجب المضي فيه بهدف توفير كمية مياه تقدر بـ 300 مليون متر مكعب سنويا".


وللبناء على ما أنجز في قطاع المياه، نصّت رؤية التحديث الاقتصادي في محور الموارد المستدامة؛ على "وضع إطار عام لإدارة المياه في المملكة، يوجّه نحو تعزيز الأمن المائي في الأعوام المقبلة، باعتباره الركيزة الأساسية لإفساح المجال للنمو الاقتصادي والنهوض بحياة المواطنين".


وبين أن ذلك يتمّ بتنفيذ مجموعة مبادرات، أهمها إدارة العرض والطلب على إمدادات المياه، وتشجيع الممارسات المستدامة لاستخدام المياه، والقدرة على التكيّف المناخي، وإطلاق مشاريع تحلية لتعزيز الأمن المائي، وتقليل نسبة الفاقد من المياه.


ودعا في السياق ذاته، لضرورة العمل الفترة المقبلة، على إعادة هيكلة وإجراء الإصلاحات بهدف بناء نموذج مستدام لقطاع المياه يستند على 3 محاور أساسية، لزيادة حصة كل من المواطنين والقطاعات الاقتصادية من المياه، وخفض خسائر قطاع المياه المالية.


وبرأيها، أكدت الأستاذة في كلية هندسة وإدارة الموارد الطبيعية في الجامعة الألمانية الأردنية د. منى هندية، أن الحكومة، وبتوجيهات من جلالة الملك، قامت، وبكل جد، لتوفير البدائل وتنوع المصادر؛ سعيا لتوفير حصص وزيادة كميات المياه محليا والتي تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق الأمن المائي الوطني، وذلك نتيجة "تردي وضع مصادر المياه كميا ونوعيا في الأردن والظروف السياسية الخطيرة المحيطة بنا".


وقالت هندية "على المدى القريب كان الاستناد إلى الحل الجذري على تحلية المياه والطاقة المتجددة، فتتضمن خطة وزارة المياه تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، عبر إقامة محطة تحلية على خليج العقبة جنوب الأردن لإنتاج 300 مليون متر مكعب، وضخها للعاصمة عمّان ومحافظات المملكة مع مراعاة الشروط البيئية، ليكون مشروعا أخضرا مع استخدام الطاقة المتجددة في تشغيل المشروع".


وأضافت أن "العمل جار أيضا على زيادة كميات المياه التي يتم ضخها من مشروع جر مياه حوض الديسي بمقدار 20 مليون م3 سنويا إضافية، وتجهيز البنية التحتية لتزويد مادبا والكرك من مشروع مياه الديسي وغيرها من المحافظات وتزويدها بالطاقة المتجددة لغايات الضخ".


وبينت الأستاذة في "الألمانية الأردنية" أن مشاريع عدة موجودة تعتمد على استخدام الطاقة المتجددة لضخ المياه، ووضع ألواح شمسية لضمان عدم توقفها في حال نفاذ الوقود الأحفوري"، مشيرة لأن "الاستثمار الوطني في مشاريع الطاقة المتجددة في جميع المجالات للاستدامة ولخفض تكاليف الطاقة".


وتابعت أن "قصة نجاح المشروع الوطني الناقل لمياه الديسي، إنجاز، يضاف إلى سجل إنجازات جلالته المتعددة"، موضحة أن مشروع جر مياه الديسي استطاع تحقيق الأمن المائي المتمثل بمفهوم الحق في المياه؛ نتيجة تأثيره الإيجابي، حيث شعر المواطن وبشكل ملحوظ، بتحسن نوعية وكميات ضخ المياه في مناطق شرق وغرب عمان وأيضاً في باقي محافظات المملكة.


وذلك إلى جانب إثبات الأردن قدرته على حماية حق المواطنين في المياه رغم التحديات، كالتكلفة العالية للمشروع، والتغير المناخي، بوجود أعداد كبيرة من اللاجئين وشيخوخة البنية التحتية.


كذلك في عهد جلالة الملك عبدالله، والتي تعتبر مرحلة مميزة وانطلاقة قوية لقطاع المياه، يتوفر لدى 98 % من السكان في الأردن، مياه صالحة للشرب، و68 % تصلهم خدمات الصرف الصحي، ويوجد أكثر من 30 محطة تنقية مياه عادمة في الأردن. أيضا توجد مشاريع متعددة تعمل على زيادة التغطية في المملكة بشبكات الصرف الصحي ومعالجتها لاستخدامها في ري المزروعات لتقليل استخدام المياه العذبة، وفق هندية.


وأشارت لتعديل قانون سلطة المياه بهدف الحد من الاعتداءات الواقعة على مصادر المياه وحفر الآبار الجوفية دون ترخيص، وتعديل نظام مراقبة المياه الجوفية بهدف المحافظة على مصادر المياه الجوفية وذلك بفرض قيود تنظيمية على أصحاب الحفارات وإيقاع العقوبات عليه.


وبينت أن وزارة المياه باشرت بتنفيذ الخطط للحد من فاقد المياه بناء على توصيات خطة التحديث الاقتصادي، كونها إحدى القضايا الأكثر إلحاحاً في القطاع من خلال الوقوف على واقع التزويد المائي في جميع المناطق، وتقييم الأنظمة الحالية.


وتنفيذ مشاريع للحد من الفاقد المائي، وتعزيز قدرة الشبكات وتحسين أدائها، والبحث عن مصادر مائية جديدة بناء على دراسة لكل المناطق، وتحديد سعات الخطوط والخزانات ومراعاة التوسعات العمرانية، والتوزيع لكل منطقة حسب المواسم صيفا وشتاء، بما يضمن رفع كفاءة التزويد المائي المستمر خلال السنوات المقبلة، وإدماج الخطط بين جميع الشركات العاملة في القطاع، وتأمين ونقل المياه من منطقة إلى أخرى.


وأشارت لانتهاج قطاع المياه إستراتيجيات متعددة، بهدف رفع كفاءة التزويد المائي، وتطوير الشبكات، وعزل المناطق لتحسين التوزيع والضغوطات بما يخفف الفاقد، ويوفر كلف الطاقة والصيانة، وإطالة أعمار الشبكات، وأنظمة التحكم وتركيب عدادات ذكية حديثة.


ومن ناحيتها، أكدت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه ميسون الزعبي أن الأردن "أحرز تقدما في إدارة واستخدام الموارد المائية وتوفير خدمات المياه النظيفة"، وذلك رغم ما تواجهه الأردن من تحديات المياه المستجدّة والتي تتطلب تغييرا في التفكير والنهج للتغلب عليها وعلى ما تترتب عليه من تعقيدات وصعوبات.


وتبدو مساعي قطاع المياه الأردني وجهوده بتوجيهات ملكية واضحة، في إطار خطة عمل جدّية لإدارة الموارد المائية بشكل أفضل، واستخدامها بكفاءة واستدامة لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاستدامة البيئية.


وقالت إن "أي خطة إستراتيجية للأمن المائي يجب ألا تخلو من عدد من العناصر أبرزها الإدارة الذكية للموارد المائية، وتنمية الموارد المتاحة من خلال إعادة التدوير النوعي والكمي، وزيادة كميات الإنتاج مع الالتزام بتحسين النوعية والجودة، وترشيد الاستهلاك الحالي وتغيير الثقافة والسلوكيات المرتبطة بالاستخدام غير المبرر لكميات المياه، إضافة مصادر جديدة مستدامة لتغطية الاحتياجات المتزايدة باستخدام الطاقة النظيفة والأساليب الصديقة للبيئة".


واعتبرت الخبيرة في "الدبلوماسية المياه" أن السبب وراء نجاح الإدارة المتكاملة للموارد المائية؛ "هو تمكين المجتمع المحلي وتعزيز الإدارة على جميع المستويات".


ودعت في هذا الإطار وزارة المياه والري لتبني "نهجا شاملا يعزز مشاركة كافة الأطراف المعنية ويعزز المسؤولية المشتركة لتحقيق الأهداف، مع التركيز على التعاون والتآزر مع المشاريع والبرامج التي يتم تنفيذها حاليا لتحقيق أقصى قدر من التأثير وتبادل المعرفة والبناء على الإنجازات السابقة".


وتطرّقت الزعبي لحلول قد يمضي بها قطاع المياه خاصة في سياق مواجهة تحديات وقوعه ضمن المنطقة الجافة شبه الصحراوية، وبالتالي يفقد الكثير من المياه بسبب التبخر، خاصة مع قلة الأمطار، مما يسبب شح المياه، ما يستدعي للتفكير "في حلول للحد من  التبخر من السدود، كإنشاء السدود الجوفية، والتي ستكون أحد الحلول المستقبلية لتخزين المياه السطحية المتسربة للطبقة المسامية وباطن الأرض من الأمطار، وتكون لها استخدامات سطحية فوق الأرض".


وتابعت "تقدّم السدود الجوفية تجربة واعدة للأردن، تسمح بالإفادة من مياه الأمطار، والحفاظ على الموارد المائية كمية ونوعية، مما يساهم في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان".


وبينت أنه رغم عدم إمكانية بناء السدود في كل مكان كونها تحتاج لظروف غرافية وطبوغرافية مناسبة لتخزين المياه، إلا أن لها فائدة مزدوجة تتمثل في تخزين المياه فوق السطح وتحته، كما أنها أرخص من حيث تكاليف البناء ومصادرة الأراضي.


وبالإضافة إلى ذلك،  توفر السدود معدلات تبخر أقل للمياه مقارنة بالسدود السطحية، ويمكن أن تلبي احتياجات الشرب والري للقرى الصغيرة والمدن المحيطة بها.


أما عن التعاون العابر للحدود والإدارة المتكاملة للموارد المائية، فاعتبرت الزعبي أنهما عاملان أساسيان لإدارة الموارد المائية في الأردن، مشيرة لاقتصار الجهود الإقليمية في هذا الشأن، على وجود مؤسسات إقليمية، ولا تملك صفة الإلزام، وتبقى الأعمال الفنية الصادرة عنها مجرد حبر على ورق.


ويشير الواقع إلى ممارسات الدول، وكل دولة تصل إلى نتائجها الخاصة، وهذا يؤدي لارتفاع التكاليف على مستوى كل دولة، بالإضافة لوجود حالة من العجز في بعض الدول، بسبب فقرها المالي أو البشريّ.

 

اقرأ المزيد في الملحق:

 

رهان على ميزات القطاع الزراعي لجعله رائدا في الإقليم والعالم

تأهيل المواطن لدخول سوق العمل.. محطات إيجابية لتجاوز تحديات الفقر والبطالة