ربع قرن من العمل على تخفيف تبعات التغيرات المناخية والحد من الانبعاثات الكربونية

مبنى وزارة البيئة- (تصوير أمجد الطويل)
مبنى وزارة البيئة- (تصوير أمجد الطويل)

عمان - تتسارع الخطى الملكية في التعامل مع التغيرات المناخية، بعد أن باتت تأثيراتها المتطرفة، تنعكس على القطاعات كافة، لتضع الأردن في مواجهة أزمة مياه غير مسبوقة، تهدد أمنه الغذائي والاقتصادي كذلك.

اضافة اعلان


هذه الخطى، تجسدت ومنذ تولى جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية في العام 1999، بإطلاق سياسات وتشريعات للتخفيف من تبعات التغيرات المناخية والتكيف معها، والحد من الانبعاثات الكربونية، وصولا إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.


ولم يكن الاهتمام الملكي في ملف التغيرات المناخية مقتصرا على الشأن المحلي وحده، بل إن مشاركة جلالة الملك في المحافل الدولية، مثل قمم المناخ، كانت كفيلة برسم خريطة طريق دولي للتعامل مع أزمة المناخ عبر تعاون مشترك فيما بين دول العالم، والاقليم، لدرء المخاطر المناخية المتطرفة.


ولعل قمة المناخ (كوب 29)، ستشكل مفترق طريق جديدا للأردن عبر تحديث وثيقة المساهمات المحددة وطنيا، والتي تعد واحدة من التزامات الدول الأطراف في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحددة للمناخ، التي ستأتي بها في هذه القمة، لتعزز طموحاتها في العمل المناخي، وتحدد فيها مساراتها الجديدة للتعاطي مع هذه الأزمة.


ومنذ بداية الألفية الجديدة، قام جلالة الملك، بجهود ملموسة في مجال التغير المناخي بالأردن، وصولا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفق الباحثة الإقليمية في أنظمة المياه المستدامة والمرنة في المعهد الدولي لإدارة المياه د. مها الزعبي.


وتكللت هذه الجهود في رؤية استدامة 2030 التي أطلقتها الحكومة برعاية ملكية، لتعزيز التنمية المستدامة في البلاد، والتحرك نحو اقتصاد أخضر ومقاوم للتغير المناخي، واعتماد إستراتيجية وطنية للتغير المناخي، لتحسين قدرة الأردن على التكيف مع أزمة المناخ، والحد من انبعاثات الكربون، على حد قولها.


ولا يقتصر الأمر على ذلك بحسبها، بل إن المساعي الملكية ذهبت باتجاه زيادة نسبة اعتماد الأردن على الطاقة المتجددة في خليط الطاقة الوطني، سعيا نحو التقليل من الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة.


وتجسدت الجهود الملكية كذلك بتشجيع الاستثمار في مشاريع التكنولوجيا الخضراء، مثل تلك التي تعتمد على الطاقة الشمسية والري المائي الذكي، للمساهمة بتقليل الآثار البيئية السلبية، وتعزيز فعالية استخدام الموارد، كما ذكرت الزعبي.


ولفتت إلى أن "ملف التغير المناخي كان على رأس أولويات جلالة الملك في المنتديات العالمية، والتي تمثلت بإطلاق مبادرة الترابط بين المناخ واللاجئين، في مؤتمر الأطراف 27 لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيرات المناخية، الذي عقد في شرم الشيخ".


وتهدف مبادرة الترابط لفهم ومعالجة العلاقة المترابطة بين تغير المناخ والهجرة القسرية واللاجئين، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه التحديات، وقد جرى تسليط الضوء على هذه المبادرة مجددا في مؤتمر الاطراف 28، في إطار مساعي الدول لتعزيز التعاون الدولي، والجهود المشتركة لمواجهة التغير المناخي وتأثيراته على اللاجئين، والمجتمعات المستضيفة.


وتراجع الحكومة التزاماتها المناخية، في مؤتمر الأطراف بشأن التغيرات المناخية (كوب 29) إذ يتوقع، بحد قول الزعبي، أن يحدد الأردن أهدافا واضحة وطموحة، للحد من الانبعاثات الكربونية، وتقديم خطط عمل ملموسة لتحقيق هذه الغاية.
ولا بد للمضي في ملف التكيف والتخفيف المناخي، أن تتبنى الحكومة إستراتيجيات فعالة للتكيف مع التأثيرات المناخية، بما في ذلك تطوير البنية التحتية المقاومة للمناخ، وتعزيز القدرات التكنولوجية، برأيها.


وأشارت إلى أن جهود مكافحة التغير المناخي على التمويل الدولي، وأهمية أن تلعب الحكومة دورا فعالا بتحديد احتياجاتها، وبناء القدرات للحصول على التمويلات الدولية.


وشددت على "تعزيز التعاون مع الدول الأخرى والجهات الدولية لتبادل المعرفة، والخبرات، وتعزيز الجهود الدولية لمواجهة التحديات المشتركة المتعلقة بالتغير المناخي".


وحثت الحكومة على "بذل الجهود لتعزيز الشفافية، وتقديم تقارير دورية وشاملة حول تنفيذ التزاماتها في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيرات المناخية".


ومن وجهة نظرها، فإن تلك المطالب والتوقعات تعكس التحديات الملموسة التي تواجهها الحكومات في مكافحة التغير المناخي، وتعزيز الاستدامة البيئية، ومن المهم على الحكومة تبني إستراتيجيات واضحة وفعالة للتعامل مع هذه التحديات في مؤتمر الأطراف.


وبرأي الخبير في السياسيات البيئية عمر الشوشان فإن "الإرادة السياسية العليا التي يمثلها جلالة الملك، حاضرة بقوة على امتداد الـ25 سنة الماضية في قطاع البيئة والتغير المناخي، المتمثلة بإنشاء منظومة السياسات والتشريعات البيئية.


كما شكلت مشاركات جلالته في الجهد الدولي في القمم العالمية للبيئة والمناخ، رافعة لتسليط الضوء على قضايا المنطقة، وفرصها في العمل المناخي والنمو الأخضر، وبيان أثر الصراعات والحروب، وما خلفته من آثار كارثية على الموارد الطبيعية، بحسبه.


وأضاف "إننا ننظر بعين التفاؤل والكثير من العزم للمرحلة المقبلة بتنفيذ مستهدفات خطة التحديث الاقتصادي، ومحركاتها البيئية، عبر تعزيز الاداء السياسي والفني لوزارة البيئة، التي شابها بعض الضعف الفترة الماضية".


كما لا بد، بحسبه، "التركيز على شمولية الجهد الوطني في مواجهة أزمة المناخ العالمية وتداعياتها على القطاعات كافة، بتحديث وثيقة المساهمات المحددة وطنيا بصورة واقعية، تضمن أعلى درجات التشاركية بين القطاعين الحكومي والخاص، وقطاع المجتمع المدني، وتوظيف القدرات الوطنية لحماية الرأس المال الطبيعي".


وأكد أن "جلالة الملك، قدم رؤية عالمية أثناء كلمته في قمة المناخ بشرم الشيخ، حين أشار لأهمية تكاملية التنمية الاقتصادية والعمل المناخي، كحل واقعي لأزمة المناخ"، لذلك يجب أن "تنطلق الحكومات من هذه الرؤية الملكية بتنفيذ السياسات والخطط الوطنية في مجال البيئة، والتغير المناخي والانتقال العادل للطاقة المتجددة، والبناء على المنجز والفرص القائمة، لتحقيق نموذج أردني مستدام اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا".


وفي مجال الاهتمام الملكي بشأن حماية التنوع الحيوي من تداعيات التغيرات المناخية، أكد المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد على أن "حماية الطبيعة في الأردن، حظيت بالأولوية الملكية منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين، وتمثلت بتأسيس الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، والمحميات الطبيعية".


وهذا الدعم الملكي "تواصل مع تولي جلالة الملك سلطاته الدستورية، والذي توج بتأسيس محمية العقبة البحرية في العام 2020، بحيث لعبت هذه المحميات دورا مهما بتوفير ملاجئ للأنواع، خاصة المهددة بالانقراض منها، وحمايتها من تبعات التغير المناخي".


وتعتبر المحميات الطبيعية، ومناطق الحماية الخاصة، من أهم الوسائل التي تسهم بالحفاظ على مساحات كبيرة من الأنظمة البيئية، المتمثلة بالأنواع النباتية والحيوانية، كما وتعزز برامج الحماية خارج الموائل، مثل بنوك البذور والجينات والمعاشب في حفظ الأصول الوراثية لتلك الأنواع. 


وينبع الاهتمام الملكي في التنوع الحيوي لما يتميز به الموقع الجغرافي للأردن الذي يتوسط ثلاث قارات، بالإضافة لتنوع مناخه، كما ولعبت تضاريسه وجغرافيتها دورا مهما، بما ضمته من مناطق متفاوتة في الارتفاعات تبدأ من 421 م تحت سطح البحر، وصولا لما يزيد على 1800 م فوق سطح البحر. وكل ذلك، وفق عيد، ساهم بتوفير منظومة متجانسة من الأنظمة البيئية المرتبطة بالمناطق الصحراوية، وصولا للواحات مثل واحة الأزرق، والأودية المائية.


 ويتمتع الأردن كذلك بأنظمة بيئية غابوية، تتمازج فيها أشجار الصنوبر الحلبي، مع البلوط متساقط الأوراق، وغابات العرعر الفينيقي جنوبا، وأشجار الطلح والسمر غربا، كما ذكر عيد.


وشهدت قضية التغير المناخي في عهد جلالة الملك، تطورات كبيرة على صعيد التشريعات، والسياسات والممارسات، ورافق ذلك حضور رفيع المستوى ومؤثر إقليميا ودوليا، وفق الرئيس التنفيذي لمنظمة محامون بلا حدود المحامي صدام أبو عزام.


وعلى "مستوى التشريعات جرى في عهد جلالة الملك، إطلاق منظومة قوانين جديدة، مع مراجعة وتحديث السابقة، كنظام التغير المناخي، وما تضمنته من نصوص تحقق الأهداف الوطنية المناخية"، مشيرا إلى أن "إطلاق الخطة الوطنية للتغير المناخي، يتوافق مع التوجهات العالمية، والجهود الأممية للحد من تأثيرات تغير المناخ".


وشهد عهد جلالة الملك، إقرارا لأكثر من 80 مشروعا في سياسات النمو الأخضر والطاقة والمياه والنفايات والنقل والزراعة، التي تصب في الجهود والتوجيهات الملكية للمضي قدما بتنفيذ السياسة الوطنية للتغير المناخي لعام 2050، فضلا عن مضاعفة الاردن لطموحاته في الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، انسجاما مع المضمون المعياري للاتفاقيات الدولية المعنية بالمناخ، وفق أبو عزام. 


وشدد على أن "الحضور والتمثيل رفيع المستوى في المؤتمرات الدولية المعنية بتغير المناخ، التي عقدت مؤخرا في الإمارات ومصر، وبمشاركة ملكية، يؤكد الأهمية التي يوليها جلالة الملك لتغير المناخ".


وبين أن "الدولة ومنذ تولي جلالة الملك سلطاته الدستورية، شهدت إجراءات مؤسسية وهيكلية، من شأنها مضاعفة الجهود الوطنية في الاستجابة لأزمة المناخ".


وتجدر الإشارة إلى أن الأردن يعيد قراءة، ومراجعة العديد من الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بالتجارة الحرة لضمان مراعاتها للبيئة، فضلا عن التصديق على الاتفاقيات الدولية المعنية بالبيئة بشكل عام، وأهمها اتفاقيتا الامم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وباريس وغيرها.


وبرأي مدير مركز المياه والبيئة في الجامعة الهاشمية، د. ضياء الروسان، فإن "القضايا البيئية كانت وما تزال جزءا من اهتمامات جلالة الملك الرئيسة، بحيث تأسست وزارة البيئة بعد تولي جلالته سلطاته الدستورية بـ4 أعوام، لتكون خطوة حاسمة نحو تحقيق رؤيته الملكية في أردن أكثر استدامة، وتعزيز دور الأردن في الجهود العالمية لمواجهة التحديات البيئية".


"كما وكان جلالته حريصا على المشاركة شخصيا في أهم مؤتمرات الأطراف للتغير المناخي، مثل: كوب 21 في فرنسا، والذي انبثقت عنه اتفاقية باريس التاريخية، وكوب 27 في مصر، والذي أطلق فيه جلالته مبادرة المناخ واللاجئين، وكوب 28 الذي أقر فيه صندوق الخسائر والأضرار"، وفق الروسان.


وأضاف أن "الاهتمام الحثيث لجلالته يظهر جليا من خلال تأكيده الدائم على التزام الأردن بالتنمية المستدامة، والحد من تأثيرات التغير المناخي في كتب التكليف السامي للحكومات، التي تحتوي على توجيهات للحكومة بخصوص تعزيز استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، ووضع وتطبيق سياسات بيئية وتشريعات تقلل من التلوث، وتساعد في التكيف مع تأثيرات التغير المناخي".


وبين أن "الحكومات عملت على على تنفيذ رؤية جلالته لمواجهة تحديات التغير المناخي، وتعزيز الاستدامة البيئية، عبر تنفيذ مجموعة واسعة من المبادرات والسياسات، والمشاريع التي تهدف لتقليل الانبعاثات الكربونية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز القدرة على التكيف مع أزمة المناخ". 


ولكن، وفقه "ما يزال أمام الحكومات المتعاقبة في الأردن الكثير لتحققه، والتي يحول بينها وبين تحقيقها الكثير من التحديات، التي لخصها جلالته في خطابه في قمة المناخ (كوب 28) ، ووضع آلية لتجاوزها للعمل بشكل جماعي على المستوى الدولي، مع أهمية تطبيق النهج الشامل والمستدام، والعمل على تبني الحلول القابلة للتطبيق".

 

اقرأ المزيد في الملحق:

 

رهان على ميزات القطاع الزراعي لجعله رائدا في الإقليم والعالم

مسيرة التعليم.. تطوير مستمر للوصول إلى الريادة