افرحوا قليلا وتدبروا كثيرا.. أيها "الوطنيون"!

عادل عبدالرحمن عمر*

بلا شك، تعم الأفراح الحزب الحاكم في السودان على ما نال من نتائج في الانتخابات الأخيرة التي جرت في النصف الثاني من نيسان (أبريل) الماضي؛ لا لأجل النتائج المبهرة التي حصدها، إنما للفوز المستحق على إجراء انتخابات حرة وشفافة، في ظل تحديات داخلية بالغة التعقيد، وتربص مسلح من حركات متمردة أقسمت على عدم اقامة الانتخابات، بل وتخريبها بشتى الوسائل، أقربها غير قانوني وشرعي في آن.اضافة اعلان
من حق المعارضين المُسالمين أن يجربوا حملة "ارحل"، ومن حق بعض الناخبين أن يعتصموا في بيوتهم، كما جاء في حديث الرئيس عمر البشير من شكر لهم يوم النصر. كما من حق الذين مارسوا حقهم الدستوري؛ موالاة ومعارضة، أن يتغنوا فرحاً بإنجازهم العظيم. هذا منطق الديمقراطية. لكنه ليس من حق الذين بذلوا الجهد (الخبيث) في تعويق الانتخابات حتى يُلقى السودان في براثن الفوضى التي تضرب بدول كثيرة في المنطقة العربية.
انتهت فترة الانتخابات بسلامة وأمن وطمأنينة، توضح بجلاء أن الأجهزة الأمنية عملت بكفاءة واحترافية ومهنية مميزة، أثنت عليها مؤسسات إقليمية ومحلية شهدت لها بالحيدة والنزاهة. وهذا بحد ذاته انتصار بليغ، يفخر به كل سوداني غيور على وطنه، في وسط محيط هادر بالقتل والدمار والموت المجاني "الكثير".
والخطوة التي تلي الفرح (المنضبط)، النظر في قادم فترة الولاية الجديدة، التي تحتاج إلى فكر وفعل خلاّق، وكادرات مؤهلة، بعيدة عن "التشويه" الإعلامي المتعمد لاغتيال الشخصيات. ومن بعد ذلك الاستفادة من الطاقات البشرية من الإسلاميين، إضافة للوطنيين "التكنوقراط" الذين عرفوا بالحيدة والخبرة، والعلم الغزير.
الولاية الجديدة للرئيس البشير، الذي صار أكثر الناس خبرة في الشأن السوداني ودروب سياسته العصيّة الشاقة، وابتلاءات أوضاعه المتقلبة، والدسائس والمؤامرات التي لاحقته طيلة فترات الإنقاذ الأولى والوسطى والمتأخرة، هذه الولاية تأتي في ظل متغيرات جديدة بعد انتهاء مرحلة سياسية كاملة أعقبت حرب الخليج الثانية، وغزو صدام حسين للكويت. إذ حُسب السودان في المعسكر الأخير، رغم علاقاته الجيدة بأطراف خليجية عديدة، لم تشفع في ظل المحاور المعلنة آنذاك.
وقد دفع السودان لهذا الاعتقاد ثمناً باهظاً، وظل "عاري الظهر" من أي غطاء إقليمي أو عربي، إلا في مرات نادرة. والآن، يقف السودان وقوفاً واضحاً لا لبس فيه بعد "عاصفة الحزم". وهذه سياسة لا تجني أموالاً، كما صورها إعلام محلي، لكنها تجلب مصالح شتى للسودان، من النواحي الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية.
فدبلوماسيا، سوف تفتح أبواباً كثيرة كانت مغلقة، بسبب انعدام الثقة أو ضبابية المواقف. ومن ناحية سياسية، هي تضمن امتداداً عربياً وإقليمياً فاعلاً للغاية. أما من ناحية اقتصادية، فإن السودان لا يحتاج لودائع، بل لاستثمارات لتنمية موارده المتعددة الفائضة.
هذا المناخ الصحي للموقف السياسي، يوفر أجواء مواتية للولاية الجديدة للرئيس البشير، والتي من المفترض أن تستوعب الأموال المتدفقة في مشاريع حيوية، تطورّ كثيراً من القطاع الزراعي والحيواني والنقل. وهذا الثالوث الحيّوي سينقل البلاد نقلة نوعية، أو ربما قفزة بالزانة، إضافة إلى تنفيس طبيعي للاحتقان في الساحة السياسية؛ حيث سيشهد البرلمان الجديد قدراً واسعاً من التنوع الذي يعبر عن أصوات أخرى!
عودة للسياق السياسي الجديد، فإننا لا نتوقع له أن يقلب الأحوال بشكل درامي، لكنه سيكون عاملاً مثيراً لتحولات سياسية مهمة، خاصة مع السعودية ومصر. ولا نقلل مما يعكر صفو العلاقات خاصة مع الجارة الشمالية، إذ هناك الكثير من العقبات تعترض سيرها إلى آفق آخر، إلا أن الإرادة السياسية المتوفرة حالياً، يمكنها أن تنقل العلاقات إلى موقع متقدم. هذا إضافة للحوار مع أميركا.
من أبرز ملامح الفترة الجديدة، إنجاز الحوار الوطني بين أهل السودان؛ سواء كان سياسياً أو مجتمعياً، رغم أحاديث وحكايات كثيرة نثرت حول الحوار؛ تارة بالتهم الغلاظ للحكومة بإهماله والاشتغال عنه بالانتخابات، وتارة برمي العبء كله في وجه المعارضة العاجزة عن أداء شيء نافع ووطني، إلا انتظار سقوط الحكومة، وإن كان هذا لا تخفيه المعارضة. فكلتا النظرتين لا تعبران عن الحقيقة، وفيهما تطرق غير متوازن. إلا أن من الواضح احتياج الدولة لحوار هادئ عميق لا يتجاوز الآخر.
هذا الحوار المهم الذي ابتدرته الحكومة قبل فترة طويلة، يستهدف قضايا ومسائل عديدة، لم تجد أجوبة شافية، ولا قناعات عليها إجماع، طيلة فترة الاستقلال الوطني. وهذا يبشر بفرصة نادرة ليجري الحوار في هذه الولاية الجديدة للرئيس وبشروط محسنة، بعد تعب الفريقين من التشاكس وعدم قبول الآخر.
وتبدو فرصة الحوار سانحة الآن لأكثر من سبب؛ داخلي وخارجي. وربما تعوز القضية بعض الإرادة المتجاذبة، بين قبول الآخر والاعتصام بالسلطة والقوة لكلا الطرفين.
والعبء يقع على الحكومة أكثر، لأنها مسؤولة عن الصالح والطالح، والمارق المتمرد والوطني الغيور؛ فهي صاحبة السيادة في العفو والتجاوز والمحاسبة والعقاب معاً. ولذا، يتعاظم دورها في رتق النسيج الاجتماعي الذي انفرط بسببها أو من غيرها. هذه من أولويات الولاية التالية للرئيس في تقديري. ويتزامن مع ذلك بعض الملاحظات الجديرة بالاهتمام من القراءة الأولية لنتائج الانتخابات السودانية الأخيرة.
فكل برامج المرشحين انصبت في القطاع الخدمي وقضايا الناس، وتجاوزت هذه البرامج القضايا العميقة والحساسة، مثل الحرب والسلام، ما عدا الحزب الحاكم. وقد بلغت نسبة الانتخابات 46.2 % رغم مقاطعة أحزاب المعارضة المسلحة والموالية لها، بينما شاركت أحزاب عديدة أخرى.
اختبار الانتخابات مضى بسلام، وهذا انتصار كبير. إلا أن الملاحظ وجود بعض إحجام من المواطنين عن المشاركة، خاصة في الخرطوم، لاعتقادهم بفوز الحزب الحاكم، لهزالة المنظومة الحزبية التي لا يثق فيها المواطن، ومحاربتها للتنمية كقصف مولدات الكهرباء وخزانات المياة في مناطق النزاعات.
الولاية التالية للبشير التي ستبدأ بعد أيام، تأتي في ظروف داخلية وإقليمية مغايرة لما مضى، يوفر لها رصيدا من النجاح إذا توفرت إرادة غالبة لمضاعفة الإنتاج، وحصد الاستثمارات القادمة في مشروعات تبني البنية التحتية للبلاد، مع محاربة الفساد بقوانين رادعة تعمل على تزكية الفرد لصالح الدولة. ويبدو من المشاهد الحالية أن على الحزب الحاكم أن يتدبر كثيراً للمسيرة القادمة، فقد قاد البلاد في الفترات السابقة في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، والآن تمتد سلطته برهان الجماهير عليه. والتدبر قدر الحكماء، والفرح بالنصر أمر عابر لا سبيل للتعلق به، لأن القادم يحتاج للبصيرة، والخبرة، والحكمة التي لا يمنحها الله إلا لأناس ذوي حظ عظيم!

*كاتب وصحفي سوداني