الأردني مناضل

عبدالله السالم*

* الإنسان الأردني كائن فولاذي؛ مرن متكيف جيد مع البيئة القاسية. إذ تجده أول النهار يزاحم على لقمة العيش، ويصارع الظروف، وقد يضطر فطريا للغضب والملاسنة، لكنه آخر النهار يمد رجليه بحبور مفاجئ، ويرتشف كوب قهوة سادة ويلقي النكات!اضافة اعلان
* متوسط الرواتب في الأردن 500 دينار شهريا، وهو ما يشكل 10 % من متوسط الرواتب في قطر، أو 20 % من متوسط الرواتب في السعودية. مع ذلك، فأسعار المعيشة هنا في الأردن، تقارب أسعار المعيشة في البلدين، وربما أغلى أحيانا من المعيشة في السعودية، بحكم أن قطر الأغلى. وهذا ما يحيرني؛ كيف يدير الموظف الأردني حياته ومصاريف بيته الشهرية ليعيش حياة حرة كريمة؟
* حسب تجربتي الشخصية، يختلف الأردن تماما عن دول عربية مقاربة له في المستوى الاقتصادي، ودول أخرى ليست عربية، فيما يخص الرشوة. ففي تلك البلدان، تضطر للرشوة منذ أول موطئ قدم لك؛ بدءا بالمطار والمنافذ الحدودية، وانتهاء بالدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية، وهو الأمر الذي لا يوجد أبدا في الأردن؛ فالموظف ذو الراتب الذي لا يتجاوز 500 دينار، لا تسمح له كرامته أبداً بالتفكير في مثل هذا التدني الأخلاقي.
* في التقرير الصادر حديثا عن الأمم المتحدة لقياس مؤشر السعادة، والذي شمل 154 دولة في العالم؛ تسيدت سويسرا القائمة في المركز الأول، فيما احتل الأردن المركز 82؛ أي قريبا من النصف: نصف سعيد، ونصف حزين أو شقي. هذا المؤشر الذي لا أؤمن شخصيا بجدواه ودقته، لأن السعادة قد تتولد عن الجهل والتبلد والانفلات الأخلاقي والديني، إلا أنه (المؤشر) يعكس ما أريد قوله عن المواطن الأردني: إنه رغم هذه الظروف المادية القاسية، ما يزال يحمل في جعبته بعض الحيل السرية للتغلب على اليأس والنكد. موظف يستلم راتب 500 دينار، ويصرف في الشهر ألف دينار، وما يزال ينافس على المركز 82! يا له من كفاح!
* الفقر يولد الجريمة؛ هذا قانون بشري متفق عليه. والجريمة هنا ليست دائما صادرة عن روح شريرة تتلذذ بالشر، بل كثيرا ما يكون السبب الحاجة؛ فكما أن الحاجة أم الاختراع، فهي كذلك أم الاحتراق والاختراق والانحراف والانجراف والاحتراب. ليس هذا تبريرا للمجرمين، بقدر ما هو استغراب لانخفاض مستوى الجريمة في الأردن، بالرغم من انتشار الحاجة المادية، بناء على الحسبة أعلاه.
* ما يسهم في صعوبة المعيشة أيضاً، أن أغلب الشعب الأردني أبناء عشائر وقبائل وعائلات عربية، تحمل في وجدانها تلك الثقافة العربية المتمثلة في الترفع عن بعض المهن المتدنية. وهو الأمر الذي ناقشناه في المقال السابق "مطلوب موظفون". وهذا ما يجعل رب الأسرة الأردني في وضع مالي متأزم؛ فلا الراتب يكفي الحاجة، ولا الأخلاق تسمح له بالتكسب غير المشروع، ولا التقاليد تأذن له بالعمل في وظائف متدنية؛ فما الحل؟ البقاء نصف سعيد، مع وضع معيشي قاس، وكرامة عالية، ولا بأس في إلقاء بعض النكات والطرائف مساء.
* أنا متيقن لو أننا أسقطنا هذه المعطيات الاقتصادية الصعبة على شعب آخر غير الشعب الأردني، لنتج لنا عالم بشع؛ مليء بالجريمة والبؤس والانفلات الأمني وبيع الشرف والاتجار بالإنسان.. وكل شرور البشر. لكن على النقيض تماما، ليس في المحفظة إلا حفنة من الدنانير، و"يعزمك" الأردني على منسف يكلفه مئات الدنانير. إنه العربي النشمي لا يتغير.
* حسنا، هل هذا فاصل من المديح للبلد الذي أقيم فيه، ولأغراض شخصية؟ أبدا؛ فأنا حتى لا أتلقى عائدا ماديا من "الغد"، ولم أتزلف لأحد من المسؤولين باسمه في هذا المقال، ولا أدّعي أن الأردن مدينة أفلاطون الفاضلة الخالية تماما من الجريمة والفساد والظلم؛ هو بلد عربي مثل بقية البلدان العربية، لكني عن قناعة شخصية ومن تجربة ذاتية، أن وضعه الاقتصادي لا يتناسب عادة مع هذا الرفاه النفسي الموجود لدى المواطن الأردني الكادح.
رسالة شكر
شكرا إدارة متنزه غمدان؛ فأنتم لشدة رغبتكم في إفساح المكان للزوار، تنسحبون تماما من الموقع، وتتركون آلاف البشر أيام نهاية الأسبوع، بلا مرافق ولا خدمات ولا مستشفى، ولا مراكز بيع مستلزمات، ولا تنظيم سير!

*كاتب قطري