الاقتصاد الرقمي والتنافسية التصديرية للشركات المتوسطة والصغيرة

رسم تعبيري لنمو التجارة الالكترونية ضمن ما يعرف بالاقتصاد الرقمي - (ارشيفية)
رسم تعبيري لنمو التجارة الالكترونية ضمن ما يعرف بالاقتصاد الرقمي - (ارشيفية)

محمد عبداللطيف عربيات

تؤكد دراسة حديثة لبرنامج الأمم المتحدة الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا "إسكوا" (ESCWA) أن الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تشكل 98 % من عدد الشركات العاملة في الأردن، وتشغل 70 % من القوة العاملة في القطاع الخاص. لكن هذه الشركات، في المقابل، لا تساهم بأكثر من 40 % من الناتج المحلي الإجمالي. وهي مساهمة متواضعة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي مثلاً، حيث تساهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، بالمعدل، بحوالي 60 % من الناتج المحلي الإجمالي.اضافة اعلان
ويعزى ذلك، من وجهة نظري، إلى ضعف التنافسية التصديرية لشركاتنا، كما تقلص مساهمة القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعات التحويلية، في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمساهمة المصادر غير الإنتاجية، مثل المساعدات الخارجية وحوالات المغتربين.
هنا تظهر أهمية الاقتصاد الرقمي كمغير لقواعد اللعبة في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة تنافسيتها التصديرية. وتنبع هذه الأهمية من تجاوز هذا المتغير الكثير من العقبات، مثل الحجم والبعد عن الأسواق وانخفاض إجمالي الناتج المحلي، وذلك من خلال إدخال التكنولوجيا في عمليات الأعمال لهذه الشركات وخصوصاً النشاط التصديري، مشكلةً ما يسمى اليوم بالتجارة الإلكترونية عبر الحدود.
حجم التجارة الإلكترونية
في العام 2015، وصل حجم التجارة الإلكترونية للخدمات والمنتجات عالمياً، إلى حوالي 1.4 تريليون دولار. وبذلك تشكل حوالي 6 % من حجم التجارة ضمن قطاع التجزئة عالمياً، والذي يقدر للعام 2015 بحوالي 22.7 تريليون دولار. لكن هذه النسبة ترتفع عند النظر إلى نسبة إنفاق المستهلك الأميركي من خلال قطاع التجزئة الإلكتروني، إذ تقدر بـ13 %‏ من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي، و10 %‏ بالمعدل للمستهلك الأوروبي.
ولا شك أن التجارة الإلكترونية مجال واعد، ويمثل تغيراً هيكلياً كبيراً في آليات التجارة التقليدية. وهو في الوقت نفسه يمثل فرصة واعدة للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لكن، وللأسف، لا تساهم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) بأكثر من 1.9 %‏ (أقل من 2 %‏) من حجم التجارة الإلكترونية العالمية. وذلك لا يؤهل المنطقة عموماً للاستفادة من عوائد التكنولوجيا الرقمية (Digital Dividends) بالصورة التي أشار إليها تقرير التنمية الدولي للعام 2016، الصادر عن البنك الدولي.
مشروع "دلّني على السوق" نموذجاً
نفذ البنك الدولي كجهة تمويلية وإشرافية، ومركز التجارة العالمي (ITC) كجهة تنفيذية، مشروعا يهدف إلى بناء وتعزيز قدرة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التسويقية، وزيادة قدرتها على التصدير عبر الأسواق الافتراضية (الإلكترونية)، وخلق بيئة مواتية تدعم التجارة الإلكترونية وتحد من عقباتها؛ عن طريق تقديم الدعم الفني لمائتي شركة صغيرة ومتوسطة، من خلال عشرين مستشاراً تم تأهيلهم وتدريبهم، في كل من المغرب وتونس والأردن.
وقد حقق المشروع نجاحات مميزة في المغرب وتونس. ففي المغرب، مثلاً، وبدلاً من تأهيل 200 شركة؛ وهو العدد المستهدف للمشروع، تم تأهيل أكثر من 400 شركة، تم تجميعها من خلال تعاونية تصديرية إلكترونية تسمى "صنع في المغرب"، عملت على تطوير تنافسيتها للبيع من خلال الأسواق الإلكترونية. وهو ما أدى بالتالي إلى زيادة كبيرة في مبيعات القطاعات المستهدفة، كزيت الزيتون ومواد التجميل والكتب والموسيقى، من خلال الأسواق الإلكترونية.
وفي تونس أيضاً حقق المشروع أهدافه بصورة مرضية. أما في الأردن، فقد واجه المشروع، للأسف، عقبات إدارية وتنسيقية أدت إلى عدم الوصول إلى النتائج المرجوة. إذ شاركت في المشروع 50 شركة فقط، بما يعكس ضعف وعي القطاع الخاص بأهمية الأسواق الإلكترونية من جهة، وقلة عدد الشركات الجاهزة للتصدير من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، تم تجميد المشروع فترة من الوقت لحين الوصول إلى ترتيبات إدارية بين الشريك المحلي الأردني ومركز التجارة العالمي (ITC).
بالتأكيد، فإن لهذا المشروع أهمية استراتيجية كبيرة، من حيث أنه يهدف إلى الاعتماد على التجارة الإلكترونية والتصدير كأداة فعَالة لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق وظائف جديدة ومحاربة الفقر، وذلك من خلال الدعم الفني الذي يقدمه مركز التجارة العالمي (ITC) لتحسين التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة، والاستفادة من الاقتصاد الرقمي لربط سلاسل القيمة (Value Chain) بعناصرها كافة لتحقيق أكبر أثر ممكن، مستخدمين التكنولوجيا الرقمية كأداة للإبداع والابتكار. ولأن رفع تنافسية الشركات المتوسطة والصغيرة الأردنية لا تعتمد فقط على تخفيض كلّف الإنتاج ورفع مستوى كفاءة الإنتاج وتحسين الجودة فحسب، وإنما يتطلب هذا أيضا مهارات وخبرات من قبيل القدرة على التواصل بشكل فعال مع الأسواق العالمية من خلال فتح قنوات متطورة لجمع المعلومات والتسويق، واستثمارها بما يفيد العملية التصديرية. ويتضمن ذلك حجم السوق المستهدفة واتجاهاتها، ومتطلبات الالتزام بالأسواق العالمية، والمعلومات الديمغرافية والتشريعية، وغيرها من المهارات والخبرات التي يعززها المشروع.
ونأمل معاودة العمل على المشروع في الأردن، وإعطاءه الزخم المطلوب لتقديم الدعم الفني للشركات الصغيرة والمتوسطة، وتشكيل نواة لـ"بيوت تصدير" (Export Houses) و"تعاونيات" (Cooperatives) أردنية  للبيع من خلال الأسواق الإلكترونية، وعدم ترك هذه الشركات تعمل منفردة؛ لأنها بذلك تكون غير منافسة من ناحية الكلفة واستغلال قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الولوج إلى أسواق جديدة وغير تقليدية، مستخدمةً الأسواق الإلكترونية كمدخل للمستهلكين. إذ لم يعد حجم الشركة وإنتاجها هما العامل المهم فقط، بل إن قدرتها على التكيف وسرعة تحركها أصبحتا من الأهمية بمكان، بحيث تفوقان أهمية أي عوامل أخرى.