"الحابل والنابل" العربي

محمد الشواهين

"هزلت"؛ لم أجد أنسب من هذه الكلمة لتوصيف حالتنا العربية الراهنة التي اختلط فيها الحابل بالنابل. هذا على الرغم من أنني عاصرت نكسة حزيران 1967 وأعيها جيدا، بما فيها من مرار الهزيمة وانكسار النفسية العربية، بعد أن كان لدينا اعتقاد أنه جاء الوقت الذي يتحقق فيه الحلم والطموح بنصر عربي يعيد لنا الأرض العربية السليبة.اضافة اعلان
و"الربيع العربي" استبشرنا به خيرا، إذ ظننا أنه الوقت المناسب للإطاحة بالأنظمة العربية الفاسدة التي لا يرتجى منها خير مهما طال الزمن أو قصر. ثم ما لبث أن تحول إلى عاصفة هوجاء راحت تأكل الأخضر واليابس، ولنكتشف فيما بعد أن هذا الربيع القاتل لا نحركه نحن، بل تحركه أصابع خارجية، بغية إلحاق أكبر قدر من الضرر فينا كأفراد وكأنظمة، وما نحن فيه إلا مجرد أدوات، يوظفوننا ويحركوننا بغية مصالحهم ومصالح حلفائهم واتباعهم.
الرئيس السابق جورج بوش الابن كان الأكثر وضوحا فيما أطلق عليه نظام العولمة الجديد، إما معه أو ضده، ولا خيار ثالثا. فمن يومها باتوا يتلاعبون بنا وبمصالحنا ومصائرنا، ولا نملك خيارا آخر. وبات من الواضح أيضا أن أميركا كقوة عظمى تتربع وحيدة على رأس هذا النظام الجائر، تكيل بمكيالين غير عادلين حسب أهوائها، خاصة فيما يتعلق بخدمة المشروع الصهيوني التوسعي، ضمن إطار نظرية المؤامرة الفعلية، ولا نملك كعرب إلا أن نجامل ونتقبل، فعم الخراب والدمار والموت معظم أرجاء عالمنا العربي. وما يجري على أرض سورية الشقيقة من قتل وذبح وتشريد، وكذلك اليمن والعراق وليبيا والحبل على الجرار، ليس إلا نتاج "الربيع العربي" الذي اجتاحه  زمهرير عاصف، بفضل بركة النظام العالمي الجديد الذي أشرنا إليه.
من يقتل من؟ سؤال أطرحه، إذ ما نشاهده في سورية أن كل القتلة تجمعوا فيها! من أتى بهؤلاء القتلة؟ قنابل وصواريخ روسيا التي تنهمر فوق رؤوس المواطنين العرب في سورية وهم قابعون في بيوتهم، وأشلاء الأطفال والشيوخ والنساء الذين لا حول لهم ولا قوة، هل من رادع؟ بأي حق تأتي روسيا من بلادها البعيدة لتصب الموت والدمار على شعب عربي ليس من شبه جزيرة القرم التي تتنازع موسكو السيادة عليها مع أوكرانيا. وأميركا التي تدعي أنها الراعي الأمين للعدالة وحقوق الانسان، ترى بأم عينها ولا تحرك ساكنا. بل الأسوأ من ذلك نشاهدها تجامل روسيا وإيران في قتلهما للأبرياء في حلب وفي كل مدن وقرى سورية، وأصبحت بلا ريب جزءا من هذه اللعبة القذرة، ولا نملك إلا أن نجاملها، ولم يزل لدينا أمل أن يأتي الخلاص من جانبها، مع أن العقل والمنطق يشيران إلى أن المشروع الصهيوني هو صاحب المصلحة الأولى في دمار الوطن العربي وخرابه، وأميركا هي الراعي الوحيد في وقتنا الحاضر لهذا المشروع القذر.
حالة النكوص العربي؛ سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لم تعد خافية على أحد. والاطراف المتصارعة في عالمنا العربي، لم نعد ندرك من يقتل من؛ هل هم من أبناء البلد أم من المرتزقة؟ وبأي هدف؟ ولمصلحة من هذا التنظيم المسلح، وذلك المهاجم، والثالث المنسحب، والرابع المقتحم، والخامس والسادس إلى آخر القائمة. كل هذا إلى متى، ومن المنقذ؟ 
في خضم هذا البحر المتلاطم من الإرهاب والإرهاب المضاد، فإنه حتى شرفاء الأمة الذين قاموا للدفاع عن الحرية والديمقراطية، تكالبت عليهم كل قوى الشر والطغيان لإسكاتهم وإفشالهم، وراح الكل يتخلى عنهم شيئا فشيئا تحت ضغوط رهيبة من هذا الطرف المتنفذ دوليا أو ذاك.
حالة الضياع العربي لم تعد تسر صديقا، ولا نرى لها حلا في الوقت الراهن، إلا بثورة بيضاء ثقافية علمية عارمة، تقودها النخبة المثقفة المتعلمة في جميع أرجاء وطننا العربي، مدعومة من كل القوى الشريفة التي تؤمن بعروبتها، لتظهر للعالم أجمع الوجه الحسن للعرب والمسلمين. وبالمناسبة، فإن رسالة عمان هي إحدى هذه النبراسات التي من المفروض أن تقود شباب هذه الأمة إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فهل من متعظ؟