المجتمع المدني المصري في رمضان

صائمون  يتناولون طعام الإفطار في إحدى موائد الرحمن في القاهرة - (أرشيفية)
صائمون يتناولون طعام الإفطار في إحدى موائد الرحمن في القاهرة - (أرشيفية)

د. سعد الدين إبراهيم


 إن مفهوم المجتمع المدني، الذي شاع في السنوات الأخيرة، يعني "فضاء الحُرية"، الذي يتمكن فيه المواطنون من الالتقاء والاجتماع والتفاعل بإرادتهم الحُرة، وذلك للتعبير عن المشاعر، أو خدمة لقضايا تهمهم، أو سعياً وراء مصالح ينشدونها.اضافة اعلان
أهم ما ينطوي عليه مفهوم المجتمع المدني هو "الإرادة الحُرة" للمواطنين. فهم يلتقون ويجتمعون ويتفاعلون بإرادتهم الحُرة، أي باختياراتهم المحضة. أي أن "الاختيار" وليس "الإجبار"، هو عنوان المجتمع المدني.
وقد ينشأ عن التقاء الناس وتفاعلهم ارتباطات وروابط مؤقتة أو دائمة، حسبما يختار أصحابها. فالمجتمع المدني في أحد تعريفاته هو التقاء "الإرادات الحُرة" باختيارها. وكلما كثرت هذه اللقاءات والتفاعلات والروابط الحُرة، اتسعت هذه الشبكة أفقياً، وقويت عمودياً، وأصبح المجتمع المدني "درعاً" يحمي أفراده ضد غوائل الزمن، وضد سطوة الدولة، وضد الغوغاء والدهماء، وضد المُستغلين من اللصوص والنصابين والمُتشددين والمتعصبين. وأصبح البلد المعني الذي يوجد فيه هذا المجتمع المدني القوي قادراً على مُمارسة الديمقراطية والحفاظ عليها، وعلى إدارة شؤونه بكفاءة، والتعامل مع توتراته وصراعاته بشكل سلمي مُتحضر.
وقد لوحظ أن مصر شهدت في السنوات الثلاثين الأخيرة مظاهر عديدة وجديدة للتعبير عن مجتمعها المدني. ويأخذ هذا التعبير قمة مظاهره الاحتفالية في شهر رمضان الكريم. من ذلك مثلاً "موائد الرحمن"، وحفلات الإفطار والسحور الرمضانية السياسية.
وقد تضاعفت ظاهرة "موائد الرحمن"، حتى أن طُلابنا في قسم الاجتماع بالجامعة الأميركية، استطاعوا حصر ما يزيد على الألف مكان لهذه الموائد في القاهرة الكُبرى وحدها. و"مائدة الرحمن" هي عبارة عن ولائم تُقدم ساعة الإفطار في مواقع معلومة في أحياء المدينة المُختلفة ـ من أغناها، مثل الزمالك وجاردن سيتي والمعادي، إلى أفقرها مثل إمبابة وعزبة النخل ومنشية ناصر. ومائدة الرحمن بهذا المعني هي من الصدقات التي يُقدمها الميسورون للفقراء والمساكين، و"أبناء السبيل"، خلال أيام شهر رمضان. وبينما نعلم ونتفهم هذه الصدقات للفقراء والمساكين، فإن فئة أبناء السبيل قد اتسعت في موائد القاهرة لتشمل الطُلاب الجامعيين الذين يعيشون في المدينة بعيداً عن ذويهم في الأرياف. كما تشمل سائقي الحافلات والشاحنات العامة والخاصة، والذين يتصادف حلول موعد الإفطار أثناء أداء أعمالهم، أو قبل التمكن من الوصول إلى منازلهم.
ولأن من يقصدون هذه الموائد يفعلون ذلك بإرادتهم الحُرة، كما أن من يقدمونها يفعلون ذلك بإرادتهم الحُرة، فقد أصبحت نموذجاً مصرياً مُبتكراً للمجتمع المدني المصري. ورغم أن هذه المُمارسة الجديدة هي رمضانية إسلامية، إلا أنه لوحظ في السنوات الأخيرة أن عدداً مُتزايداً من المسيحيين المصريين (الأقباط) الميسورين يُشاركون بتقديم "موائد الرحمن" في أحيائهم، أو قُرب مواقع أعمالهم. أو في دوائرهم الانتخابية. كما أصبح يُشارك في تقديم هذه الموائد عدد مُتزايد من نجوم السينما والتليفزيون، مثل شاريهان وفيفي عبده. كما أصبح هناك تنافس صحي بين مُقدمي هذه الموائد في زيادة أعداد مقاعدها، وفي زيادة كمية ونوعية ما يُقدم فيها من طعام وشراب. ولكل مائدة من هذه الموائد جمهورها الثابت، وكذلك جمهورها العارض أو المُتحرك. وكالعادة في هذه المُمارسات هناك عدد ممن لديهم حُب استطلاع لأنواع الموائد المُتاحة خلال الأسبوع الأول من الشهر الفضيل، إلى أن يستقروا على أفضلها من حيث كمية ونوعية الطعام، وأبّهة المكان، ولياقة المُعاملة، وحرارة الاستقبال.
وفي موائد الرحمن مسحة من الديمقراطية التلقائية المُحببة. فليس هناك مكان مُتميز أو طاولة رئيسية لأشخاص بعينهم. فكل من يصل قبل أو قُبيل الإفطار يأخذ مكانه على المائدة بالتتالي، وترتيب الوصول. وعلى مدى الشهر تنشأ صداقات، وارتباطات تظل طوال العام، أو تتجدد كل رمضان. ومن هنا تستكمل  ظاهرة موائد الرحمن أركانها كصورة من صور المجتمع المدني في مصر المحروسة. أنه مجتمع مدني للفقراء والمساكين وأبناء السبيل.
أما الشكل الثاني الذي ابتكرته بعض القوى السياسية المصرية المحجوبة عن "الشرعية"، أي التي لم تتمكن من الحصول على موافقة الدولة لتسجيلها، كأحزاب أو جمعيات أو روابط، فهو الدعوة إلى حفلات الإفطار أو السحور الرمضانية. وقد ابتكر الإخوان المسلمون المصريون هذا الشكل تحت قيادة المُرشد العام.
وكما هو معروف حظرت الحكومة المصرية نشاط الإخوان المسلمين أكثر من مرة خلال نصف القرن الماضي، وحتى الآن، ولا يُسمح بتكوين جمعية أو حزب قانوني لهم. ولا يستطيعون الاجتماع أو تنظيم المسيرات بشكل علني كإخوان مسلمين. ولكن كما هو معروف أيضاً فإن الإخوان المسلمين لهم وجود فعلي في الشارع المصري. وقد عبّر هذا الوجود "اللاقانوني" الفعلي عن نفسه في الانتخابات النيابية المصرية. أي أن "عدم القانونية" لم يعنِ "عدم الشرعية". إن الواقع الفعلي هو الذي يُضفي "الشرعية"، حتى لو امتنعت أو تمنّعت السُلطة عن إضفاء "القانونية" على أي تجمع أو تنظيم. وقد دأب الإخوان المسلمون على تكريس شرعيتهم الوجودية بتنظيم مآدب إفطار رمضانية، يدعون إليها مُمثلي كل القوى السياسية والشخصيات العامة المصرية. ويجدون في تلبية معظم الناس لدعواتهم على هذه الموائد دليلاً إضافياً واعترافاً شعبياً بوجودهم واستحقاقهم للمُشاركة السلمية في المجرى الرئيسي للحياة العامة المصرية.
إن ما يفعله الإخوان المسلمون هو أيضاً لتكريس روح ومظاهر المجتمع المدني، وتعبير عن رغبتهم أن يكونوا جزءا منه. ولأن المجتمع المدني لا يستبعد أحداً، فإن الإخوان بموائدهم الرمضانية ودعواتهم للجميع من مسلمين وأقباط، مصريين وأجانب، رجال ونساء، يرسلون للسُلطة وللعالم رسالة مزدوجة، وهي أنهم جزء من المجتمع المدني، وأنهم لا يستبعدون المُخالفين لهم، أو المُختلفين معهم.
لقد دخل أيضاً في مظاهر المجتمع المدني الرمضانية، الإفطار الذي يُقدمه البابا لكبار الشخصيات العامة المصرية من مسلمين وأقباط. وكأنه بذلك، مثله مثل الإخوان المسلمين، يقول للجميع "إننا هنا كأقباط، نُشارك الأخوة المسلمين في احتفالاتهم بهذه المُناسبة الإسلامية الرمضانية".
لقد أصبحت موائد البابا الرمضانية مُناسبة يحرص عليها، ليس زُعماء الأحزاب المُعارضة فقط، ولكن أيضاً كبار الرسميين في الدولة. ففضلاً عن أن المُناسبة تعبّر عن أحد تجليات المجتمع المدني المصري، فإنها أيضاً تُكريس للوحدة الوطنية (بين المسلمين والأقباط)، ورد على دُعاة الفتنة الطائفية والتعصب الديني من الجانبين.
وأخيراً، وليس آخراً، فقد دخلت القوات المًسلحة المصرية، مهرجان الموائد الرمضانية. فهي تُنظم آلافا من موائد الرحمن خاصة بها في كل الأحياء الحضرية بالمُدن المصرية. وكما لو كان الجيش يُريد تجسير الفجوة بينه وبين المدنيين، فإنه أيضاً يستغل الفُرصة لإطلاع قطاعات كبيرة من الرأي العام على مستوى التنظيم والكفاءة والمروءة التي تتمتع بها القوات المُسلحة المصرية. فموائد الرحمن التي تقدمها القوات المُسلحة هي الأنظف، والأكثر تنظيماً، والأعلى كفاءة وضبطا وربطاً.
وكل رمضان وأنتم والمجتمع المدني في مصر والوطن العربي بخير.
وعلى الله قصد السبيل.