فضائح العولمة: "وثائق بنما" مثالاً

د. سعود الشرفات*

العولمة سيرورة متخطية للحدود الدولية؛ حيث يتسارع الترابط بين الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويتزايد تأثيرها سعة وعمقا كل يوم.اضافة اعلان
ويبدو عالمنا اليوم، في الحقبة الحالية من العولمة، ينضغط ويتقلص واقعيا وافتراضيا. والبشر يدركون ذلك يوما بعد يوم في كل الأحداث، مهما كان وقتها أو مكان حدوثها. وتبدو سيرورة العولمة "محايدة " نظراً لارتباطها الإيجابي الكبير بالتطور التكنولوجي الذي يعتبر القاطرة النفاثة لتسارعها.
وكما تساهم سيرورة العولمة في نشر العنف السياسي والخوف والرعب والإرهاب العالمي والجريمة المنظمة وتجارة الأسلحة والمخدرات وتبييض الأموال والتهرب الضريبي والجرائم المالية والقرصنة الإلكترونية وشبكات الدعارة والرقيق الأبيض؛ فإنها تزوّد الأطراف الفاعلة من الدول والمؤسسات والأفراد بالوسائل الكفيلة بالتعامل الإيجابي مع كل شرور العالم والرد عليها، لا بل وفضحها عالمياً.
لقد ساهمت العولمة في نشر وفضح فساد الاتحاد العالمي لكرة القدم "الفيفا"، كما نشرت وثائق وفضائح "ويكيليكس" التي نشرها مؤسس "ويكيليكس" العام 2006 جوليان بول أسانج، الذي سرب العام 2010 ما مجموعه 251000 وثيقة سرية لوزارة الخارجية الأميركية، وكشف أسرار الحرب في العراق وأفغانستان. وهناك أيضا إدوارد سنودن الموظف السابق في المخابرات ووكالة الأمن القومي الأميركي، المسؤول عن أخطر عملية تسريب معلومات في تاريخ المخابرات الأميركية لوسائل الإعلام، تتعلق بتنصت الوكالة واسع النطاق على المكالمات الهاتفية واتصالات عدد من رؤساء دول العالم.
لكن العولمة، وبكل معانيها وأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية، تجلّت مؤخرا في تسريب ونشر "وثائق بنما". إذ برزت الإمكانات الهائلة التي تمنحها سيرورة العولمة للبشر، والترابط والتأثير المتبادل بين الأطراف الفاعلة (دول ومؤسسات وأفراد)، وانعكاس ذلك على المجتمعات والدول، وتسليط الضوء على القضايا الرئيسة للاقتصاد السياسي العالمي في ظل العولمة، مثل قضية شركات الـ"أُف-شور" أو الجنان الضريبية.
تتعلق "وثائق بنما" بموضوع مهم ومثير للجدل في أدبيات العولمة الاقتصادية، ويحمل أبشع صورها، وهو يتعلق بالهروب من الجغرافيا السياسة للدول من خلال البحث عما يسمى شركات الـ"أف-شور"، وهي من الشركات المساهمة المسجلة في بلد لا يكون المالك مقيما فيه، ولا تمارس أي نشاط اقتصادي في البلد الذي تتخذه مقرا لها.
ويقدر صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وشبكة العدالة الضريبية، عدد هذه الشركات بـ103 شركات. وتقدر مؤسسات خاصة مثل شبكة العدالة الضريبية حجم استثمارات هذه الشركات بـ21-32 تريليون دولار، أو ما نسبته 24-32 % من حجم الاستثمار العالمي العام 2012.
لقد كان عدد الوثائق السرية المسربة التي تم نشرها ضمن ما سمي "وثائق بنما"، 11.5 مليون وثيقة، يرجع تاريخها إلى ما يقرُب من 40 عاما، وتتضمّن معلومات حول أكثر من 214 ألف شركة خارجية، ولها صلة بأشخاص في أكثر من 200 دولة وإقليم. وكشفت عن تورط 143 سياسيا بأعمال غير قانونية، مثل التهرب الضريبي، وتبييض أموال عبر شركات عابرة للحدود، بينهم 12 من قادة العالم الحاليين والسابقين. وتضم "وثائق بنما" مستندات توثّق تحويلات بنكيّة سرية مع شركات وهمية بقيمة ملياري دولار.
أما التحقيق العالمي بشأن هذه الوثائق، فقد أشرف عليه اتحاد دولي يضم أكثر من 100 مؤسسة صحفية، بعد أن حصل على الوثائق من صحيفة "زود دويتشي تسايتونج" الألمانية، التي حصلت عليها بدورها من مصدر مجهول. وتعود هذه الوثائق لشركة "موساك فونيسكا" الرائدة في مجال الخدمات القانونية على مستوى العالم، ومقرّها في بنما. ثم وزعت الوثائق على 370 صحفياً من أكثر من 70 دولة.
لأول مرة في التاريخ البشري، منحت الطبيعة الحيادّية للعولمة الأطراف الفاعلة فيها (الدول والمؤسسات والشركات والأفراد) درجات متساوية -تقريبا-من التأثير وتشكيل الأحداث العالمية.
وهي تنشر الخير كما تنشر الشر؛ فكما تساهم من ناحية في زيادة وتيرة الترابط السياسي والاقتصادي والمالي في العالم؛ فإنها تحطم وتفتت، من ناحية أخرى، البنى الاجتماعية والثقافية للدول والمجتمعات من دون أن يرف لها جفن أو تتأثر بنقد.

*مدير مركز شُرُفات لدراسات العولمة والإرهاب