قصة جواز سفر عراقي

د.محمد الفيضي*

لم أكن أتوقع أن تجديد جواز سفري العراقي سيستغرق مني وقتا يربو على ثلاث سنوات دون أن اظفر بشيء، فبعد حصولي على الجواز العراقي فئة (جي) سنة 2008م، وانتهاء مدة صلاحيته، قدمت بتاريخ 1/7/2014م إلى السفارة العراقية في العاصمة الأردنية عمان التي أقيم فيها منذ عشر سنوات، طلبا لتجديد الجواز، وها نحن في منتصف سنة 2017 م تقريبا، ولم احصل على الموافقة.اضافة اعلان
هذه هي الحقيقة المرة التي عانيت منها وما أزال، ويعاني مثلها عدد كبير من العراقيين، والأسباب بعد التحري مختلفة، فمنهم من كانت عِلَّته أنه يمت بصلة النسب أو مجرد القرابة بمسؤولين من النظام السابق، ومنهم من تأشر وجوده في مؤتمر للمعارضة، حتى ولو كان قد حضر لمجرد الإطلاع، ومنهم من يراد من التضييق عليه أن يلتحق بركب حكومة بغداد، ويقدم لها آيات الولاء والطاعة، وغير ذلك من الأسباب التي لا تصلح أن تكون مجرد تهم، فضلاً عن أن تكون عوامل إدانة تستوجب العقوبات القاسية، بما في ذلك تجريد العراقي من حق الحصول على جواز سفر.
أما أنا فبعد بحث عميق، واستفسار من جهات مسؤولة في الحكومة العراقية، فقد تبين لي أن سبب المنع هو حضوري في المؤتمر الذي انعقد في العاصمة الأردنية عمان بتاريخ 16/7/2014م، لعراقيين من خارج العملية السياسية، وأبلِغتُ: أن رئيس الوزراء العراقي السابق قام بإرسال كتاب إلى وزارة الداخلية في بغداد يمنع فيه من تزويد الذين عرف حضورهم في هذا المؤتمر بجوازات سفر!!.
والسفارة العراقية في عمان  رغم أنها حسبما يقال أحسن حالاً من قبل ـ لكنها للأسف الشديد لا تذكر الحقيقة، فحين أضغط على موقعها الرسمي في الانترنت، صفحة الجوازات، وابحث عن اسمي، فإني أجد العبارة الآتية: (( رفضت.. يرجى مراجعة السفارة وجلب المستمسكات الأصلية صباحا))، ورغم إني راجعت السفارة صباحا، وقدمت كل المستمسكات الأصلية، وقُبلت مني، لكن هذه العبارة هي نفسها حتى اللحظة قائمة، لم تتغير مع أن التحديث على الصفحة يتم كل يومين أو ثلاث!!.في عهد رئيس الوزراء العراقي الجديد، ظننت أن الأمر سيكون أيسر على اعتبار انه فور تسلمه السلطة صرح بعدم رضاه عن سياسات سلفه، وأنه جاء ليصلح ما فسد، فسلكت الطرق الأصولية لرفع المنع.
وقدمت أول الأمر طلباً إلى السيد الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق جان كوبيس أطلب فيه مفاتحة مكتب رئيس الوزراء الحالي بقضيتي، وجاءني مستشاره السياسي في زيارة خاصة، وأعلمني انه تمت مفاتحة مكتب رئيس الوزراء من خلال مستشاره الخاص محمد السعدي، وان ثمة تأكيدات من قبله بعدم وجود مانع قانوني أو قضائي يحول بيني وبين الحصول على هذه الوثيقة، ولكن الجواز لم يصدر!!..
فخطوت خطوة أخرى، وقدمت إلى السيد الأمين العام للأمم المتحدة السابق السيد بان كيمون، وعلمت من مصادر موثوقة أن الرجل اهتم بالأمر، وأرسل إلى مستشاره القانوني، وحين تأكد له شرعية الطلب، قام بإرسال كتاب رسمي إلى مكتب السيد رئيس الوزراء العراقي يستعلمه عن حالتي وحالات الآخرين مثلي، ولكن حكومة بغداد ظلت تماطل دون الإجابة الرسمية على الكتاب لمدة شهرين حتى غادر الأمين العام موقعه، ولم يأت الجواب حتى اللحظة!!.
وفي وعد لم ير مضمونه النور أعلن وزير الداخلية العراقي الجديد منذ شهرين تقريبا، أن من حق أي مواطن عراقي الحصول على جواز سفر، وانه سيعمل على ذلك، وأردف ذلك بتصريحات له قبل أيام انه يريد أن تكون وزارته بمنزلة الأم للعراقيين، وتتعامل بعدل مع الجميع، لكن الأقوال لم تترجم إلى أفعال، حتى اللحظة في أقل تقدير.احد القضاة العراقيين ممن يملك الخبرة الكافية والإنصاف، عُرض عليه متهم في بغداد قبل سنة تقريبا، فنظر إلى الأوراق التي بين يديه، وسأل المتهم ما تهمتك، قال يا سيادة القاضي لم افعل شيئا سوى أني كنت من الذين حضروا مؤتمر عمان، فسخر القاضي من التهمة، وقال له: هل جرى في  مؤتمر عمان حديث تناول الحكومة العراقية بالسوء أكثر مما فعل صباح الساعدي، (وهو مسؤول مفوضية النزاهة في حينها واتهم الحكومة السابقة عبر الإعلام بتصفية معارضيها وقيامها بالتفجيرات والاغتيالات بالأسلحة الكاتمة وغير ذلك) فقال لا، فقال له القاضي: فذلك صباح الساعدي يتجول في بغداد، لم يعتقله أحد، ولم يغمط له حق، قررنا براءتك، وأوجبنا إطلاق سراحك.    رئيس الوزراء الحالي للعراق نفسه كان يسمى معارضا من قبل، وكان قد منع من الحصول على الجواز العراقي، وفي نهاية السبعينيات شكا همه لشخصية عراقية، معروفة فقامت بالوساطة له عند مسؤول كبير في الدولة العراقية آنذاك، وتم منح الجواز له، وليته اليوم يتعامل بالمثل مع الآخرين!!.
والأكثر من ذلك أن الرئيس العراقي السابق الذي ينعت دائما من قبل أركان حكومة بغداد بأنه ظلم شعبه، وتجاوز على حقوقهم كان قد منع إصدار جوازات لكثير من معارضيه، وفي إحدى زيارات الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك للعراق أبلغ الرئيس العراقي أن هذا المنع ليس من حقه، لان الجواز حق وطني لكل عراقي، وهذا الحق لا ينبغي أن يخضع لأي اعتبارات أخرى، وبالفعل أصدر الرئيس السابق في اليوم التالي أمرا لكل سفارات العراق في دول العالم برفع المنع، ومنح الجواز لكل طالبيه ممن يحملون الجنسية العراقية. من المفارقة أن المستشار السياسي للسيد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، حدثني في الزيارة التي نوهت بها قبل قليل، عن ضرورة المصالحة، وأن تبدي الأطراف المعنية مرونة بخصوصها، فقلت له مندهشا: يا أخي هل أنت جاد.. مضى عليّ ثلاث سنوات وأنا أناضل في سبيل الحصول على جواز سفر، وهو من حقي، ولم افلح، واتخذتكم كمنظمة دولية وسطاء لذلك ولم تفلحوا، فكيف ستقنعني أنني قادر على أن آخذ حقوق شعبي من هذه الحكومة، وهي حقوق أعظم واكبر بكثير من قصة جواز سفر!!.
وبعد: فما دفعني إلى كتابة هذا المقال أمور، منها: رسالة مفتوحة أبعث بها إلى العالم ليدرك شيئا من معاناة العراقيين، والضغوط التي يتعرضون لها، ومثلها الى السيد الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، ليعلم أن أمام المنظمة في عهده مسؤوليات جسيمة بخصوص العراق، ليس مسألة الجواز سوى جزء صغير منها، وسيترقب العراقيون ما هو فاعل!.
*أكاديمي وسياسي عراقي