مدخلات التعليم تجني عنفا أو شهدا

عبير الحسن*

في إعلان قد يكون هزليا أو يعني ما يقول "أكاديمية الطالب المتوحش"، دعوة للأهالي لتعليم أبنائهم الفنون القتالية لمواجهة العنف الجامعي، وضمن ذلك تعلم قتال الشوارع وبالسلاح الأبيض، إضافة إلى محاضرات نظرية في علم نفس القتال وغيره، ليختم الإعلان بعبارة "ليكونوا طلابا حقيقيين"!اضافة اعلان
هذا يقودنا إلى النظر ملّيا في مخرجات التعليم المدرسي والجامعي؛ هل يحققان ما يساهم في نجاح الفرد نفسه، كما خدمة المجتمع، حقيقة؟
إذا نظرنا إلى العملية التعليمية بداية، فإننا نراها لا تراعي القدرات المختلفة عند المتلقين. وهي بأسلوبها لا تحفز على التفكير والاستنتاج والبحث؛ لاكتشاف مهارة أو موهبة عند أحدهم. وأعتقد أن كثيرا من المواهب والمهارات ضيعت ولم تر النور بسبب هذا النظام التعليمي، لما فيه من جمود وعدم حركة وفعل، بل هو يضع الجميع أما مسطرة واحدة لا ترى الاختلافات الصحية والضرورية لتكامل المجتمع.
وكم يثقل الطالب بامتحانات مدرسية، فيما الأولى الاستثمار في التعليم التفاعلي والتشاركي، وعن طريق اللعب، أو حتى بالزيارات الميدانية والتعامل مع أدوات البيئة المختلفة، كما الاحتكاك مع المجتمع بصورة مباشرة، عن طريق العمل التطوعي مثلاً. فهذه الوسائل هي ما يصقل الشخصية، ويجعل المعلومة أكثر ثباتا وقدرة على استحضارها والتعامل معها فيما بعد.
وتعلم الدين، وهو الأساس والأصل في التعليم وبناء الفرد السوي، ينحصر في حصة، ليست يومية. بل ويتم عزلها عن باقي اليوم الدراسي! فيما الدين يجب أن يكون في كل تفصيلة من يومنا، ومردنا عند كل أمر. ثم نعجب من وجود العنف بين طلابنا! فعندما تغيب الأخلاق والقيم والمبادئ، ومعرفة ما لنا وما علنا عندما لا نفهم ديننا كما يجب، حينها سينتج العنف والخصومة، ويتفرق المجتمع.
مدخلات التعليم، بما تحويه من تعليم أكاديمي، يجب أن لا تغفل عن كثير من العلم الحياتي الذي يحتاجه الطالب. فهل تتضّمن مناهجنا مادة، مثلاً، عن ضرورة أن يكون لكل فرد هدف يطمح إليه بحسب إمكاناته وقدراته، ويتعلم خلالها مهارات تحقيقه وإنجازه على أرض الواقع؟ شيء مؤسف وغير منطقي أن يقضي الإنسان إثني عشر عاما من عمره وهو لا يعرف ولا يدرك ما يريد، وما هو الشيء الذي يريد تحقيقه، لتأتي مجرد علامة تحدد ما يمكن أن يصبح عليه! أوليس الأجدى، وما يحقق الفائدة المطلوبة لبناء المجتمع، أن يحدد الطالب ذلك وهو على مقعد المدرسة، بعد سنوات معينة من التعليم، وبعد أن يأخذ الحاجات الأساسية التي لا بد أن يتعلمها، فيكثف ويوجه التعليم الأكاديمي والعملي لما يحب ويرغب من مهنة يرى نفسه فيها، ويمكن أن يبدع فيها، ويقدم فيها أفضل ما يمكن؛ أكانت أكاديمية أم حرفية أم فنية أم غيرها؟ ه
لو فكر القائمون على العملية التعليمية بأن هناك كثيرا من المهارات الحياتية يجب أن يتعلمها ويتقنها من هو على مقاعد الدراسة، ليجيد معها الطريقة الفضلى لحل المشكلات الاجتماعية؛ في تعامله مع عائلته، وما له من حقوق وما عليه من واجبات تجنب كثيرا من المشاكل الأسرية؟ وما المانع أن يتعلم طلبة الجامعات معنى الزواج بكل ما فيه؛ من اختيار صحيح لشريك الحياة، ومعرفة ما لهذه المؤسسة من مسؤولية وحقوق وواجبات لكلا الطرفين؟ ولدينا كثير من الكفاءات التي تستطيع تقديم خبرتها في هذا المجال.
أما صحياً، فهناك الكثير من العادات الصحية التي على الطالب تعلمها وومارستها منذ المراحل الأولى للتعليم، كالمحافظة على النظافة الشخصية، ونظافة كل ما حوله، وكذلك المحافظة على البيئة والعناية بها. وأيضا، تعلم النظام الغذائي الصحي، وما لكثير مما يتناوله طلبتنا من ضرر لا يدركونه. إضافة إلى ممارسة الرياضة الضرورية للجسد بطريقة علمية وعملية، لتصبح جزءا أساسيا من ممارسات الأفراد اليومية .
أما تعلم الحلول الاقتصادية، فيسهم في تنمية المجتمع، عن طريق تعلم كيفية إدارة الدخل بالطريقة الملائمة، والتعرف على كيفية إنشاء وإدارة المشاريع مثلا، وضمنها إدارة الأموال، مما قد يساهم في الحد من الفقر والبطالة. فكثير من الدول المتقدمة استطاعت النهوض عندما أوقفت التعيين الحكومي، وعمدت إلى دعم ومساندة وتشجيع المشاريع الصغيرة.
ولماذا لا يكون ضمن المنهاج المقرر مادة لتعليم وتطبيق مهارات التعامل مع الآخر؛ كيف نلقي التحية مثلا، أو كيفية الحوار معه؟ وهذا قد يكون وسيلة ناجعة في الحد من ظاهرة العنف التي باتت تستشري بين طلاب جامعاتنا، مردها عدم تقدير الذات والآخر.
حل مشكلة العنف الجامعي يبدأ بالوقاية، وليس بالعلاج. فكثيرون يدخلون مجتمع الجامعة ومعهم كثير من العنصرية وحب الأنا، وقليل من الوازع الديني والانتماء والأدب واحترام الآخر. ولن نرى عنفا في الجامعات إذا ما استثمر الوقت المهدور لدى الطلبة في ممارسة العمل التطوعي مثلا، لما لهذا العمل من دور في صقل شخصية الطالب ومده بالخبرات والمهارات المختلفة، وتفريغ طاقاته بالاتجاه الصحيح، وتولد الشعور لديه بأنه جزء مهم في حل مشكلات مجتمعه وتقديم الواجب عليه لمن له حق. هكذا نصنع طلبة حقيقيين، وليس بالطريقة المؤسفة التي أشار إليها الإعلان السابق، فنصل بالنتيجة إلى مرحلة متطورة ومتقدمة بين الشعوب.

*محررة أخبار في الإذاعة الأردنية