وداعا عصر البترول

د. حازم نسيبة

تحت عنوان مثير، في كلمة واحدة معمقة تحتاج إلى مُجلد لاستيعابها، هي نظرية "الاندماج"؛ الاندماج الذري (Fusion)، وهي نقيض الانشطار الذري (Atom Splitting)، التي من شأنها تغيير أنماط الحياة على وجه الأرض وحياة البشر جمعاء، نشرت مجلة "التايم" الشهيرة، في عددها الصادر بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، بحثاً مُعمَّقاً وضعه ليف كروسمان، وشارك فيه عدد من جهابذة العلوم الفيزيائية في مراكز العلم ومؤسساته ومختبراته، والدول الداعمة لها.اضافة اعلان
نتائج تلك الجهود العلمية والعقلية الجبارة، هي حتمية إنتاج:
- طاقة لا حدود لها؛
- ولكل إنسان على وجه الأرض؛
- وإلى أبد الآبدين؛
- ومن دون مخلفات إشعاعية أو رواسب مدمرة للبيئة، ذلك أنها من الماء وإليه.
يقول العلماء القائمون على الاندماج الذري، بدلاً من "الانشطار" الذري، وهو بحث بدأ في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وكانت نتائجه آنذاك تبدو بعيدة المنال، أنهم، أي العلماء، واثقون من النجاح في تطوير وإنجاز وتسخير تلك الطاقة الهائلة للاستخدامات البشرية في شتى مناحي حياتها، خلال فترة مقبلة لا تتعدى ربع قرن من الزمان؛ أي بحلول العام 2040 على أبعد تقدير، ومنهم من يؤمن بأسرع من ذلك.
إن هذا يعني الاستغناء عن الطاقة الهايدروكربونية -البترول- لتوليد الطاقة التي لا غنى عنها لكل جهد إنساني، وإن كان سيظل للمشتقات النفطية صناعات بتروكيماوية بالغة الأهمية في إنتاج العديد من أدوات الحياة المعيشية. ونجاح المشروع يُمثَّلُ انتقالاً من عصر إلى عصر، لا يقل أهمية في حسمه عن انتقال البشرية من الحياة البدائية، إلى المجتمعات الزراعية، ومن ثم الصناعية وأخيراً وليس آخراً، ثورة المواصلات والاتصالات... إنه علامة فارقة في تطور البشرية.
ما هي الملامح الرئيسة لتلك الثورة المقبلة، وما هي عناصرها؟ وماذا يتوجب علينا عمله كأمة لها في عصر الطاقة الهايدروكربونية باع طويل ومصالح أكيدة، سوف تنال منها الاكتشافات العلمية الخارقة في الصميم؟
يوضح الباحث الفرق بين انشطار الذرة وبين اندماجها بقوله: إن الاندماج هو عكس الانشطار -إنشطارات كبيرة مثل اليورانيوم 235 لذرات أصغر، الأمر الذي يولد الحرارة الكبيرة المعروفة.
عكس ذلك الاندماج. وهو عملية ضرب الجزيئات الصغيرة في الذرة إلى مئات ملايين الدرجات الحرارية، بحيث يؤدي اندماجها إلى توليد طاقة أضعاف أضعاف ما يولده انشطار الذرة، مع ضبط إيقاع البلازما التي تنتجها عن طريق إلكترومغناطيسية التي تتولد عن تفاعل ذراتها تحت وطأة حرارة قد تصل إلى مليارات الدرجات. إنها بإيجاز نقل ما يجري في الشمس وفي النجوم، وهي بمثابة تفاعلات ذرية هائلة نتيجة تصادمها وتفاعلها وتضاربها، مولدة حرارة لاهبة بمليارات الوحدات الحرارية.
وقد أورد دانيل كيري في كتابه المميز حول الاندماج بعنوان "قطعة من الشمس"، مقارنة بين مدى قوة الطاقة التي تتولد عن الاندماج الذري، وبين الطاقة التي يولدها حرق عشرة آلاف طن من الفحم يومياً لإدامة محطة كهرباء من طراز (A1-GW).
يقول المؤلف إنه يمكن عن طريق الاندماج الذري باستخدام الليثيوم (وهو متواجد بكثرة في البحر الميت) من بطارية واحدة بحجم الكمبيوتر المحمول "لاب توب"، وتفاعلها مع الديوتيريوم المستخرج من 45 لتراً من المياه، توليد طاقة كهربائية تكفي استهلاك بريطانيا لمدة 30 ثلاثين عاماً!
حقيقة أبعد من الخيال. إنها طاقة المستقبل الذي سوف يحلّ علينا في سنوات وعقود معدودات لا تتعدى أصابع اليدين، ولسوف نجد أنفسنا منخرطين فيها، مواكبين لها، شئنا أم أبينا.
التفصيلات العلمية والفنية لهذه العملية، موضحة بصورة شيقة وتفصيلية في البحث الذي نشرته مجلة "التايم"، والذي هو من اختصاص أساتذة وطلبة علوم الفيزياء في الجامعات، وكذلك هيئة الطاقة الذرية الأردنية التي درَّبت وتُدرب كوادر أردنية مؤهلة للعمل في منشآتها النووية، البحثية والتجارية لاحقاً.
وفي ضوء ما يجري من تقدم علمي وفني هائل في مراكز عديدة حول العالم، وبمشاركة قوية من دول هي الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، أتساءل: أين العرب؟ أم أنهم لا هون في اقتتالهم الداخلي، وليس لديهم متسع من الوقت؟!
ألا يدعو ذلك إلى التركيز في جامعاتنا على العلوم الأساسية: الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والنانو، ففي أحشائها تكمن عناصر التقدم والرخاء الاقتصادي والاجتماعي والقوة التي تتسابق أمم الأرض لاكتسابها؟ بل ربما توجد مصلحة بأن تساهم الدول العربية المقتدرة في الأبحاث التي تجرى حالياً في شتى مراكز البحث والمفاعلات التي تجرى الأبحاث فيها، مع ابتعاث أساتذة وطلبة للعمل معها مقابل ما يقدم لها من مساعدات.
المستقبل هو اليوم، وما نقدمه اليوم هو ما يُشكل المستقبل.