إكراهات التديّن في العالم الإسلامي

معاذ بني عامر

إنّ تحريك بندول الآية القرآنية "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..." (البقرة، الآية 256)، بناء على حرف الجر "في"، سيفضي إلى حقيقة صادمة فيما يتعلّق بما أقرّته -من جهة- هذه الآية على المستوى التنظيري اعتماداً على حرف الجر "في"، وما هو معمول به -من جهة ثانية- واقعاً في العالَم الإسلامي.اضافة اعلان
إنّ الحقل الدلالي الذي يتحرّك في فلكه حرف الجر "في" الوارد في الآية أعلاه، هو حقل داخلي لا حقل خارجي؛ داخل الدين لا خارجه، فالكفالة النصية هي كفالة غير إكراهية لكلِّ من لا يريد تطبيق تعاليم الدين الإسلامي، حتى ولو كان مسلماً. فالآية إذ تتجّه ناحية الداخل، فإنها تحسم مسألة الإكراه الديني مرحلة ما بعد الوعي والتبيّن بالتعاليم الدينية. ولو كان الأمر غير ذلك لجاء حرف الجر "على" بدلاً من "في"، ولأصبح عدم الإكراه خاصاً بمن هم على غير الدين الإسلامي، لكن الأمر حسم حتى بالنسبة للمسلم، فالإطار الفاعل بين الله والإنسان هو إطار الحرية الفردية لا إطار العبودية الجمعية، إذ لا يحقّ للمجموع المُتدين أن يكره فرداً على التديّن، اقتضاءً لواقع التديّن الجمعي، بل له الحق كل الحق في استلاك المسلكية التي يراها مناسبة فيما يتعلق بشؤونه الدينية، اقتضاءً لواقع الآية القرآنية أعلاه، إذ لا حرج عليه طالما أن صيغ الدين الكلية قد تجلّت في العالَم، وطالما -مرة أخرى- أنها في مرمى الوعي والتبيّن البشريين.
إذن، الآية تُؤسِّس لقاعدةٍ دينية غير إكراهية، والواقع الإسلامي ينسف هذه القاعدة، ويؤسّس لنسق إكراهي يضغط سلباً على مسلكيات الإنسان في العالَم الإسلامي، ويجعله رَهناً لاستحقاقات جمعية لا إلى إبداعات فردية. فآية "لا إكراه في الدين" ستنحو -على أيدي المسلمين- منحيين: أولهما، داخلي يقضي على فكرة التنوّع داخل الحاضرة الإسلامية. وثانيهما، خارجي يقضي بضرورة إجبار الآخرين على دخول الإسلام تحت وطأة القتل والموت.
على المستوى الداخلي، تجلّت الإكراهات نظرياً وعملياً. في الجانب النظري، تم تأثيم كلّ من يخالف ما هو متداول. فأي أطروحة مضادة لما هو سائد، مصير صاحبها الإعدام والموت. وإذا كان لأطروحة قديمة مثل أطروحة الحلاج أن لا تقابل بالرفض فحسب، وإنما بالصلب المميت أيضاً لصاحبها؛ فإن أطروحة حديثة مثل أطروحة محمود محمد طه ستقابل هي الأخرى بالرفض لها وبالموت لصاحبها، في دلالة على استمرارية الإكراهات الذهنية التي تفرضها الأنماط الدينية السائدة على الذوات الفردية، وتحاول بموجبها الحَجر عليها وعلى مسلكياتها الدينية.
وفي الجانب العملي، يدخل المسلم في حركة دؤوبة -معتقداً أن ذلك منسجم مع سياقاته الإيمانية التي تقرّبه من الرحمن الرحيم وتبعده عن الشيطان الرجيم- لمراقبة سلوكيات الناس الدينية، والحكم عليهم -قداسة أو دناسةً- في الحياتين الدنيوية والأخروية؛ مَن صلَّى في المسجد؛ مَنْ ربَّى لحيته وحفّ شاربيه؛ من يلبس الدشداشة ومن تلبس البرقع؛ من سِواكه في جيب قميصه ويرطّب به أسنانه ليل نهار؛ مَنْ يستمع إلى خطب الشيوخ الأكارم؛ من يحفظ سوراً أكثر من القرآن؛ مَنْ ينام على جنبه الأيمن؛ مَنْ الشيخ الذي يفسّر لك أحلامك؛ من يأكل سبع تمرات كل صباح؛ من يصلّي المغرب قبل أن يتناول طعام الإفطار في رمضان؛ مَن يعتمر ويذهب أكثر إلى مكة المكرمة؛ من يبني مساجد أكثر... إلخ، في تجلٍّ صارخ لانفصام الشخصية الإسلامية التي لا تفتأ تُردّد الآية القرآنية "لا إكراه في الدين" في قراءاتها اللانهائية، ولا تفتأ -من جهة ثانية- في انتهاك حُرمة هذه الآية، وذلك بإكراه الناس على نمطٍ محدّد من التديّن، قد يصل إلى درجة الكُره السيكولوجي والنبذ الاجتماعي والسجن والمنع من الكتابة ومصادرة المؤلفات، وفي حالات قد يصل إلى حد القتل والذبح.
أما على المستوى الخارجي، فقد كان لحرف الجر "في" في الآية أن يضع حداً نهائياً لما سُمِّي بالفتوحات الإسلامية وتبريرها لاهوتياً. نعم كان يمكن فهم الفتوحات الإسلامية كنشاطٍ جيوسياسي بمفاهيمنا الحديثة، نظراً للطموحات الجسورة للدولة الفتية، ومصلحتها في إحكام السيطرة على مساحات شاسعة وإخضاعها لنفوذها والاستفادة من مواردها. أما أن تُبرَّر دينياً بصفتها منسجمة مع مطلب إلهي، فذاك نسف لآية "لا إكراه في الدين"، حتى لو تم الاستناد على أحاديث تنسب إلى النبي. ففكرة الفتوحات لغاية دخول الناس في الإسلام ونقلهم من مرحلة الظلمات الشيطانية إلى مرحلة الأنوار الربانية، فكرة لا تدعهما آية "لا إكراه في الدين" ولا تقدّم لها أي مبرّر، حتى وإن وردت آيات أخرى تُقرّر أن الدين الإسلامي هو الدين الأصح عند الله، لناحية أن تلك الآيات مُتعلقة بالله تحديداً وبالقرار الذي بتّ فيه بتّا نهائياً، في حين أن آية "لا إكراه في الدين" خاصة بالإنسان. فالرابطة الدينية بين الله والإنسان هي رابطة مبنية على قرار فردي حر، لا على قرار جمعي إكراهي، يخضع فيه المرء لشرط التديّن لا لشرط الدين.
كان للآية القرآنية أن تكون "لا إكراه على الدين"، وبذلك تصبح عمليات المراقبة الدينية الصارمة على المستويين النظري والعملي، نوعاً من الإصر الطوعي بإزاء المسلمين، مع الأريحية في التعامل مع الآخر غير المسلم، نظراً لتبعات حرف الجر "على". لكن حرف الجر "في" حسم المسألة داخلياً قبل أن يحسمها خارجياً، وأي مسلكية من شأنها إخضاع المسلم وغير المسلم لمراقبات تنسجم مع أنساق التديّن الجمعي، هي 1 - نسف لقاعدة دينية وتحايل عليها وإخضاع النص القرآني لتأويلات الناس إلى حدّ استلابه استلاباً كاملاً؛ و2 - حَجْر على الحريات ودخول في علاقة إكراهية مع الله عبر الخضوع لأنماط التديّن السائدة.