الرهان على تشويه الإسلام السياسي

د. محمد المجالي*

يُرجع بعض الباحثين مفهوم الإسلام السياسي إلى عقود كاملة طويلة بعد سقوط الخلافة الإسلامية وإلغائها على يد مصطفى كمال أتاتورك، وإنشاء دولة تركيا الحديثة العلمانية؛ ويربطون مفهوم الإسلام السياسي بما نتج عن الثورة الإسلامية في إيران العام 1979، ثم ما نتج من حركات جهادية على إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان العام 1980، وانقلاب الإسلاميين في السودان العام 1989. وقد يكون هذا التشخيص مبنيا على الظهور العملي الفعلي على أرض الواقع من جهة، ووجود الأحزاب والجماعات الإسلامية الداعية إلى مفهوم الدولة الإسلامية أو الخلافة. ولكن السؤال المهم هو: هل الإسلام السياسي أمر طارئ أو اجتهادي يلجأ إليه المسلمون في أحوال خاصة، أم هو حالة من صميم الإسلام؟اضافة اعلان
هناك مِن متبني الفكر العلماني من يحكم ابتداء على الإسلام بأنه العلاقة الشخصية بين الإنسان وربه، دون تدخل في شؤون الحياة. وربما تبنى آخرون فكرة أكثر تقدما، بأن الإسلام يحوي في نظامه الشؤون المختلفة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتربويا، ولكن المصلحة تقتضي إقصاء الدين عن الحياة، بحجة أن التاريخ يخبر أن حكم الإسلام سيجر إلى دولة دينية، وبالتالي إلى دموية وفتن وحروب لا أول لها ولا آخر، والدليل أن الإسلام منذ عهد عمر رضي الله عنه ولون الحكم يميل إلى الحمرة حيث الدم المراق، وهو نفسه الذي كان زمن عثمان وعليّ، وهكذا. وبناء على ذلك، فلا داعي لإقحام الإسلام في الحكم، وليكن دينَ قيم وعبادة بلا مظاهر عملية في واقع الحياة.
بعد انهيار الخلافة وظهور الحركات القومية التي واكبت الاستعمار الغربي، ظهرت حركة الإخوان المسلمين العام 1928 على يد الشهيد حسن البنا. وكانت قد ظهرت قبلها حركات إصلاحية في صميم إصلاح العقيدة، مثل الوهابية والمهدية والسنوسية، باعتبار أن هذا الدين فيه ميزة ينبغي للجميع أن يعرفها، وهي أنه لا يموت، بل قد يضعف أثره في الناس. ويخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، فلا تطول غفوتها ولا تدوم كبوتها. فنشط العمل الإسلامي في حده الأدنى على الأقل للحفاظ على الهوية الإسلامية، ولكن وطأة الغرب كانت قوية، فتعمّق الاستعمار وكانت مأساة فلسطين، وجيء بيهود ليكونوا سببا لمعظم التخلف الذي نعيشه، حين فُرِض علينا في منطقتنا خاصة، وفي العالم عامة.
وفي خضم هذه المفاهيم والأحوال التي عصفت بالأمة، إلا أننا نرى حركة نهضة إسلامية ليس على صعيد العالم الإسلامي فحسب، بل في العالم كله، وعلى وجه التحديد في العالم الغربي نفسه الذي منه كان الغزو الثقافي والمكر العالمي لتحجيم الإسلام وتشويه صورته ونعته بما يجعل الناس ينفرون منه، من إرهاب وتخلف وتعصب وأصولية وإسلام سياسي.. ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وصدق الله إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فكان هذا الإقبال على الدين؛ إذ تحكي الأرقام أن الإسلام أكثر الديانات انتشارا في العالم برغم حملات التشويه ضده، وبرغم سوء تصرفات أبنائه، وبرغم عدم وجود نموذج الكيان الإسلامي.
إن الإسلام دين شامل منزل من رب العالمين، وطلب الله من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحكم به: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك..." (المائدة، الآية 49). ويطمئنه ربه أنه على صراط مستقيم: "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم" (الزخرف، الآية 43)، ويقول: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" (الجاثية، الآية 18). فدين هذا شأنه لا يمكن أن يكون مجرد علاقة بين العبد وربه، حين نعلم أنه الدين الخاتم الناسخ لكل الديانات السابقة، فأمَرَنا أن نخاطب الناس باتباعه: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" (آل عمران، الآية 64)، وهي الأمة الشاهدة على الأمم والأمة الوسط: "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس..." (البقرة، الآية 143).
الإسلام مفهوم شامل للحياة، فصّل الله أحكامه في القرآن أو أصّلها. وما لم يفصله القرآن فقد فصله النبي صلى الله عليه وسلم. إذ يحكي كل من القرآن والسنة أدق تفاصيل الحياة، ابتداء بأمور الطهارة وانتهاء بأمور الحكم والشورى والعلاقات الدولية، فهل هذا كله للتبرك أو الثقافة والتنظير العقلي؟! أم ليكون منهج حياة؟
إن محاولات بعض المنهزمين أمام الوهج الأحمر الموحي بلون الدم في صراعات وفتن ألمّت بالأمة عبر مسيرتها، بأن يصوروا الإسلام دينا لا يجوز أن يحكم لأنه سيجر إلى مثل هذه الأخطار، هو تهويل للمشهد من جهة، وسوء قراءة من جهة أخرى. فصحيح أنه قد وقعت أحداث دموية وفتن مأساوية، ولكن هل هذا هو حال الأمة على الدوام؟ وأخاطب عقول القارئين: هل ما نسمعه اليوم من أخبار تلفزيونية مليئة بالقتل والدماء والانفجارات والجرائم والزلازل وغيرها، يعطي انطباعا بأن الواقع هو هكذا؟ هي أخبار ليس إلا، ولا تعبر بالضرورة عن الواقع الفعلي، وكذا ما أرّخه المؤرخون عن الإسلام، فهي الأحداث الأكثر اشتهارا، وكذا من كتب عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فانظروا في سيرته في المدينة، فقد صوّر المؤرخون غزواته العسكرية، وتركوا الأمور الأخرى في حياته اليومية الاعتيادية، فهل نحكم على السيرة أنها كلها جهاد ودماء؟
الإسلام السياسي مصطلح أراد مطلقوه تشويه الإسلام، وتصويره تمردا على الإسلام نفسه، حين ظنوا أن الإسلام مجرد طقوس كما هو المفهوم الغربي العلماني عن الكنيسة. إنه الإسلام بالمفهوم الشمولي كما أنزله الله، وفيه السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والقيم والعقل والمادة والروح؛ فيه الجهاد بأنواعه، والحكم والعبادة والمعاملات والبيوع والديْن والعقوبات والأحوال الشخصية؛ فيه الحقوق بأنواعها حتى مع الأعداء؛ فيه القصص الرابطة للأمة بالتاريخ العميق للبشرية والعبر من أحوال الأفراد والجماعات؛ فيه تفاصيل ما كان وما هو كائن.. ترى: هل هذا دين ينبغي إقصاؤه عن سياسة الناس وحكمهم؟!
إن تباشير عودة الحياة الإسلامية قد ظهرت، وإن الزمان قد استدار، والأيام دول كما أخبر الله، ورياح التغيير الإيجابية قد هبّت ليستجيب الله في تطبيق سنة من سننه الحاكمة لهذا الكون: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد، الآية 11)؛ فغيّر الناسُ ما بأنفسهم، وآن الأوان ليجرّبوا النموذج الإسلامي في الحكم، بعد فشل النماذج العالمية من رأسمالية مطلقة وشيوعية أو اشتراكية مجحفة، أو قومية منقسمة على نفسها، أو علمانية سبحت في بحر المنظمات العالمية المظلم القاتم، حين ارتبطت بصهيونية عالمية ومنظمات سرية. إن الغرب نفسه يستنجد بالإسلام في نظامه الاقتصادي حين ألمّت به عاصفة الأزمة الاقتصادية العالمية، وما تزال تعصف بالعالم، ولا حل لها إلا الإسلام، وكذا التردي الأخلاقي والتفكك الأسري الاجتماعي وفشل الوصول إلى سعادة البشرية الحقيقية.
وليس بالضرورة أن ينغلق المسلمون على أنفسهم وهم يطبقون الإسلام السياسي، أو يحكمون بالإسلام، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، والبشرية كلها تبحث عن السعادة والطمأنينة، وهو تحدٍّ للمسلمين أنفسهم أن يكونوا على مستوى المسؤولية.
*عميد كلية الدراسات العليا  في الجامعة الأردنية