الشيعة: خريطة تاريخية وجغرافية

إبراهيم غرايبة

يقدم كتاب "الشيعة في العالم"، تأليف فرنسوا تويال، خريطة تاريخية جغرافية سياسية لمذاهب الشيعة وأهلها في العالم المعاصر. وهو يصلح مرجعا عاما سهلا للمثقف العام. وبالطبع، فإنه يمكن اليوم ملاحظة الحضور والتأثير الشيعي الكبير، مثل إيران والاتفاق النووي الإيراني، وفي أفعانستان وأذربيجان وباكستان والهند وآسيا الوسطى، وفي العراق وسورية ولبنان واليمن والخليج العربي. وبرغم أن الشيعة يمثلون فقط 10-12 % من المسلمين، فإن عملية توسع نفوذ الشيعة أو مقاومته تنطوي على أبعاد تتجاوز العالم الإسلامي، لتؤثر على مجمل العلاقات الدولية.اضافة اعلان
الشيعة ليسوا مذهبا واحدا أو طائفة متماسكة؛ فهم منقسمون مذهبيا وسياسيا وإثنيا. وقد كان الشيعة في القرون الخمسة الأخيرة أقلية في البلاد العربية، ولكنهم في إيران كانوا يشكلون الثقل السياسي المهم منذ القرن السادس عشر الميلادي. وكان المذهبان الحنفي والشافعي السنيان تاريخيا يشكلان مذهب الأغلبية في إيران قبل ذلك، في حين كانت الشيعة ظاهرة عربية بامتياز، ثم بدأت المسألة الشيعية تأخذ بعدا مركزيا مع بداية القرن الحادي والعشرين.
ويمثل الشيعة في إيران استثناء، مقارنة بأوضاعهم في مناطق أخرى من الشرق الأوسط. ويعود السبب في ذلك إلى أن إيران تخضع لحكم شيعي منذ أوائل القرن السادس عشر، عندما سيطرت العائلة الصفوية على الحكم هناك وفرضت المذهب الشيعي. ويعتقد البعض أن التشيع كانت مشروعا سياسيا صفويا لمواجهة الدولة العثمانية؛ إذ كانت أغلبية السكان في إيران سُنّية، مما يشكل عقبة في الصراع السياسي مع تركيا. فاستقدم إسماعيل شاه الصفوي دعاة شيعة من لبنان والعراق والبحرين لنشر المذهب الشيعي وفرضه على السكان، بل وإخلاء المراكز الإيرانية من السُنّة. ولذلك ظل المذهب السُنّي سائدا في الأطراف الإيرانية بين التركمان والعرب والكرد والبلوش، ولكن الشاه لم يتقبل وجودا سُنّيا في المجتمعات الفارسية.
وقد حاول نادر شاه إعادة فرض المذهب السُنّي في إيران في القرن الثامن عشر، ولكنه واجه مقاومة ضارية من قبل رجال الدين الشيعة الذين أثبتوا أنهم قوة مؤثرة ونافذة في المجتمع الإيراني الفارسي. فقد كانوا ينظمون صفوفهم وينظمون المجتمع أيضا، وكانوا يؤدون دورا مهما على المسرح السياسي، وأنشأوا تحولا عميقا في بنية المجتمع والسلطة والطبقات واتجاهاتها.
وأنشأت الهيئة الدينية نظاما تراتبيا من طبقات (حجة الإسلام، وآية الله، وآية الله العظمى) لتنظيم المرجعية الدينية ودورها السياسي والاجتماعي. وتحصل الهيئة الدينية على إيرادات كبيرة من الأتباع، وتدير تلك الموارد بعيدا عن سلطة الدولة. وقد استخدمت هذه الأموال في بناء شبكات مؤسسية واجتماعية مستقلة عن الدولة وقادرة على التأثير والمواجهة.
وبدأت إيران تخوض عملية سياسية معقدة تسعى للتوازن بين الدبلوماسية السياسية وبين محاولة إقامة جامعة شيعية عالمية، إذ قد واصل قادة إيران الجدد سياسات الشاه الإقليمية، وظلت إيران تعتبر نفسها دولة مهددة من قبل القوى العالمية ومنافسة للدول والقوى الإقليمية مثل تركيا.
وقد حاول الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين أن يضم إلى أذربيجان التي استولت عليها روسيا العام 1828، المقاطعات الأذرية في شمال إيران بالإضافة إلى دعم الحركات السياسية الكردية المعارضة لإيران. وينتمي الأذريون إثنياً للقومية والثقافة التركيتين، لكن التشيع يفصلهم عن الأتراك. ورغم الاتحاد المذهبي بين إيران وأذربيجان، فإن الجغرافيا السياسية تحرك التنافس والصراع بين البلدين، فقد وقفت إيران إلى جانب أرمينيا في صراعها مع أذربيجان على إقليم كرباخ.
ويمثل الهزارة في أفغانستان قومية مستقلة تتحدث الفارسية وتنتمي إلى المذهب الشيعي في بلد تنتمي أغلبيته إلى المذهب السُنّي. وبعد العام 1992 تحالف الهزارة مع الطاجيك والأوزبك في أفغانستان، لمواجهة الهيمنة البشتونية، وهو التحالف الذي هيمن على أفغانستان منذ العام 2001.
ويوجد في تركيا مجموعات شيعية، لكنها شيعة علويون يتميزون بالانغلاق، وقد تعرضوا للتهميش والاضطهاد في مراحل تاريخية سابقة. لكن المرحلة العلمانية الأتاتوركية ساعدت على دمجهم ومشاركتهم في العمليات السياسية والتحديثية التي جرت في تركيا.
وأدى المذهب العلوي المختلف عن الاثنا عشرية السائدة في إيران، إلى فجوة كبيرة بين الشيعة الأتراك وإيران، هذا بالإضافة إلى العامل الجغرافي السياسي والإثني، مما جعل الشيعة في تركيا مسألة تركية لا تشكل امتدادا سياسيا وأيديولوجياً لإيران كما هي الحال في أفغانستان والعراق على سبيل المثال.
وتنتشر في شبه القارة الهندية مجموعات من الشيعة الإثنا عشرية بالإضافة إلى مجموعات تنتمي إلى الإسماعيلية والبهرة الذين يشاركون الإسماعيليين في المذهب، ولكنهم لا يدينون بالولاء للآغا خان قائد الطائفة الإسماعيلية، وهم يشكلون أقلية بالنسبة للسنة ولكنهم يمثلون تحديا للسياسة والديمقراطية والحكم في الهند وباكستان.
وفي آسيا الوسطى تنتشر مجموعات من الشيعة الإسماعيليين في إقليم واخان وبامير التابع لأفغانستان، بعد أن كان تاريخيا تابعا للصين، وهم يدينون بالولاء للآغا خان.
وهناك أقلية شيعية في جورجيا تتكون من مجموعات اعتنقت الإسلام وانتسبت إلى المذهب الشيعي في القرن الثامن عشر. وقد تعرضوا للتهجير في عهد ستالين، ثم لمجازر بعد استقلال جورجيا عن الاتحاد السوفيتي. ويتعرض الشيعة الذين هاجروا إلى أوزبكستان للاضطهاد والتهميش على أيدي الأوزبك.
ينتشر الشيعة في العراق وسورية ولبنان واليمن والخليج العربي، وهم في العراق والخليج ولبنان ينتمون إلى المذهب الاثنا عشري السائد في إيران، وفي اليمن ينتمي معظمهم إلى الزيدية، وفي سورية إلى العلوية. وبالطبع، فإن النفط بالإضافة إلى التواصل الجغرافي والمذهبي والإثني بالنسبة لبعض الشيعة، يجعل من المسألة الشيعية في هذه المنطقة تحديا سياسيا واجتماعيا كبيرا يتداخل مع العلاقات الدولية والإقليمية.
ينتمي الشيعة في اليمن إلى المذهب الزيدي غير المعادي للسُنّة. وقد حكم الأئمة الزيديون اليمن أكثر من خمسمائة سنة وإن تخللها كثير من الثورات والصراعات مع الدولة العثمانية. وتعتبر الإمامة الزيدية الدولة الشيعية الأطول عمرا في التاريخ الإسلامي. ولكن الشيعة الزيدية حرمت من نفوذها منذ قيام الجمهورية الحديثة بسبب عزلة الزيديين الجغرافية والمذهبية.
ويشكل العلويون 10 % من سكان سورية (ويمثل كل من الدروز والإسماعيليون 1 % من السكان، وهي طوائف شيعية مختلفة عن الاثنا عشرية). وبرغم أنهم يمثلون انشقاقا شيعيا فإن إقامتهم في مناطق ذات سيادة وأغلبية سُنّية جعلتهم يعيشون في عزلة ساهمت كثيرا في بلورة مذاهب مختلفة كثيرا عن الشيعة وعن السُنّة. ولكن مع قيام الدولة الحديثة بدأت الطوائف الشيعية تندمج في الحياة السياسية بل وتقودها في سورية.
ويبلغ عدد الدروز نحو مليون شخص يقيم معظمهم في سورية ولبنان. وكان أمراء الدروز في لبنان يحكمون الدروز والشيعة والموارنة، ولكن الموازين السياسية تغيرت في القرن العشرين لصالح الموارنة. وبانتصار الثورة الإسلامية في إيران صعد الشيعة في لبنان، وتشكلت حركتا أمل وحزب الله بدعم وتمويل إيراني كبير، لتجعلا من الشيعة في لبنان رقما صعبا في العملية السياسية اللبنانية والإقليمية أيضا.