"فيسبوك": من الفضاء العلمي إلى الرَحِم الديني

معاذ بني عامر

بطريقة أو بأخرى، ثمة بحث دؤوب من قبل الإنسان عن كهف غائرٍ، عميق، آمن، يتموضع فيه طلباً للحماية. ويبدو أن انفصاله وخروجه من الكهف الأول (= كهف الرَحِم الأمومي)، قد جعله حائراً ضائعاً، لذا هو يبحث عن وطن وسط هذا المنفى الكبير. فتِلْكُمُ الغربة الوجودية التي اختصرها "كالدوين" بعبارة مؤلمة وصادمة: "إن جريمة الإنسان الكبرى أنه وُجِدَ على الإطلاق"، وجلّاها المتنبي في بيت جامع مانع: اضافة اعلان
بِمَ التعلِّل لا أهلٌ ولا وطن
                    ولا نديم ولا كأسٌ ولا سَكَنُ
أكبر من أن يحتملها الإنسان دونما حماية دائمة في رَحِم منيع.
تاريخياً، كان للأديان دور حاسم في استشعار الخطر الداهم الذي يتهدد الإنسان في وجوده؛ ليس المرئي فقط، وإنما أيضاً اللامرئي، طبيعياته وغيبياته، وجوده الأرضي وامتداداته الميتافيزيقية. لذا، عمدت الأديان -عبر تمظهرات المُتدينين- إلى استحداث نظام كهنوتي يشتمل على شبكة مزدوجة من المفاهيم والأشخاص؛ ستنتظم لاحقاً كأرحام يُلتجأ إليها بصفتها مناطق أمان يُباح لها ويستند على جدرانها.
ورغم تأكيد الأديان على خلو منظومتها الأساسية من وسيط بين الإنسان وإلهه، إلا أنّ مظاهر التديّن استطاعت عبر تاريخ طويل أن تُؤسس نظاماً كهنوتياً ساهم في بلورةِ وسيط روحاني ما بين الله والإنسان. وصار الخروج من لبوس هذه الشبكة أمراً معقداً ومحفوفاً بالمخاطر، لذا امتثل الأتباع -طوعاً وكرهاً- لهذه الشبكة، وأصبح الجلوس على كرسي الاعتراف واحداً من العلامات اللاهوتية المُميزة في تاريخ الأديان.
بالتقادم، انطوى هذا التموضع على استحقاقين رئيسين:
أولهما: سيكولوجي، لناحية التحرّر من ضغط نفسي كبير. فالاحتقانات الداخلية من شأنها الإضرار بمخرجات الذات وتمظهراتها الخارجية، لذا تصير عملية البوح والاعتراف من مستلزمات الصحة النفسية.
ثانيهما: ديني. فالاعتراف للوسيط الروحي والتموضع في رَحِمه اللامرئي، بصفته قوةً روحية عاتية تنوب عن الإله في العالم الأرضي، هو بمثابة وثيقة تطامن بين الإله والإنسان المكروب.
إسلامياً، شغل الشيوخ والدعاة ومفسرو الأحلام وسيطاً بين الله والإنسان؛ إذ صار يُعترف لهم ويباح بما يختلج في النفس، ليس لغاية الصحة النفسية وتفريغ ما في الداخل فحسب، بل للفوز بالجنة والحصول على رضا الله.
في الديانة المسيحية، شكّل طقس الاعتراف، حيث يجلس الكاهن في مكان غير مرئي بالنسبة للمُعتَرِف، حدثاً أساسياً في الخريطة التديّنية، وجزءاً من الميراث الديني المسيحي.
وفي الديانة اليهودية، شكَّل "حائط المبكى" كياناً صامتاً، مَسْمُول العيون، يُباحُ له بكلِّ شيءٍ.
في العصور الحديثة، كان على العلم (ولربما عكس ذلك بطريقةٍ أو بأخرى حنيناً لاواعياً إلى الدين واللامرئي، والنفاذ من ثمَّ إلى ما هو أشمل وأوسع من المرئي والمُتعيّن)، أن يجد ملجأ للإنسان أو كهفاً غائراً يتموضع بداخله -حتى لذاك الذي لا يؤمن بالغيبيات واللامرئيات- ويبوح له بمكنون نفسه. ولقد تفتقّت العقلية الحديثة عن ملجأ يعكس في بنيته اللامرئية صورة الكاهن أو الوسيط، الذي يُعترَفُ لَهُ باللواعج والآهات. وقد كان موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" (Facebook) هو التجسيد الافتراضي لفكرة الوسيط الذي يُباح له بكلّ شيء. ولربما جاء ابتكاره كآلية للجمع بين سكان الكوكب في موقع واحد، كتجلٍّ لعقل لاواعٍ يبحث عن فكرة جمع البشرية كلها في صعيد واحد، وبثّ شكواها دفعة واحدة.
فهو من جهة، قوة غير مرئية، لذا يتمرأى المرء وجودياً عبر تقنياته وتطبيقاته العملية دونما تبعات إثمية أو شعور بالخزي والعار؛ والبوح ساعتئذ (أثناء الكتابة على الصفحة الخاصة) هو إشهار علني للسيكولوجيا الداخلية، وخلق نوع من التوازن بين الداخل والخارج، وتفريغ الشحنات السالبة التي من شأنها الإضرار بسوية المرء. فعلى هذه المساحة الافتراضية المُترامية الأطراف، يلتحم الفردي والجمعي في صعيد واحد، ويجأران بما يساورهما من خلجات وخطرات.
من جهة ثانية، يُشكّل "فيسبوك" حائطاً للبكاء بطريقة أو بأخرى. فهذا الجدار الصامت يتحوّل إلى مبكى عظيم لكلّ المكروبين في هذا العالَم، فلا يجد المرء من خيار أمامه -لاسيما مع اشتداد أزمة العلاقات الاجتماعية بين بني البشر وانتقالها إلى العالم الافتراضي- إلا البكاء على صدر هذا الجدار الحنون.
ومن جهة ثالثة، هو بمثابة الرَحِم الأمومي الجمعي، فداخل كهفه تتموضع أعداد هائلة من بني البشر، لا تجد لها مكاناً أفضل منه للركون والأمان. فهو مساحة رخوة، لذيذة، تُغذّي الأنساق السيكولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، الجسدية، وتجعل المرء مربوطاً بها بحبل سرّي متين.
وهكذا يتجلّى "فيسبوك" كأحد الإرهاصات البشرية الكامنة بإزاء حالاته الدينية الغائرة في أعماق النفس، وإن اتخذ هذا الاستحداث الآدمي الجديد شكلاً حداثوياً انطبع بطابعٍ علمي صِرف؛ فإرهاصاته تُشكّل أحد الفتوحات الدينية العميقة، حتى لأولئك غير المُتدينين، فعلى ما يبدو أن ثمة استنطاقا للاوعي الإنسان أكثر من وعيه، حتى في أشد حالات العلم حضوراً. فالتموضع في سياق علمي صرف، والتمظهر تقنياً، لناحية الاعتمادية على المُنجز العلمي في كل الشؤون الحياتية، لم يستطع أن يقهر الطبع الإنساني بإزاء امتداداته خارج منطقة المرئي والمحدود والمحسوس! فالرَحم "الفيسبوكي" هو أرض غائرة في أعماق النفس الإنسانية، وتجلّ عبقري لفكرة الانعتاق من المرئي والاندماج اللاواعي في اللامرئي. فالاندفاعة الكبيرة من قبل أناس لا حصر لهم، ويمثلون الطبقات الاجتماعية كافة ابتداء من الزعماء وليس انتهاء بعمال الكيبلات الكهربائية، والطبقات الاقتصادية كافة ابتداء بِمَن يملكون المليارات وليس انتهاء بالمتسولين، والطبقات الثقافية كافة ابتداء بالفلاسفة وليس انتهاء بمن بدأ يصرخ لتوه كلمتي "بابا" و"ماما"، والطبقات النفسية كافة ابتداء بالمجانين وليس انتهاء بالأطباء النفسيين.
هذه الاندفاعة البشرية الهائلة بإزاء هذا الجدار الافتراضي، تتجاوز فكرة التموضع العلمي، إلى ما هو أعمق وأغزر وأخصب؛ إلى الرَحِم الأمومي والكهف الغائر، الحنون، بصفته ملاذاً آمناً من الشرور والآفات. ولربما وصلت البشرية إلى حالة من الضَنَك الكبير، بحيث لم تعد التمظهرات الدينية القديمة تنفع لاستيعاب هذا التعب البشري الشامل، لذا كان لا بد -بالتالي- من مَطْهَرٍ غير محدود، بحيث يتسنى له استيعاب البشرية كاملة دفعة واحدة.
فها هو "فيسبوك" (الرَحِم التكنولوجي الكبير) دخل بطريقة أو بأخرى في اللانهائي، أو أنه بدأ يضع رِكاب الحصان الإنساني في اللانهائي، فهو يُوفّر مساحة لا نهائية للبوح والبكاء والعبور إلى آفاق شاسعة وبعيدة، فالحبر الموجود في بحره هو حبر لانهائي، والكتابة (كتابة الهمهمات العاطفية والتقطيعات اللذيذة والمقطوعات الشعرية والولولات الشافّة... إلخ) على جدرانه الصامتة والاعتراف لها، هي كتابة لانهائية، والحفل البشري الكبير بإزاء ممارسة البوح بشكل جمعي، هو أحد تمظهرات اللامرئي بين جنبي الكائن الإنساني، بأداة علمية صرفة.