في ذكرى حطين

د. محمد المجالي*

في يوم السبت؛ الخامس والعشرين من ربيع الثاني 583هـ، كانت المعركة الفاصلة، بعد أن عاث الصليبيون فسادا في بلاد الشام، واستوطنوا فيها قرابة قرن، ودنسوا المسجد الأقصى. فكانت نهايتهم بجهود متواصلة، حين أعد صلاح الدين الأيوبي جيل النصر، وتم غسل عار التخاذل الذي مرت به الأمة، والذي أدى إلى تنكبها طريق ربها، وفرقتها وتشتت أولوياتها وولاءات حكامها. فجاء يوسف بن أيوب (صلاح الدين)، وعلم أن النصر لا بد له من إعداد؛ فأصلح الأمة، وبنى المدارس والمساجد، وقضى على الدولة الفاطمية المتخاذلة، وقاد الأمة إلى النصر المؤزر في حطين.
ولا بد في هذه الذكرى من الحديث عن واقعنا الآن، والذي بدأت فيه الأمة -إن شاء الله- اقتفاء الأثر ذاته، حيث الصحوة وانهيار قيم العدو اللدود ومعنوياته.
حين يركل ضابط صهيوني المصحف الشريف بقدمه، فهذه علامة واضحة على يأس القوم وبلوغهم حد النهاية في التخبط والقلق. وحين يتم الاعتداء على بنات صغيرات يقرأن القرآن في إحدى ساحات المسجد الأقصى، فهو علامة أخرى على همجية القوم وجنونهم. وحين يجتمع رهط منهم على امرأة محجبة لينزعوا حجابها (كما فعل بنو قينقاع قديما زمن النبي صلى الله عليه وسلم)، فذلك علامة أيضا على يأسهم. وحين يقتلعون الشجر ويهدمون الحجر، ويسرعون في كشف مخططاتهم التي تُظهر وجود هيكل مكان قبة الصخرة، فهي بقايا اعتداد بتاريخهم المزور. وكل هذا يظهر حقدهم وبقايا تحديهم لأمة المليار ونصف المليار مسلم، التي ظنوها كما كانت قبل عقود، ميتة هامدة غثائية، وإذ بالأمة تصحو من غفوتها وتنتبه من غفلتها، وتقوم من عثرتها، وتندم على ماضيها؛ فتنتفض بصحوة عامة تدرك من خلالها هويتها وإرادتها وحريتها، وتودع الخوف، بل تطلّقه. حينها يدرك الصهاينة أن ما كانوا يعتمدون عليه من سيطرة على العالم، خاصة الغربي، الذي بدوره يسير على عالمنا العربي والإسلامي، وهي معادلة في طريقها إلى التغيير مع هذا الربيع العربي المشعر بحرية الإنسان وبناء إرادته وكرامته وتطلعاته، فتكون "إسرائيل" هي الخاسر الأكبر من مجريات ما يحدث، حين يدركون ذلك يكون تخبط القوم، وتظهر حقيقتهم المزورة.
هم أهل الغدر والخيانة، نقضة العهود، وقتلة الأنبياء. وليست هذه الأوصاف من عندي لأتجنى عليهم، بل هي قرآنية أخبرنا بها الله، وأثبتتها وقائع السيرة النبوية والتاريخ، إلى أن عشنا حقيقة وجودهم في فلسطين، وتأسيسهم دولتهم المؤقتة. وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه لولا دعم الآخرين، لما بقوا لحظة واحدة. ويؤلمنا أن يكون من هؤلاء الناس من هم من المسلمين أنفسهم، وربما حرفوا النصوص ليصلوا إلى الاعتراف بهم و"حقهم" في فلسطين، وأنهم مشردون مساكين. ولا أقول لهؤلاء إلا ما قاله قديما الرئيس الأميركي بنجامين فرانكلين، حين حذر في خطاب له للمجلس التأسيسي الأميركي العام 1789م، بعد أن نالت أميركا الاستقلال، وقبل نحو مائة عام على تأسيس الحركة الصهيونية، من الخطر الجسيم الذي يشكله اليهود على أميركا وعلى أجيالها المقبلة، فقال:
"أيها السادة لا تظنوا أن أميركا قد نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهي ما تزال مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار. وهذا الخطر سوف يأتينا من جراء تكاثر عدد اليهود في بلادنا، وسيصيبنا ما أصاب البلاد الأوروبية التي تساهلت مع اليهود وتركتهم يتوطنون في أراضيها؛ إذ إن اليهود بمجرد تمركزهم في تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد ومعتقدات أهلها، وقتلوا معنويات شبابها بفضل سموم الإباحية واللاأخلاقية التي نفثوها فيهم، ثم أفقدوهم الجرأة على العمل، وجعلوهم ينزعون إلى التقاعس والكسل بما استنبطوه من الحيل لمنافستهم على كسب لقمة عيشهم، وبالتالي سيطروا على اقتصادات البلاد، وهيمنوا على مقدراتها المالية، فأذلوا أهلها، وأخضعوهم لمشيئتهم، ومن ثم أصبحوا سادة عليهم، مع أنهم يرفضون الاختلاط بالشعوب التي يعاشرونها، حتى بعد أن كتموا أنفاسها. فهم يدخلون كل بلد بصفة دخلاء مساكين، وما يلبثون أن يمسكوا بزمام مقدراتها، ومن ثم يتعالون على أهلها، وينعمون بخيراتها بدون أن يجرؤ أحد على صدهم عنها. ولقد رأينا في الماضي كيف أذلوا أهل إسبانيا والبرتغال، وما يفعلونه اليوم في بولونيا وسواها من البلاد. ومع كل هذا، جعلوا التذمر شعارهم حيثما وجدوا، والتشكيك ديدنهم. فهم يزعمون أنهم مضطهدون طالما كانوا مشردين، ويطالبون بالعودة إلى فلسطين، مع أنهم لو أمروا بالعودة إليها لما عاد جميعهم، ولظل الكثيرون منهم حيث هم. أتعلمون أيها السادة لماذا؟ لأنهم أبالسة الشعوب، فلا يمكنهم أن يعيشوا مع بعضهم البعض، لأنهم لن يجدوا فيما بينهم من يمتصون دمه. ولهذا، فهم يفضلون البقاء مع الشعوب الشريفة التي تجهل أساليبهم الشيطانية، ليثابروا على امتصاص دماء أبنائها، ولينهبوا من خيراتها". ثم يحثهم على السرعة في إخراجهم من أميركا قبل أن يستفحل أمرهم.
إن طوائف من اليهود ما تزال لا تعترف بدولة "إسرائيل"، لأن أبناء هذه الطوائف يعلمون أن تأسيسها تعجيل بزوالهم. وتروي بعض الشهادات أنهم لما أعلنوا دولتهم العام 1948، وفرحوا بذلك، كانت طوائف منهم في بغداد وغيرها تبكي، ولما سئلوا عن ذلك أخبروهم بأن النبوءة عندهم أن عمر دولتهم لن يتجاوز 76 سنة قمرية (74 سنة شمسية)، وهذا يقارب العام 2022.
وبغض النظر عن الدراسات التي تقول بأن زوال دولتهم هو فعلا في العام 2022، فإن سنن الله تعالى باقية في الاستبدال والتغيير. فحين تغير الأمة الإسلامية ما بها، فقد وعد الله أن يغير حالها: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد، الآية 11)، ولن تبقى الأحوال كما هي. وأخبرنا ربنا سبحانه بأن الأيام دول: "وتلك الأيام نداولها بين الناس" (آل عمران، الآية 140).
والتغيير الحاصل في الأمة حقيقي لا وهمي. وإن كانت الصورة الغالبة للمسلمين هي عدم الالتزام، فإن النظرة الشمولية زمانا ومكانا تظهر الصحوة والثقة بالنفس، وأن الزمان قد استدار، وأنه اقترب النصر إن شاء الله. ولعل الأهم من ذلك كله أن نسأل أنفسنا عما قمنا به تجاه ديننا وأمتنا وأوطاننا، أفرادا وجماعات، أين أثرك؟ أين بصمتك في هذه الحياة؟ كن معول بناء لا هدم، وكن متفائلا إيجابيا، وإياك أن تكون متشائما سلبيا مخذلا، وأعلم بأن للتاريخ بابين: للعظماء باب، ولغيرهم باب، فمن أي البابين يسرك الدخول؟

اضافة اعلان


*أكاديمي أردني