قلوب الأطفال وعقول الفلاسفة

معاذ بني عامر

قصة "الكُلّ ملوك" الواردة في المجموعة القصصية "العالَم من خلال قلوبهم"، للقاصة "ليندا فون كيزر لينك"، ستعمل –اقتضاء لواقع تأويلي مفتوح على خيارات الجدل والنقاش - على تغيير:اضافة اعلان
1 - قلوب الأطفال من خلال الاشتغال على ما تقتنعُ به عقولهم.
2 - عقول الفلاسفة من خلال الاشتغال على ما تطمئن إليه قلوبهم.

(1)
هل هناك مشتركات بين الأطفال والفلاسفة؟
ثمة مقولة للسيد المسيح يقول فيها: "إنْ لم تكونوا كالأطفال، فَلَن تدخلوا مَلَكوت السماء". وأظنُ أن مقصدية هذا الكلام تتجاوز حالة البراءة التي يمكن أن تُفهم من هكذا مقولة، لناحية التأكيد على مسلكية الإنسان الأخلاقية في هذا العالَم، وانسجام ذلك مع ثقافة المحبّة التي أتى بها المسيح، إلى حالة الدهشة التي يتمثّلها الطفل بين جنبيه، ويمكن له أن يسأل بموجبها أيّ سؤال بعيداً عن أعين الرقيب. فالعالَم مادته المُثيرة، وهو بصدد اكتشاف هذه المادة للاستفادة منها في وجوده الزمكاني. لذا، لا بُدّ من تفعيل ثقافة الأسئلة الدائمة والمستمرة، لا ثقافة الإجابات الجاهزة والناجزة.
هُنا، في أرض الأسئلة الكبرى، يلتقي الطفل والفيلسوف. فالأول يسأل أسئلة قد تُحرج كل من يسمعها، والفيلسوف كذلك. لكن تبقى مسألة "عاطفية أسئلة الأطفال" و"عقلانية أسئلة الفلاسفة" مسألة مؤرّقة، تدفع الناس –في الغالب - إلى التعامل بضحكٍ وحبور ونوع من الفكاهة مع أسئلة الأطفال، والتعامل برزانةٍ وجدية –ولا سيما إذا كان الفيلسوف من النوع الذي يلبس نظارات ثقيلة ورأسه أصلع ولوجهه ملامح قاسية - ونوع من الخوف مع أسئلة الفلاسفة.

(2)
في الأطروحة التي قدّمها "أفلاطون" في "الجمهورية"، وتلك التي قدّمها "الفارابي" في "آراء أهل المدينة الفاضلة"، كانت القضية الأبرز هي البحث عن مواضعات عقلانية لوجود الإنسان الفاعل في الاجتماع الإنساني، والبحث –أيضاً - عن صيغة مُثلى يُمسرح بها رؤاه في هذا العالَم. لكن إحدى الإشكالات التي واجهت هكذا طروحات أنها لم تكن شاملة للناس جميعاً، بل إن واحدة من سقطاتها الأخلاقية أنها استبعدت  -بطريقة أو بأخرى - بعض الناس من وجودها المثالي، وجعلت منهم فوق بعضهم بعضا، لا إلى جانب بعضهم بعضا، بما سيُعيد إنتاج ثقافة "العبيد/ الأسياد" حتى في تلك الطوبى العالية.
لكن هذا الشرخ الذي أوجده الفلاسفة، بسبب بعدهم عمَّا تطمئن إليه قلوبهم، كما أيقنت به عقولهم، ستعمل "ليندا فون كيزر لينك" على ردمه، وذلك بإبداع قصة من أروع ما يكون، ستتجاوز حالتها الإبداعية ما اجترحه كُلّ من "أفلاطون" و"الفارابي"، لناحية الحالة الإنسانية التي تمثّلتها القاصة وهي تُبدع قصتها. فالكُلّ شركاء في صناعة تفاصيل الحياة، من كان منهم طويلاً أو قصيراً؛ مفكّراً أو فناناً؛ ذكراً أو أنثى؛ جنوداً أو موسيقيين، فإقامة الحضارة عبر عمل إبداعي مُتنامٍ ودائم ميزة الناس في هذا القصة الاستثنائية، بما يمنحهم ليس الحقّ في الوجود والمشاركة في صناعته فقط، بل يمنحهم أيضاً وجوداً أفقياً لا يعلو فيه أحد على أحد لغاية السيطرة عليه والتحكّم بمسلكياته في الحياة.
تسرد "ليندا فون كيزر لينك":
"وبعد وفاة الملك، أصبحت البلدة الصغيرة كلها ملوك؛ الكل يرتدي تاج الملك، وأصبح الشعب سعيداً يأكل ويشرب ويمرح ويرقص وينام سعيداً، ويستيقظ من نومه متأخراً. ولكن في اليوم الثالث، لم يجدوا جميعاً لبناً لكي يشربوه، أو يخلطوه على القهوة، ولم يجدوا كريمة للغاتوه، كما لم يجدوا زبادي للإفطار. الأبقار راحت تموء لأنها تقف في الحقل منذ ثلاثة أيام ولا تجد من يحلبها. عند ذلك، اجتمع الملوك وقالو: ماذا نفعل الآن؟ فأجاب اثنان من الملوك وقالا: نحن سنقوم بحلب الأبقار، وقالت اثنتان من الملكات: ونحن سوف نقوم بعمل الزبادي والكريمة، وتنفس باقي الملوك الصعداء...".
ثم تسرد القاصة كيف واجهت الكثير من مشاكل ملوك هذه المملكة، والتطوّع الاختياري من قبل الملوك لعمل شيء يُجيدون صنعه، إلى حدّ لا يصبح فيه شعب هذه المملكة كلّه من الملوك العاملين، إلى أن تصل إلى:
"في كل مساء، اجتمعت الملكات والملوك، وقاموا بتنظيف تيجانهم من الحليب والدقيق، وريش الدجاج، ثم قاموا بالرقص والمرح، وحكموا أنفسهم بأنفسهم، وناموا في الصباح حتى العاشرة. أيها الأطفال، إذا رأيتم في أحد الأيام خبازاً أو خياطاً أو مهندساً، ولكنه يُسمى بالملك فإنكم تعلمون من هو!".
وهكذا نحنُ أمام نصّ عبقري، تأتّت عبقريته من عديد أسباب، أهمها:
1 - جمعه بين المتعة الأدبية والقيمة المعرفية. فهو من جهة يتحدّث بلغة أطفال مُدهشة، ومن جهة ثانية يتناول قضية فلسفية لطالما أريق كثير من الحبر في سبيل توصيلها إلى الناس، لكن القاصة عملت على تمريرها بسهولة ويسر.
2 - الاشتغال على فكرة الإنسان بما هو كذلك، دونما تأطيرات وطنية أو قومية أو أيديولوجية أو دينية أو طائفية، فالنصّ مُوجَّهٌ أساساً إلى الإنسان أنَّى تواجد في الزمن والمكان، بما يمنح النص صفة عبور الأذهان والأزمان.
3 - جمعه بين الفيلسوف والطفل؛ الفيلسوف إذ يُدهش بهذه البساطة، والطفل إذ تُقنعه هذه الأطروحة التي تتناول قضية من أعقد قضايا الاجتماع الإنساني في التاريخ كلّه.

(3)
بقية القصص في مجموعة "العالم من خلال قلوبهم" لا تقل أهمية ودهشة عن قصة "الكُلّ ملوك". لكني آثرت اختيار هذه القصة لأتحدث عنها في هذا المقام، ولا سيما أن مشكلة المناهج الدراسية باتت قضية مؤرقة في عموم البلاد العربية، ويمكن لنماذج مثل هذه القصة –إذ تختار للتدريس في مناهجنا - أن تحلّ قضية كبرى فيما يتعلّق بقيم التشارك والتراحم والتعاون بين الناس، على اختلاف منابتهم وأصولهم وثقافاتهم وعقائدهم ومرجعياتهم، لأنّ المجال الذي تتحرّك فيه هكذا نصوص عظيمة؛ هو المجال الإنساني على إطلاقه أنّى تواجد في هذا العالم.