مواهب روحية..!

د. سلمان العودة

أغلب الظن أنك سمعت أو قرأت عن المواهب الإنسانية؛ العقلية، والحركية، والصوتية.. فهل سبق أن سمعت أو قرأت حديثاً عن المواهب الروحية؟اضافة اعلان
- موهبة الحكمة: حين يُعبِّر الإنسان عن معنى نادر عجيب بلغة موجزة سهلة ممتنعة، بعضها يشبه كلام الأنبياء والصديقين "... وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا..." (البقرة، الآية 269).
والحكمة تنقدح في الذهن، يقولها القلب ويزكِّيها العقل، ثم تجري على اللسان. وفي "مدارج السالكين" لابن القيم، وفي "الحكم العطائية" من ذلك الخير الكثير.
- موهبة الحدس والتحديث؛ التي ظهرت في الفاروق العظيم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ" (البخاري ومسلم)؛ وكأن الملائكة تُلقي إليه الحديث من غير نبوَّة، وقلَّما قال عمر لشيء: أظنه كذا إلا كان كما قال.
- رؤية للماضي، وتفرُّس في الوجوه والملامح، ويقظة للتفاصيل الدقيقة التي تخفى على غالب الناس؛ واستقراء للأحداث؛ وفقه في توقُّع ما ينتظر في قادمات الأيام. وقد يقال: فلان ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيق!
- ظنٌ حسنٌ برب العالمين، ومعرفة للنتائج من مقدمات غير جلية، وقياس خفي لا يعرف وجهه كثير من المشغوفين بالمظاهر، وقد يصعب التعبير عنه.
- موهبة الحب؛ أن تحب الله، وتحب الصالحين من عباده، وتحب الخير للخلق كافة؛ مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف، وتبيت وتعيش بلا إحن، ولا أحقاد، ولا رغبة في الانتقام من أحد. ولا يعارض هذا حب كفّ أيدي الظالمين والمؤذين للضعفاء من عباد الله.
- أن يحبك الله فيُحببك إلى ملائكته في السماء، وإلى الصالحين من عباده؛ ففي البخاري ومسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ. قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ -عز وجل- يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ". ثم يوضع لك القبول في الأرض.
- موهبة الرؤيا الصالحة، وخاصة في المضايق والأزمات الشخصية أو العامة. ورؤيا الأنبياء حق، ورؤيا الصالحين تقرب من ذلك؛ و"إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا" (البخاري ومسلم عن أبي هريرة).
- موهبة تعبير الرؤيا باعتدال وانضباط لا يخضع للتفكير الرغبوي والأماني، ولا يغفل عن الإلهام، ولا عن الرموز.. "وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ..." (يوسف، الآية 6).
المواهب الروحية، إذن، يمكن التعرُّض لها، والسعي في أسبابها. وهي وإن كانت منحاً إلهية للمصطفين من عباد الله، إلا أنها تزيد وتنقص وتشرق وتخبو.. شأن العبادة التي تعرض لها الشِرَّة والفَتْرَة.
فصدق الحديث سبب لصدق الرؤيا. وموهبة التقوى والطاعة تنتج موهبة الإشراق القلبي والفرقان: "... إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً..." (الأنفال، الآية 29)، ومن الفُرْقَان القدرة على التمييز بين الحق والباطل وبين الصادق والمدَّعِي؛ ومن الفُرْقَان القدرة على وضع المسائل في موضعها من دون مبالغة أو تهوين؛ ومن الفُرْقَان السكوت في مواضع تستدعي السكوت، مهما وجد من الضغوط.
وموهبة التقوى عاقبتها المخرَج: "... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا" (الطلاق، الآية 2). والمخرَج فتحٌ يفتحه الله على بعض عباده، يُزيل الضيق والكرب والشِّدة، ويُسهِّل الخروج منها لفرد أو جماعة أو أمة من الناس.
أما موهبة الدموع والخشوع في الخلوات والصلوات، فتُرقِّق القلب، وتجعله مهيَّئاً لاستقبال الإلهام الرباني: "... وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" (الأنبياء، الآية 90)، "وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" (الإسراء، الآية 109).
وموهبة الزهد وعدم التعلُّق بالدنيا والاستغراق في زينتها، من دون عدوان على النفس، ولا ظلم للأهل، ولا مجافاة للفطرة، ولا تَعدٍّ للشريعة.. سبب في تنقية أداة الالتقاط والتخاطر، كما قال عمر رضي الله عنه: "يَا سَارِيَةُ الْجَبَل، يَا سَارِيَةُ الْجَبَل، يَا سَارِيَةُ الْجَبَل" (رواه أبو بكر بن خلاد في "الفوائد" (1/215/2)، وحسَّنه الألباني في كتاب "الآيات البينات"، ص112، و"الصَّحِيحَة": 1110).
ومن الزهد، الأكل الحلال، ومباعدة الحرام والمشتبه. وقد وصفه النبي -عليه السلام- لسعد بن أبي وقاص فقال: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (الطبراني في الأوسط).
ولعل إجابة الدعوة أثر من إلهام الدعاء، وجريان لسان العبد به في الوقت المناسب وباللغة المناسبة وفق الطريقة الشرعية. وكان عمر رضي الله عنه يقول: "إني لا أحمل همَّ الإجابة ولكن أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء فإن معه الإجابة". وهذه الكلمة العُمَريَّة مثال لموهبة الحكمة، وهي تشبه كلام الأنبياء، وتقبس من مشكاتهم.