نشدان المعنى

معاذ بني عامر

شكّل الموت علامة فارقة في تاريخ الإنسانية. فقد كان للحظة البدء الأولى؛ لحظة الميلاد الجسدي، أن تصل إلى غايتها القصوى في الزمن والمكان، وينتهي غرضها الأدائي في هذا العالَم.اضافة اعلان
وقد كان للحظة البدء (= لحظة الميلاد) أن تتأكّد كلحظةِ فرحٍ في المخيال الإنساني، فثمة بشارة بقدوم إنسان على هذا العالَم؛ وقد كان للحظة الانتهاء (= لحظة الموت) أن تتأكّد كلحظةِ حزن في المخيال الإنساني، بصفتها إيذاناً بانتهاء تلك البشارة وذهاب الإنسان إلى الفناء وعدم الوجود في هذه الحياة.
لحظة البدء الجسدي أو لحظة الميلاد، تمَّ تأريخها كتجلٍّ لسلالةٍ بشرية آخذة بالنمو والازدهار. وها هو مولود جديد يؤكّد هذا التجلّي ويدفع به باتجاه الحياة والاستمرارية. لذا، يأخذ هذا التأريخ بُعْداً فرائحياً، أو بالأحرى أخذ بُعداً فرائحياً منذ القدم وما يزال حتى هذه اللحظة، فقد ارتسمت الابتسامات على وجوه الناس ليس لحظة الميلاد فحسب، بل من لحظة الزواج والاقتران بين رجل وامرأة، بصفتها لحظة بدء للتاريخ الوجودي للإنسان في هذا العالَم. وستأخذ هذه الابتسامة بالتوسّع لحظة الحَمْل، ثمّ ستتأكّد هذه الابتسامة بما يشبه الحبور لحظة الإنجاب، إذ تكون جهود الإنسان في إثبات موجوديته هُنا والآن قد تأكّدت؛ فهو يُكافح العَدَم والفناء، ويُساهم مساهمة فاعلة في حفظ هذه السلالة من التفسّخ والانهيار.
أما لحظة الانتهاء الجسدي، أو لحظة الموت، فقد تمَّ تأريخها كتجلٍّ لسلالةٍ بشرية آخذة بالتفكّك والانهيار. فها هو إنسان يؤكّد هذا التجلّي ويدفع باتجاه الموت والانتهاء. لذا، يأخذ هذا التأريخ بُعداً حزيناً، أو بالأحرى أخذ بُعْداً حزيناً منذ القدم وما يزال حتى هذه اللحظة. فقد ارتسمت الأحزان على وجوه الناس ليس لحظة الموت فحسب، بل من لحظة المرض. فالحزن ينبثق لأنّ الإنسان بصدد مشهدية مأساوية، سيُمثّل فيها دور الشاهد على ذهابه إلى الفناء، من دون أن يكون له من أمره شيء إلا التسليم بما هو عليه أو بما هو مُقدم عليه. فهو بإزاء حدث ملحمي كبير، سيعجز الإنسان عن مجاراته على المستوى العقلي، لذا سيكون للوجدان نصيب وافر في الاشتغال عليه، وذلك بمداراة الوحشة والغربة التي أحاطت بهذا الحدث الكبير، بما يُبقي على فكرة المعنى موجودة لدى الإنسان، فلا يفقد قيمته وجدواه في هذا العالَم.
وفي لحظة الموت تحديداً، اللحظة الأخيرة التي يتهدّم فيها الجسد في هذا العالَم، لن يكون ثمة معنى للآراء العقلية التي تسعى إلى التعامل بمنطقية باردة مع حدث كبير كالموت؛ لذا ستنتصر الأديان على الفلسفات والعلوم في هذا المقام، أعني في لحظة الموت تحديداً، وليس في مقاربات الموت اللاحقة، بل في اللحظة عينها حصراً، فهاته اللحظة مُحمّلة بمشاعر جيّاشة لن يتمكن العقل من السيطرة عليها لحظة تدفقها وانسيابها على مُحيَّا الناس. وعليه، لن يكون ثمة معنى للعالِم والفيلسوف وسط هذه المشهدية الحزينة، على اعتبار أن ثمة تحييد للمشاعر في انشغالات العالِم والفيلسوف من جهة، ومن جهة ثانية لم يمارس العالِم أو الفيلسوف دوراً تطمينياً لأرواح الموتى أو لأرواح أهل الميت، بل استأثر الكاهن أو العرّاف أو شامان القبيلة أو الساحر أو الحاخام أو الراهب أو شيخ المسجد (كلها تسميات لرجل الدين، تبعاً لاختلاف الدين أو الثقافة) بتلك اللحظة وجعلها من اختصاصه، وحاول التأريخ لها عاطفياً عبر تطمين ليس أهل الميت فقط، بل والميت أيضاً، وذلك ببثّ فكرة الأمل الميتافيزيقي، الذي يتضمن بعثاً جديداً في عالَمٍ أقل ألماً وأكثر أملاً. فتلك اللحظة المأساوية التي يُمثّل فيها الإنسان دور الشاهد على مرحلة الانهيار والموت، وسيعمل رجل الدين -مُستحضراً نصوصاً دينية من دينه الذي يؤمن به- على مُداراة هذه اللحظة، بمنحها معنىً كبيراً، فهي ليست لحظة انتهاء وموت وعدم بشكل مُطْلَق، بل هي فاتحة لبشارةٍ مقبلة سيكون فيها الإنسان شاهداً على ولادة جديدة في العالَم الآخر.