يا أبا ذر: إنك ضعيف

د. محمد المجالي*

في عالم المتناقضات، وحين نرى الضعاف غير المؤهلين يتولون أمور الناس، فتضيع حقوقهم بل كرامتهم ومقدرات بلدانهم، ينقدح في الذهن سؤال: كيف وصل هؤلاء إلى مواقع المسؤولية؟ وهلا استشعروا أمانة هذه المسؤولية وحقوق الرعية؟ وهلا تذكروا أنه مثلما لهم حقوق فعليهم حقوق؛ بل بدأ الله بذكر واجباتهم (حقوق الرعية) ليكونوا قدوة، ومن ثم جاءت واجبات الرعية (حقوق الراعي)؟اضافة اعلان
في هذا الشأن، استوقفني حديث النبي صلى الله عليه وسلم في نهي أبي ذر الغفاري عن تولي الإمارة، حين قال له: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الأمانة عليه فيها". وقوله أيضا، صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر: إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم". يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا بالرغم مما يعرفه عن أبي ذر من جرأة في قصة إسلامه، حين وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وسمع القرآن وأسلم من لحظته. وطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى غفار ويكتم إسلامه، ولكنه أصر على أن يعلنها في مكة، وخرج وصرخ بأعلى صوته أن : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فانكبت عليه قريش ضربا. ورجع إلى قومه، وجاء بهم جميعا مسلمين بعد الهجرة. وكذلك بالرغم من مدحه بأنه أصدق الناس لهجة!
لقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم خصلةً ما في شخصية أبي ذر، لا يراها مناسبة له في شأن إمارة الناس. فليس الموضوع جرأة أو صدقًا، بل خصال قد تكون مهمة في شخصية القائد؛ منها قوة الرأي، وحسن سياسة الناس، ورجاحة العقل، وضبط النفس، وإعطاء الناس حقوقهم، وغيرها مما فصّله العلماء وانطبق على طبيعة المسؤولية. فالمهمة العسكرية غير القضاء، والقضاء غير الدعوة، والدعوة غير الحكم.. وهكذا. وقد عُلم من شخصية أبي ذر شدته، فلو تأمّر على اثنين لشق عليهما، ولو كان مسؤولاً عن مال يتيم لكان زهده أدى به إلى قسوة العيش.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم واضحا ناصحا، أظهر حبه لأبي ذر رضي الله عنه، ومدح صدقه، واعتذر له حين قال: أحب لك ما أحب لنفسي. وتمنى في غزوة العسرة حين تخلف رجال من الصحابة، وتألّم الرسول لذلك، وافتقد أبا ذر. وكان أبو ذر قد تأخر لأن بعيره أبطأ عليه، فترك بعيره وأخذ متاعه وسار يقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى الصحابة سواد رجل من بعيد، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كن أبا ذر؛ يتمنى أن لا يتخلف وهو يعرف عنه صدقه، فلما دنا كان أبا ذر، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم ودمعت عيناه وقال: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده". وقد كان هذا كله، وفيه من دلائل النبوة ما فيه.
بالرغم من مدحه، إلا أن حقوق الرعية أعظم، فلا يتولين حقوقهم إلا من هو أهل لها. بل كان السلف عموما يهربون من تحمل المسؤولية. وبالمناسبة، فإن "مسؤول" هي على وزن "مفعول". وهناك "فاعل: سائل" وهو الله. ولو تذكر كل مسؤول أنه موقوف بين يدي الله تعالى يسأله عن حقوق الناس والعدل بينهم، لما تمنى أن ولي من أمر الناس شيئا.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرّع لأمته؛ فليست المسألة متعلقة بأبي ذر رضي الله عنه، ولا بزمان خاص، بل هي عامة تبين عظم المسؤولية، وإنها خزي وندامة وحسرة، إلا من أخذها بحقها. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، فلزم حده واستشعر وقوفه بين يدي الله. وليس من فراغ أن يقول صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به". ويقول: "ما من عبد يسترعيه الله يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". ويقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة"؛ وكلها أحاديث صحيحة.
يقول ابن الجوزي: "روينا أن بعض بني مروان هرب إلى بلاد الحبشة لما ظهرت ولاية بني العباس، فنزل بلادهم فأتاه ملك الحبشة وقال له: ما الذي جاء بك؟ قال: ولي الأمر غيرنا فاستجرت بك. فقال: أنتم تزعمون أن نبيكم حرّم الخمر فلِم شربتموها؟ فقال: إنما يفعل ذلك رعاع الناس ومن لا خلاق لهم. قال: وتقولون إنه حرّم الحرير فلِم لبستموه؟ فقال: إنما يفعله أتباع لنا. قال: وتخرجون إلى الصيد في طلب عصفور فتنزلون بالقرى فتأخذون أموالهم وتفسدون زروعهم، فقال: إنما يفعله الجهال. قال: لا والله بل بارزتم الله بالذنوب فسلبكم الملك".
لقد كان الخليفة الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصديق، حاسما في تقرير حقوق الرعية، فقال في خطبته الأولى: "أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حسن فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه"، وهكذا شأن بقية الخلفاء.
نحتاج في واقعنا إلى الصراحة مع النصيحة، وتعظيم حقوق الناس؛ فلا تستقيم الحياة وتزدهر إلا بالطمأنينة؛ ولا طمأنينة بدون عدالة ورعاية لحقوق الناس. فحين يكون المسؤولون قدوة، عندها فقط تكون الطاعة المنبئة عن رضا، ويكون الولاء المفضي إلى تضحية وتفانٍ، ويكون الإبداع الذي طالما كان في دولة الحق والعدل. ورحم الله ابن تيمية وهو يؤكد: "إن الله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يؤيد الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة". وهي هنا مسلمة شكلاً لا مضمونا، فلو كانت مسلمة فعلاً لكانت عادلة، لأن العدل أساس الحكم.
*أكاديمي أردني