حمل أميركا على العودة إلى التجارة

أندرس فوغ راسموسين*

كوبنهاجن- أيا كان مدى الاستهزاء بالتجارة الحرة من قِبَل بعض المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة، فسوف تظل التجارة الحرة العمود الفقري للاقتصاد الأميركي. فبدونها، كانت أميركا لتصبح أفقر كثيرا وكان نفوذها العالمي ليتقلص بشكل ملحوظ. لماذا إذن أصبح تقريع التجارة الحرة موضوعا أساسيا في السباق الرئاسي هذا العام؟اضافة اعلان
يرجع أحد أوضح الأسباب وراء هذا إلى القلق الاقتصادي الواسع النطاق في الولايات المتحدة، التي ما تزال تعاني من تداعيات الأزمة المالية في العام 2008. فالعديد من الأميركيين يعملون لساعات أقل كما أصبح كسبهم أقل مما كان عليه ذات يوم. وقد أنهكهم الوضع الراهن، ومن المنطقي أن يعالج المرشحون لمنصب الرئيس مخاوفهم. ولكن فرض تدابير الحماية علاج زائف ولا يحل شيئا: بل على العكس من ذلك، لا تؤدي مثل هذه التدابير إلا إلى تفاقم مشاكل الاقتصاد. فالتجارة الحرة لا تشكل عائقا للاقتصاد الأميركي؛ بل هي ضرورة. وقد تفاوضت الولايات المتحدة على اتفاقيات التجارة الحرة مع 20 دولة. ورغم أن هذه الدول تمثل 10 % فقط من بقية اقتصاد العالم، فإنها في السنوات الأخيرة اشترت ما يقرب من نصف صادرات الولايات المتحدة.
وعلاوة على ذلك، تستفيد أسر الطبقة العاملة والفئات المنخفضة الدخل من التجارة الحرة. فقد عملت زيادة الوردات الرخيصة على زيادة القدرة الشرائية للعاملين الأميركيين إلى حد كبير. ووفقا لحسابات إحدى الدراسات، فقد يخسر الأميركيون من أصحاب الدخل المتوسط نحو 29 % من قدرتهم الشرائية إذا انغلقت أميركا أمام التجارة؛ وسوف يفقد أفقر الأميركيين ما قد يصل إلى 62 % من قدرتهم الشرائية.
الواقع أن الولايات المتحدة في وضع فريد يسمح لها بجني فوائد التجارة الحرة، ولهذا فإن قادتها على حق عندما يعملون على تأمين الاتفاقيات التجارية مع المنطقتين الاقتصاديتين الأكثر أهمية في العالم -أوروبا وآسيا. وقد تسهم اتفاقية التجارة المقترحة مع الاتحاد الأوروبي (شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي) في تعزيز الصادرات الأميركية إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 300 مليار دولار سنويا، وهو ما من شأنه أن يضيف 125 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوي في أميركا. ومن شأنه أيضا أن يزيد من القدرة الشرائية للأسرة الأميركية المتوسطة بما يقرب من 900 دولار. وسوف يجني الأوروبيون مكاسب مماثلة؛ وهذه هي طبيعة اتفاقيات التجارة الحرة المفيدة لكل الأطراف.
كما يسمح وضع العمال والمزارعين والشركات الأميركية بالاستفادة بشكل عظيم من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ مع آسيا. تحافظ دول عديدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ على حواجز شديدة الوعورة ضد الواردات من الولايات المتحدة. وسوف تعمل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ على خفض التعريفات الجمركية والسماح للدول في آسيا بشراء المزيد من المنتجات الأميركية. وهذا من شأنه، وفقا لبحث أجراه معهد بيترسون، أن يعمل على تعزيز الدخول في الولايات المتحدة بنحو 0.4 % -أو ما يقرب من 77 مليار دولار سنويا.
من المؤكد أن التجارة الحرة لا تخلو من المتاعب. فالتكاليف شديدة التركيز غالبا، في حين تكون الفوائد أكثر توزعا. وقد تكون العواقب السلبية ملموسة للغاية؛ فقد تضطر المنافسة من قِبَل المكسيك العمال الأميركيين إلى قبول خفض أجورهم أو تتسبب في إعادة توطين أماكن عملهم عبر الحدود.
ما يحتاج إليه الأميركيون الآن هو القيادات السياسية التي تملك الشجاعة لملاحقة نهج متوازن في التعامل مع التجارة الحرة، وتشجيع فوائدها في الأمد البعيد، في حين تعمل على تسليم الإغاثة في الأمد القريب لأولئك المعرضين لخطر الفصل. على سبيل المثال، من الممكن أن يعمل المشرعون الأميركيون على تخفيف المخاوف الاقتصادية من خلال تخصيص المزيد من الموارد لبرامج إعادة التدريب والتوظيف.
إن إبرام هذه الاتفاقيات المطروحة الآن على الطاولة مع آسيا وأوروبا لن يُظهِر الزعامة السياسية فحسب، بل وسوف يؤكد أيضا التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على النظام الدولي. وبوصفي أمينا عاما سابقا لمنظمة حلف شمال الأطلسي ورئيس وزراء سابقا لحليفة قديمة لأميركا، فأنا أحث المرشحين للرئاسة الأميركية على التوقف عن تقريع التجارة الحرة والبدء بالعمل نحو إيجاد نهج متوازن، يخفف من التوترات بشأن الاقتصاد في حين يضمن الرخاء الأميركي في العقود المقبلة.
الحق أن أميركا لا تحتاج إلى من يجعلها "عظيمة مرة أخرى". فهي تظل القوة المتفوقة الأبرز في العالم، لأنها صاحبة الاقتصاد المتفوق الأبرز في العالم. ويتلخص التحدي الذي يواجه أميركا في ضمان دوام عظمتها في المستقبل. وسوف يتطلب القيام بذلك الجمع بين سعيها القديم إلى تعزيز التجارة الحرة والسياسات التي تعالج الاحتياجات الحقيقية لعدد صغير من الأميركيين الذين تفوق التكاليف التي يتكبدونها الفوائد التي تعود عليهم.

*فوغ راسموسين رئيس وزراء الدنمرك والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي سابقا، وهو مؤسِّس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة راسموسين العالمية.
حقوق النشر خاص بـ "الغد" بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت