أطفال أسر معوزة بالكرك.. إما الدراسة أو العمل لسد الجوع

سوق للخضار بالكرك حيث يكثر تواجد الاطفال للعمل فيه-(الغد)
سوق للخضار بالكرك حيث يكثر تواجد الاطفال للعمل فيه-(الغد)

الكرك– لا يعتبر الطفل شادي وهو طالب في الصف السادس بإحدى مدارس الكرك، يوم الخميس يوما دراسيا، فهو يخصصه مع يومي الجمعة والسبت للعمل بأي مكان للحصول على أجر مهما كان متدنيا، لعله يوفر بعض احتياجات أسرته، التي تعيش أوضاعا صعبة بعد وفاة والده مؤخرا. 

اضافة اعلان


يقول شادي البالغ من العمر 12 عاما، إنه عادة ما يطلب بإلحاح من صاحب محل لبيع مياه الشرب، أن يشغله بأعمال تحميل وتنزيل عبوات المياه من وعلى مركبات النقل التي توزع المياه بمناطق الكرك مقابل أي أجر.


ويتابع: عادة ما أحصل على 4 دنانير لقاء يوم عمل شاق، خاصة وأن عبوات المياه ثقيلة وليس من السهل حملها. 


شادي كغيره من مئات أطفال الأسر الفقيرة بالكرك، لا يعملون حبا بالعمل، بقدر اضطرارهم له، فظروف أسرهم الصعبة، تفرض عليهم واقعا صعبا، لا يدع لهم سوى خياري العمل أو الجوع.   


يقول شادي، إنه رغم إصراره على متابعة الدراسة، إلا أنه مضطر للعمل، من أجل توفير احتياجات أسرته باعتباره أكبر إخوته، لافتا إلى أن عمله يوفر ثمن الخبز وبعض الاحتياجات، وغير ذلك فإن الأسرة ستبقى بلا طعام، وخاصة وأن أشقاءه ما يزالون صغارا. 


قصة شادي تنسحب على العديد من الأطفال، الذين يتحولون إلى أبطال صغار، يقفون خلف كواليس مسرح الحديث عن ظاهرة عمالة الأطفال وجهود مختلف الجهات الرسمية والأهلية للحد منها، وبين ما هم عليه وما هو مطلوب، مساحة كبيرة تستمر فيها التجاوزات.   


ويتواجد العديد من الأطفال في سوق العمل بالكرك، وبينما تفتقد المحافظة لإحصائية رسمية دقيقة وحديثة عن عددهم، يقدر مهتمون أنهم بالمئات وربما أكثر، في وقت يؤكدون أن الرقم في تزايد، وأن الأمر لا يجب أن ينظر إليه من زاوية العدد فقط.  


وتعد كراجات تصليح المركبات، ومحطات غسلها، ومزارع وبساتين الخضار والفواكه وخاصة في مناطق الأغوار الجنوبية التابعة لمحافظة الكرك، أكثر مجالات عمل الأطفال. 


ويرتبط عمل الأطفال بشكل وثيق مع التسرب من المدارس، باعتبار أن التسرب من المدارس متطلب أساسي للعمل في سن مبكرة، وخاصة الأطفال المجبرين على العمل طوال العام. 


ولا يخلو عمل الأطفال من عمليات استغلال، فمع ظروف عمل قد تكون صعبة وشاقة وأحيانا خطرة، فمعظم الأجور متدنية.


وتصنف عمالة الأطفال تحت بند "العمالة السائبة"، وفقا للتقاليد العمالية، وهم بالتالي بلا أي حقوق أو حتى  رقابة رسمية حقيقية، ما يجعلهم يقبلون بأي أجر وتحت أي ظروف. 


أمينة وهو اسم مستعار لطفلة لم تتجاوز 10 سنوات، تضطر للعمل في إحدى مزارع الأغوار الجنوبية مع شقيقتها الكبرى، في موسم قطاف الخضار والفواكه، والذي يتزامن بشكل تام مع بدء الدراسة، ما يعني تواجدها بالحقول بدلا من جلوسها على مقاعد الدراسة، مدفوعة بضرورة توفير أكبر دخل ممكن لأسرتها مع شقيقتها الأخرى.


والدة الطفلة أمينة وفي سؤالها عن عمل طفلتها، فضلت اختصار حديثها بكلمتين معبرتين بقولها "الجوع كافر". 


فسد الرمق، تحد لا يعرفه إلا أفراد الأسر الأشد فقرا، وهم مجبرون على العمل لإبعاد شبح الجوع الذي يتربص بهم.


يقول صاحب عمل فضل عدم نشر اسمه، إن تشغيل رب العمل لأحد الأطفال، يأتي في أحيان كثيرة من باب مساعدته، بعد أن يتأكد من أن أسرته محتاجة، وهو لا يهدف إلى تشغيله بقدر ما يقصد دعمه. 


ويضيف، مسألة استغلال الطفل خلال العمل تعود من شخص لآخر، موضحا أن الحديث عن مكافحة عمالة الأطفال يجب أن يوازيه برامج حقيقية تكافح الفقر، فلا يوجد طفل يعمل من أجل العمل وجميعهم مكرهون على ذلك. 


وعلى ما يبدو، فإن غالبية الأطفال دائما ما يعملون بصمت، ولا يخطر ببالهم أنهم مستغلون، إن لم يكن لدى بعضهم إحساس بأن صاحب العمل يساعدهم بقبوله تشغيلهم. 


في المقابل، يؤكد الناطق باسم وزارة العمل محمد الزيود أن المنصة الإلكترونية للوزارة للشكاوى "حماية" لم تستقبل أي شكاوى تتعلق بعمل الأطفال في محافظة الكرك منذ بداية العام الحالي. 


وقال إن لدى الوزارة آلية للتبليغ عن حالات عمالة الأطفال أيضا من خلال رابط إلكتروني  Childlabor.mol.gov.jo، إضافة إلى الجولات والحملات التفتيشية التي تنفذها الوزارة. مؤكدا أن لدى وزارة العمل جهدا توعويا للحد من عمل الأطفال. 


وعن الإجراءات القانونية، أضاف أن المادة (73) من قانون العمل تنص على أنه "لا يجوز بأي حال تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور"، فيما تنص المادة (74) من القانون ذاته أنه "لا يجوز تشغيل الحدث الذي لم يكمل الثامنة عشرة من عمره في الأعمال الخطرة أو المرهقة أو المضرة بالصحة وتحدد هذه الأعمال بقرارات يصدرها الوزير بعد استطلاع آراء الجهات الرسمية المختصة".


وأكد أن قانون العمل يحظر في المادة (75)، تشغيل الحدث أكثر من ست ساعات في اليوم الواحد على أن يعطى فترة للراحة لا تقل عن ساعة واحدة بعد عمل أربع ساعات متصلة، كما يحظر تشغيله بين الساعة الثامنة مساء والسادسة صباحا، وفي أيام الأعياد الدينية والعطل الرسمية وأيام العطلة الأسبوعية.


ووفق المادة (76)، فإن على صاحب العمل قبل تشغيل أي حدث أن يطلب منه أو من وليه تقديم مستندات عدة؛ صورة مصدقة عن شهادة الميلاد، شهادة بلياقة الحدث الصحية للعمل المطلوب صادرة عن طبيب مختص ومصدقة من وزارة الصحة.


كما يشترط أيضا موافقة ولي أمر الحدث الخطية على العمل في المؤسسة، وتحفظ هذه المستندات في ملف خاص للحدث مع بيانات كافية عن محل إقامته وتاريخ استخدامه والعمل الذي استخدم فيه وأجره وإجازته.


وبين الزيود إن المادة (77) حددت عقوبة مخالفة لتشغيل الأطفال، حيث "يعاقب صاحب العمل أو مدير المؤسسة في حالة ارتكابه أي مخالفة لأي حكم من أحكام هذا الفصل أو أي نظام أو قرار صادر بمقتضاه بغرامة لا تقل عن (300) دينار ولا تزيد على (500) دينار، ولا يجوز للمحكمة تخفيض العقوبة عن حدها الأدنى أو الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية".


في حين، تؤكد ورقة تقدير موقف بمناسبة اليوم العالمي لعمالة الأطفال للعام الماضي، صادرة عن المرصد العمالي الأردني وهو هيئة مستقلة، أنه على الرغــم مــن أن قانــون العمــل الأردنــي يحظــر تشــغيل مـن هـم تحـت سـن الــ16 عاما بأي صورة مـن الصور، ويحظر أيضـا تشـغيل الأطفـال بيـن سـن 16 – 18 عامـا فـي الاعمـال الخطــرة، إلــى جانــب انســجام التشــريعات الوطنيــة فــي مجــال عمــل الاطفــال بشــكل كبيــر مــع المعاييــر الدوليــة ذات العلاقة، إلا أن الواقـع يقـول غيـر ذلـك.


فوفـق أحـدث الإحصـاءات المتوافـرة فـي الأردن لعـام 2016 التـي أعدتهـا منظمــة العمــل الدوليــة بالتعــاون مــع دائــرة الإحصــاءات العامــة ووزارة العمــل، فــإن أكثــر مــن 75 ألــف طفــل فــي الأردن منخرطــون فــي مجــال عمالــة الأطفــال، منهــم 45 ألفـا يعملـون فـي مهـن خطـرة. 


ويتوقــع التقرير أن يكــون هــذا العــدد قــد زاد بشــكل ملمــوس، نتيجــة ارتفــاع معــدلات الفقــر والتــي ارتفعــت مــن 15،7 % إلـى 24.0 %، خـلال السـنوات العشـر الماضيـة.


ويبين التقرير أن ارتفاع معدلات الفقر من الاسباب الرئيسة لعمالة الاطفال، حيث تبين المؤشـرات الرسـمية ذات العلاقة، بأن نسبة الفقر  فــي الأردن ارتفعــت مــن 13،3 % فــي عــام 2008 إلــى 15،7 %، فـي عـام 2017 ثـم وصلـت 24 %، فـي العـام الماضــي، وفــق إحصائيــات حكومية، بينما يقدر البنــك الدولــي معــدلات الفقــر بـ 35 %.


ويضــاف إلــى ذلــك، أن البيئــة المدرســية فــي المــدارس الحكوميــة مــا زالــت غيــر جاذبــة لقطاعــات واســعة مــن الطلبــة، مــا يشــجعهم أكثــر فأكثــر علــى الانســحاب مــن  المــدارس.


من جهته، أكد رئيس جمعية التأهيل المجتمعي بالأغوار الجنوبية فتحي الهويمل أن ذهاب الأطفال إلى سوق العمل من كلا الجنسين وبأعمار مختلفة، أصبح ظاهرة واضحة بالكرك والأغوار الجنوبية على وجه الخصوص، لافتا إلى أن مناطق الأغوار الجنوبية تعتبر من أشد جيوب الفقر، ما يدفع مئات الأطفال وربما أكثر إلى العمل بالحقول في موسم العمل الزراعي وبأجور زهيدة بالغالب تحت ضغط توفير الدخل للأسرهم الفقيرة. 


وبين أن الجمعية تعمل بالتنسيق مع جهات ذات علاقة بعمل الأطفال على إجراء دراسة لهذه القضية والعمل على توعية الأسر بأهمية التزام أطفالهم بالدراسة، وإن كان هناك ضرورة للعمل فخلال العطل المدرسية حرصا على حماية مستقبلهم. 


ولم تستجب عدة جهات في مديرية تربية الكرك ووزارة التربية والتعليم لطلب "الغد" المتعلق بالحصول على معلومات حول تسرب الطلبة من المدارس، إلا أن الناطق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم أحمد المساعفة كان أكد في تصريحات صحافية سابقة لـ "الغد"، "أن نسب التسرب المدرسي في المملكة منخفضة جدا ولا يمكن تسميتها بالظاهرة إطلاقا".


وبين المساعفة حينها، "أن نسبة التسرب المدرسي في الأردن في المجمل العام منخفضة مقارنة بباقي الدول، وتبلغ 3 لكل ألف طالب من الذكور، و4 لكل ألف طالبة من الإناث".

 

اقرأ أيضا:

بعد شح التبرعات.. هل تصبح 250 جمعية خيرية بالكرك مجرد أرقام؟