الجنوب: فقراء يشترون الكاز باللتر أو بالدين

طفل يحمل "قلن" كاز عائدا إلى منزله-(أرشيفية)-2
طفل يحمل "قلن" كاز عائدا إلى منزله-(أرشيفية)-2

هشال العضايلة وحسين كريشان وأحمد الرواشدة

إقليم الجنوب - لا تكف المطالب بتسليط الضوء على أوضاع المعوزين في المحافظات الجنوبية عن التوقف، لكن حدتها ترتفع في فصل الشتاء الحالي، في ظل الجائحة التي القت بتبعاتها القاسية على الجميع، لتعطل كثير من المشاريع والأعمال التي كان يعمل فيها جزء كبير من أبناء اقليم الجنوب، ولتدني منسوب التنمية في هذا الاقليم، الذي يحتوي مناطق عديدة يعيش سكانها تحت خط الفقر.

اضافة اعلان


ففي محافظة الكرك، لم يعد موسم الشتاء مفرحا لاطفال وأسر الفقراء وبات ترقب انتهائه، حلما يراود غالبيتهم، لعدم قدرتهم على توفير حاجات الشتاء، كالاغطية والملابس والتدفئة والطعام.


وفي ظل واقع مؤلم كهذا، فإن مشهد الأطفال والكبار، وهم يحاولون شراء الكاز بعبوات لا تتعدى سعة الواحدة منها لترا واحدا، أو استدانة الكاز لتسديد ثمنه في آخر الشهر، يظل عالقا في ذاكرة الفقر.


بعض أهالي المحافظة، أشاروا الى أن حاجياتهم في الشتاء تتضاعف، وتزداد مصاريفهم، مع تراجع مداخيلهم خلال الجائحة التي تسببت بتدهور الأعمال وفرص العمل.


وتشهد المحافظة في مختلف مناطقها منذ سنوات، مظاهر بؤس تترافق مع قدوم الشتاء، اذ تفتقر غالبية اسرها الفقيرة لوسائل التدفئة، وأصبح ملاحظا شراء تلك الاسر للكاز بعبوات صغيرة لا تتعدى سعتها غالبا لترا واحدا لتعبئة مدافئهم، ناهيك عن ظهور حالات تسول للوقود في محطات المحافظة، الى جانب عدم قدرتهم على توفير احتياجاتهم من ملابس الشتاء، حتى من محلات بيع الملابس المستعملة (البالة).


ولفت أحد أفراد هذه الشريحة، إلى أن كثيرا من الاسر الفقيرة لا تتمكن من شراء ملابس لاطفالها، لارتفاع اسعارها، الى جانب استبدال شراء الملابس بسلع ضرورية كالطعام.


ولفت الى أن الشعور بالعجز عن عدم تلبية حاجات طفل او كبير في السن، تصيب بالقهر، بخاصة وان الظروف العامة، تفرض على الجميع تقريبا وضعا صعبا، يخفف من أعمال مساعدة الآخرين.


وبحسب اسر هناك، فانهم يفتقرون لشراء ملابس الشتاء، ويترقبون ما تؤمنه جمعيات خيرية لهم منها، او اعادة استخدام وتدوير ملابس استخدمت سابقا، غالبا ما تكون مهترئة، وتحتاج للصيانة.


وقال رب أسرة فقيرة، إن أطفاله لم يعودوا يحبون الأمطار والثلوج، وهو ما ينطبق على كثيرين من أبناء شريحته، الذين كانوا ينتظرون تساقط الثلوج بفارغ الصبر، لأن البرد يحيل حياتهم الى جحيم، لا يعانيه الا هم في ليالي الشتاء الطويلة والباردة، وسط غياب وسائل التدفئة، الا ما تيسر من مواقد الحطب ومدافئ الكاز التي تعمل فقط عند تدبير بضعة لترات من الكاز فقط، الى جانب اغطية بسيطة، لا تبعد البرد عنهم.


ويؤكد قاسم عليان، وهو اسم مستعار، ان موسم الشتاء اصبح عبئا ثقيلا على اسرته، اذ لا يمكنه شراء الكاز لتدفئة اسرته واطفاله، ويقتصر امر التدفئة في منزله، على استخدام الاغطية وأي ملابس ثقيلة، للتدثر بها الى حين موعد النوم. وأشار الى ان دخل اسرته لا يكفي لتوفير مستلزمات الطعام، فكيف يمكنه توفير وسائل تدفئة؟! في وقت تشهد فيه المحروقات، ارتفاعا في اسعارها لا يمكن احتماله، اذ تحتاج اسرة متوسطة العدد، بوجود وسيلة تدفئة وحيدة على الكاز، الى توفير نحو 70 دينارا لشرائه، وهذا لا يتوافر لها نهائيا، فيشعلون المدفئة لاقل من ساعتين يوميا.


ويقول عامل في محطة محروقات بالكرك، فضل عدم الكشف عن اسمه، ان أشخاصا بينهم أطفال، يحضرون عبوات ذات سعة قليلة لشراء الكاز من المحطة التي يعمل فيها، الى جانب اعداد كبيرة يطلبون شراء الكاز بالدين المؤجل حتى نهاية الشهر.


وبسبب هذه الظروف الصعبة تنتظر آلاف الأسر الفقيرة والمحتاجة في المحافظة، مواسم عمل الجمعيات الخيرية التي تنشط احيانا في موسم الشتاء فتوزع الأغطية والملابس الشتوية عليهم.


وتشهد الحملات التي تنفذها جمعيات خيرية، توزيعا للمساعدات الغذائية وغيرها من المساعدات، كالملابس، لكنها لا تغطي الاعداد الكبيرة من المحتاجين الذين يصطفون على بواباتها غالبا.


وفي محافظكة معان، فإن حلول موسم الشتاء يعلن عن تفاقم أوضاع الأسر الفقيرة وتزايد ملحوظ في أعداد طالبي المساعدات من فقراء ومحتاجي المحافظة، اذ تراجعت التبرعات للجمعيات الخيرية الى 80 % منذ آذار (مارس) 2019، ما حرم آلاف الأسر المعوزة من المساعدات.


كما تراجع إطلاق المبادرات المجتمعية لدى النشطاء والجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني، ما أضعف من جهودها التطوعية في تنفيذ مشاريع حملات الشتاء، التي كانت تؤمن ملابس شتوية ومحروقات ومدافئ وطرودا تموينية، لمواجهة برد الشتاء.


وبرغم أن كثيرين يشعرون بالفرح بقدوم الشتاء بأجوائه وطقوسه، فإن آخرين، بخاصة ذوي الدخل المتدني والمحدود، يصيبهم القلق من عدم إمكانية توفير مستلزمات التدفئة في ظل ارتفاع أسعارها وامكانياتهم المادية المتواضعة.


وفيما تعيش أسر فقيرة عديدة في المحافظة، على رواتب ضئيلة من صندوقي المعونة الوطنية والزكاة وكفالات الأيتام، والتي لم تتمكن من استلامها، جراء تراجع قدرة الكفلاء المادية، تعيش أسر أخرى على الأجور اليومية لأربابها، الذين يعملون في عدة قطاعات مهنية، إلى جانب عائلات للاجئين السوريين والعمال الوافدين، وأصحاب المهن الحرة ممن توقفت مصادر دخلهم، بسبب تداعيات "كورونا"، فضلا عن وجود المئات من المتعطلين عن العمل في المنطقة.


وتستقبل الكثير من الأسر في معان، الشتاء بجيوب فارغة، وبمزيد من التخوف من غياب قدرتهم على تأمين احتياجاتهم في الظروف الاقتصادية الحالية.


وأكد قاسم الخطيب، رئيس لجنة زكاة وصدقات فروة بن عمرو الجذامي، أن الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة، تعتمد كليا على تبرعات المحسنين وشركات القطاعين العام والخاص.


ولفت إلى أنه ومع بدء الشتاء، فان المساعدات تكاد تكون شبه معدومة لعدم إيفاء هذه الجهات باستحقاقاتها المجتمعية، وغياب دعم لهذه اللجان والجمعيات الخيرية والاكتفاء بتوزيع 1 % من مستحقاتها المجتمعية، واقتصار دورها على دعم المتنفذين والمقربين لإداراتها، في ظل وجود نحو 5 لجان زكاة في المحافظة.


وأشار الخطيب، إلى أن ارتفاع حجم الفقر، أسهم بارتفاع أعداد المعوزين، في ظل تراجع القدرة المؤسسية على تقديم المساعدات، بنسبة زادت على الـ80 %، مقارنة بالسنوات الماضية.


وبين أن الأوضاع تتفاقم، في ظل ارتفاع الأسعار وعدم قدرة الكثيرين على الشراء، ما يضطرهم إلى اللجوء للجان الزكاة والجمعيات والمؤسسات التطوعية الخيرية، التي باتت تشتكي مثلهم، ما يسبب حرجا لعاملي هذه المؤسسات، لعدم قدرتها على مساعدة احتياجات ومتطلبات المعوزين.


ويرى عمر الفناطسة، أن الفقراء لا يستهويهم الشتاء، لأن تجهيزاتهم واستعداداتهم لاستقباله غالبا تكون محدودة جدا، ولا تقيهم لسعات برده ونفاذ أمطاره لمنازلهم البدائية، فالكثير من الفقراء يرون أن الشتاء، يسبب لهم معاناة حقيقية، لعدم توافر التدفئة المناسبة والأغطية الكافية، كما أن غالبية منازلهم غير محكمة الإغلاق، وسقوفها مشققة ونوافذها مفتوحة، تسمح بتسرب مياه الأمطار والهواء البارد اليهم.


أشرف كريشان، قال إن هذا الشتاء أرهق المعوزين لتراجع المعونات، وهذا بدوره يكشف عن مدى تردي اوضاع جيوب الفقر، مشددا على أن المبادرات التطوعية أو الجمعيات الخيرية، بدأت تتراجع، ما يضاعف من معاناة مئات الأسر.


وأشار إلى أن المواد الموزعة غالبا لا تكفي عادة الأسرة الواحدة لأكثر من أسبوع، لتعيش الأسر المحتاجة بقية الشهر تحت ضغط الحاجة، الى جانب ارتفاع الأسعار.


ويقول عبدالله الحويطات، إن اسرا، استبدلت وسائل التدفئة التي اعتادتها فيما مضى كمدافئ الغاز والكاز ومدافئ الكهرباء بمدافئ الحطب، لعجزها عن تأمين الدفء بالوسائل الوسائل السابقة، بعد أن أصبحت فاتورة الكهرباء والمحروقات، الشغل الشاغل لأرباب الأسر.


وتعيش أسرة أبو محمد المراعية، في حالة بحث مستمر عن أي مادة مجانية قابلة للاشتعال في مدفأة الحطب بمنزلها المتواضع، لتوفير الدفء لأفرادها في ظل أجواء البرد القارس كبديل مجاني، لعدم القدرة على شراء المحروقات والحطب أو الجفت لارتفاع أثمانها، غير مدركين لخطورتها على الصحة والبيئة، مشيرة إلى أن الأسرة أكتفت بما توافر لها من ملابس شتوية قديمة، ريثما تتحسن الأمور قليلا، بخاصة مع تراجع قدرتهم الشرائية.


وفي سياق آخر، فإن محافظة العقبة، باتت خارج حسابات النشرات الجوية، من حيث هطول الامطار الغزيرة والعواصف الثلجية والرياح، وتدني مستوى الرؤية الافقية، بسبب ملامسة الغيوم لسطح الارض.


وخلال 3 سنوات لم تشهد العقبة، فيضانات او سيولا جارفة، بعكس ما كانت عليه قبل خمس سنوات، نتيجة تأهيل كامل مناطق المدينة وانشاء شبكة تصريف مياه، وغالبا تراوح الامطار بين خفيفة الى متوسطة بسبب مناخها.


في الاسواق يقضي ابناء المحافظات الاخرى، ساعات طويلة لاختيار الملابس الشتوية المختلفة في الوقت الذي لا يبالي فيه سكان العقبة بشراء ملابس شتوية، لعدم تدني درجات الحرارة ولا يحملون اي اعباء اضافية وتفكير باحتياجاتهم الشتوية.


ويؤكد اهال، انهم نادراً ما يشعلون التدفئة، ويعتمدون على الملابس الشتوية الخفيفة، بخاصة في ساعات الليل.


ويشير محمد الرياطي الى انه لم يشتر اي وسيلة تدفئة طوال حياته في العقبة، ويعتمد على جهاز التكييف ان لزم الامر، مبينا ان منازل المدينة خلال ساعات النهار دافئة ولا تحتاج لاشعال اي وسيلة تدفئة، مؤكداً انه يشتري لاطفاله ملابس شتوية في الموسم، خوفاً من برودة الطقس ساعات الصباح وعند ذهابهم الى المدرسة.


ويقول المواطن محمود القرالة وهو من قاطني المنطقة التاسعة، بان الطقس في اعلى منطقة بالمدينة، معتدل الى بارد قليلا، بخاصة عند المساء، ومع ذلك لا يحتاج الى وسيلة تدفئة سوى مكيف الهواء الذي يدفع الهواء الدافئ ويشغله لبضع ساعات فقط في اليوم عند انخفاض درجات الحرارة.


وتعمل المنخفضات الجوية العميقة التي تؤثر على المملكة، بخاصة في العقبة بانخفاض درجات الحرارة وهطول الامطار الخفيفة، بينما تتدفق السيول عبر وادي اليتم الى المدينة والمحمية بـ30 سدا تجميعيا، وعبر قنوات تصريف المياه دون ان تحدث اي ارباكات، او تدخل للمنازل بعكس السنوات الماضية، بالاضافة لارتفاع مستوى موج البحر وتعمل الجهات المينائية والبحرية باطلاق نداءات تحذيرية.
وعند تجاوز الرياح لاكثر من 35 عقدة، تتوقف حركة الملاحة، وابحار القوارب الزجاجية والصيد والنزهة، خوفا على سلامة الصيادين والمتنزهين.


ويقابل المواطنون الشتاء، بخاصة عند هطول الامطار بفرح، في وقت تكون فيه درجات الحرارة معتدلة بعكس المناطق الاخرى.
وفي منطقة وادي عربة توقف ادارة الدوريات الخارجية حركة السيارات جراء الرمال المتحركة، خوفاً على سلامة راكبيها، وتسود خلال الشتاء ومقدم المنخفضات الجوية في منطقة القويرة والديسة، رياح تحمل معها الاتربة وتحجب الرؤية الافقية للمركبات بخاصة سيارات الشحن.

إقرأ المزيد :