"أطفال التوحد" بالأغوار.. حبيسوا المنازل تحت تأهيل أسري منقوص

أطفال التوحد-(تعبيرية)
أطفال التوحد-(تعبيرية)

تمضي الأربعينية أم محمد من سكان منطقة قليعات في لواء الغور الشمالي ساعات في عمليات البحث عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، علها تجد أفضل وسيلة للتعامل مع ابنتها (9 سنوات) المصابة بمرض طيف التوحد، بعد أن عجزت عن الحاقها بمركز مختص نتيجة غياب مثل هذه المراكز باللواء وعدم قدرتها المالية على الاستعانة بمراكز خارج اللواء. 

اضافة اعلان


تقول أم محمد، "ابنتي أصبحت حبيسة المنزل، لا أملك أي خيار لمساعدتها، اللواء يفتقد لمختصين للتعامل مع مثل هذه الحالات، كما أن الذهاب بها خارج اللواء أمر مكلف". 


وتتابع: "يحتاج المختص إلى 20 دينارا عن كل جلسة وقد تحتاج ابنتي لعدة جلسات بالشهر، وهذا أمر مكلف جدا نظرا لأوضاعنا المالية". 


أم محمد وهي تدرك مدى خطورة عدم الحاق ابنتها بمركز تأهيل، تجهد في بحثها عن أفضل وسيلة للتعامل معها الخيار الوحيد، وسط مخاوف وقلق من تطور حالتها إلى الأسوأ.


وتقول حول ذلك، "طفلتي تتعرض لنوبات عصبية بشكل شبه يومي، وأحيانا تؤذي نفسها نتيجة تعمدها ضرب رأسها بجدران المنزل، الأمر متعب ومرهق جدا بالنسبة لي أيضا، يجب توفير العناية الخاصة وإشراف من قبل متخصصين".


ويفتقد لواء الغور الشمالي ويبلغ تعداد سكانه حوالي 130 ألف نسمة، لوجود مراكز متخصصة لتأهيل أطفال التوحد، في وقت ترفض فيه إدارات المدارس الخاصة دمجهم بحجة أنهم غير قادرين على التعامل مع هذه الحالات التي تحتاج أخصائين لكي يتمكنوا من تأهيلهم.


ويضم لواء الغور الشمالي مركزا واحدا لذوي الإعاقة، ويعنى بعلاج الأمراض المختلفة، الإعاقة الحركية، والعقلية، دون النظر إلى حالات التوحد الموجودة في اللواء، لتبقى هذه الفئة من الأطفال مهمشة دون رعاية او تأهيل خاصة لدى الأسر التي تعاني أوضاعا مالية صعبة. 


محمد البشتاوي، رب أسرة لديه طفلة تعاني من طيف التوحد، له تجربة قاسية، لكنها قد تكون أقل خطرا من تجربة أرباب أسر آخرين في اللواء ممن لديهم طفل يعاني من هذا المرض. 


يقول البشتاوي، إن أعراض المرض ظهرت على ابنتي في سن مبكر، وعجزت عن توفير الرعاية والتأهيل السليمين لها في لواء الغور، اضطررت إلى حزم أمتعتي مغادرة اللواء إلى مكان آخر في محافظة إربد، كي أتمكن من الحاق ابنتي في مركز مختص رغم المعاناة التى واجهت أسرتي نتيجة الرحيل مع وضع مالي صعب".


وتعرف منظمة الصحة العالمية "التوحد" على أنه اضطراب في النمو اللغوي والسلوكي والانفعالي والتعبيري.


وتشير تقديرات المنظمة إلى أن شخصا واحدا من كل 270 شخصا يعاني من اضطرابات طيف التوحد، تمثل هذه التقديرات رقما متوسطا ويتفاوت معدل الانتشار بدرجة كبيرة بين الدراسات.


ورغم تزايد أعداد المصابين في لواء الغور الشمالي بهذا المرض، إلا أن أعدادهم ما تزال مجهولة، ولا توجد أي إحصائية رسمية حول أعداد المصابين التي تقدر بالعشرات، وهو عدد يبقى غير دقيق نتيجة انتشار ثقافة التعتيم وعدم البوح بوجود مصاب لدى أسر كثيرة.


وأمام واقع مرير، تغيب فيه المراكز التأهيلية، وسط عوز الأسر وثقافة الخجل، يصبح العديد من أطفال التوحد بلواء الغور الشمالي ضحايا الإهمال، وعدم معرفة التعامل معهم ما يعني مضاعفة حالتهم ووصولها إلى مرحلة قد يصعب معها العلاج. 


ولا تقف معاناة أطفال التوحد بلواء الغور الشمالي عند هذا الحد، فحتى فيما يتعلق بقبولهم بالمدارس الحكومية، فهناك صعوبات جمة، إذ تفتقد غالبية المدارس لقدرة التعامل مع هذه الفئة من الأطفال رغم أن بعضها يوفر غرف صفية تحت مفهوم "صعوبات التعلم". 


في هذا الخصوص، تروي الثلاثينية علياء الأحمد معاناتها الكبيرة في الحاق ابنها الذي يعاني من التوحد ويميل إلى العزلة التامة وعدم تقبل الآخرين.


تقول علياء، "حالة ابني صعبة للغاية، دائما ما يتعرض لنوبات الصراخ يرافقها حالة من الخوف والفزع التي تظهر عليه دون وجود أي مبرر".


وتتابع: "تمكنت من تسجيله في مدرسة حكومية، لكن عملية دمجه مع الطلبة كانت صعبة، وفي كل يوم أراجع المدرسة نتيجة استدعائي من المعلمات والمديرة، مؤخرا تم إبلاغي أن الكادر التعليمي غير قادر على التعامل مع ابني، اضطررت بعدها للبحث عن مدرسة مختصة لكن المبلغ المطلوب يفوق قدرتي، الآن ابني أسير المنزل لحين إيجاد حل".


الأخصائية نادية الشناق وهي مختصة بالتربية الخاصة والتوحد تقول، إن تأخر ملاحظة العائلة للأعراض التي تظهر على أطفالهم المصابين بالتوحد يسهم في تأخر العلاج وزيادة وضعهم سوءا مع مرور الوقت ولدى الأطفال المصابين بالتوحد سلوكيات عدوانية وفرط نشاط، وتعيش معظم الحالات في عزلة تامة، ويصعب عليهم طلب احتياجاتهم ويعاني بعضهم من إعاقة ذهنية وصعوبة في النطق والاستيعاب.


وأكدت الشناق أن غالبية ذوي الإعاقة الخاصة لا يحصلون على الرعاية الكافية المقدمة من القطاع التعليمي لأنها غير مهيأة لذلك، مشيرة إلى أن المدارس يجب أن تكون بيئة تعليمية مناسبة لكي تتمكن من معالجة تلك الحالات والعمل على دمجها بالمجتمع، كما أن الطلبة غير المصابين يجب أن يكونوا بحالة  قبول يتقبلون الآخرين ويتعاملون معهم بشكل جيد دون أي ضرر.


وتطالب الشناق من الجهات المعنية بضرورة توفير مراكز ومدارس تعمل على دمج ومعالجة هولاء الأطفال، مؤكدة أن هناك حالات لأطفال تم تأكيد إصابتهم ويرفض ذويهم أن يعرضوا على مختصين جراء غياب المراكز والإجراءات المتبعة في المدارس. 


وترى الشناق أن الدور الأكبر في العلاج يقع على عاتق العائلة بعد ملاحظة أعراض التوحد لدى الطفل وتشخيصها من خلال تعديل سلوكه وتنمية قدراته العقلية والإدراكية والجسدية باتباع التمارين الدقيقة والبسيطة كتعليمه ضم الخرز والتمييز بين الألوان والأشكال، إلى جانب تمارين اللسان والشفاه لمساعدته على النطق.


من جانبها، أكدت رئيسة جمعية تلال المنشية تهاني الشحيمات أن الجمعية مكان غير مناسب لاستقبال أطفال التوحد، لكنها -أي الجمعية- لم تغفل دورها في ذلك، إذ تعمل على التنسيق مع أصحاب الخبرات ومدربين يسهمون في تعليم الأمهات حول كيفية التعامل مع أبنائهن المصابين، مؤكدة أن لواء الغور الشمالي من المناطق الأشد فقرا ويعاني غالبية الأهالي من ظروف مالية صعبة جدا في ظل عدم قدرتهم على الذهاب إلى المحافظات الأخرى لمعالجة أبنائهم، مشيرة إلى أن أغلب المصابين هم أسيروا المنازلهم تحت حرس ذويهم.


بدوره، أكد مصدر من مديرية التربية والتعليم، أن هناك بعض المدارس في اللواء يوجد بها غرف صعوبات تعلم وقد تساهم تلك الغرف في حل جزء بسيط من المشكلة.


وأكد المصدر الذي فضل عدم نشر اسمه كون طبيعة وظيفته لا تخوله التصريح، "أن غرفة صعوبات التعلم لا يمكن توفرها في كل مدرسة جراء التكلفة العالية التى تفوق ميزانية الوزارة".

 

اقرأ المزيد : 

الخوف من إدماجهم بـ"الروضات" يفاقم عزلة "أطفال التوحد"