مواجهة الحر.. سلوكيات فردية فهل تصبح حلولا مجتمعية مبتكرة؟

طفلان يلهوان في قناة الغور الشرقية-(الغد)
طفلان يلهوان في قناة الغور الشرقية-(الغد)
محافظات- في موجة حر غير اعتيادية تشهدها مختلف مناطق المملكة، ما تزال طرق الحد من تأثيرها تنحصر بحلول واجتهادات فردية، تعكس غياب الثقافة المجتمعية في التعامل مع مثل هذه الأجواء التي تشير تقارير مختصة بأنها قد تصبح متكررة وذات تأثير متزايد خلال السنوات القادمة. اضافة اعلان
ووفقًا للأرقام الأولية الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، شهد شهر حزيران (يونيو) الماضي أعلى متوسط درجات حرارة عالمية على الإطلاق، واستمر ذلك خلال شهر تموز (يوليو) الماضي، فيما تسجل الأيام الحالية من شهر آب (أغسطس) رقما قياسيا جديدا، وقد تكون هذه الأيام، الأكثر حرارة ليس على المستوى المحلي فقط، بل في العالم أجمع.
الحرّ يربك السكان
محليا، يتسبب ارتفاع درجات الحرارة لأرقام قياسية غير مسبوقة، بحالة من الإرباك بين العديد من سكان المحافظات، الذين اتبع بعضهم حلول "التفكير مرتين" قبل الخروج من المنازل، في وقت تبدو الخيارات معدومة بالنسبة لأشخاص يعانون من حالات صحية مزمنة أو ضمن الفئات عالية المخاطر، مثل كبار السن والأطفال.
في المقابل، يجتهد آخرون بابتكار حلول أخرى خارج المنازل ولكنها لم تختبر بعد، فيما فاعليتها مرهونة بعودة آمنة إلى منازلهم. 
يقول سكان من مناطق مختلفة بالمحافظات "لم نعهد هذا الحر من قبل، كل منا يفكر بطريقة مختلفة في كيفية مواجهته، يبدو الخيار الأفضل الجلوس بالبيت وقت الذروة وعدم المغامرة بالخروج". 
ويتابعو "المشكلة تكون عند من يُلزِمُه عمله بالخروج والوقوف تحت أشعة الشمس، يجب أن تكون هناك تعليمات رسمية يتم تطبيقها عند تسجيل درجة حرارة معينة".
مؤشر الحرارة الخطير
ويعرّف مؤشر الحرارة "الخطير" عالميا، على أنه شعور الحرارة الذي يزيد على 39.4 درجة مئوية، ويعرف مؤشر الحرارة "شديد الخطورة" بمعيار 51 درجة مئوية، ويعد كل منهما غير آمن للإنسان لأي فترة زمنية مهما كانت قصيرة.
وفي حال تعرض الشخص لهذه المستويات من الحرارة فقد يتسبب الأمر في مشكلات طبية تبدأ بأعراض العطش والجفاف وقد تصل إلى صدمة حرارية يصاب خلالها الشخص بصداع شديد وتهيج في الجلد وفقدان للتركيز، وإذا استمر الأمر يمكن أن نصل إلى مرحلة فقدان كامل للوعي مع اختلاجات قد تؤدي إلى الوفاة في النهاية.
حلول لم يسبق اختبارها
في رصد لـ "الغد" حول سلوكيات السكان بالتعامل مع موجة الحر التي تشهدها كافة المناطق، تباينت حدة التأثر تبعا لمنطقة السكن ودرجة الحرارة، ففي وقت أجبر ارتفاع درجات الحرارة في منطقة العقبة العديد على الخروج منها باتجاه مناطق الشمال الأقل حرارة، خاصة لمن له أقارب في محافظات مثل جرش وعجلون وإربد، اضطر مزارعون بالأغوار تحمل أعلى درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية، ومتابعة  أشجارهم من أصناف النخيل والموز والحمضيات التي تأثرت بموجة الحر وظهرت علامات الجفاف على بعض أوراقها.    
في مشاهد أخرى تظهر مدى التأثر بموجة الحر، تدافع العديد من شبان محافظة عجلون نحو مناطق الينابيع المنتشرة بالمحافظة، أملا بأن يوفروا لأنفسهم أجواء ألطف من الجلوس بالمنازل التي تفتقد غالبيتها لأجهزة تكييف كون المحافظة تعد من المناطق المعدلة ولم تعهد تاريخيا ارتفاعا بدرجات الحرارة.
ويقول إيهاب فريحات "رغم اعتدال درجات الحرارة صيفا في محافظة عجلون، إلا أنه يبقى لها نصيب من موجات الحر في أيام معدودة، ما يدفع كثيرا من العوائل إلى حجز برك سباحة أنشئت في مزارع خاصة ومنتجعات، فيما يقصد الشبان والفتية عيون المياه والأودية التي يتم تجميع مياهها ببرك تصنع بحواجز من شادر بلاستيكي أو حجارة.
وزاد "المحافظة تبقى وجهة للسياحة الصيفية والمتنزهين، نظرا لوجود الينابيع السطحية والأودية دائمة الجريان وظلال الغابات الكثيفة التي تعد مواقع مثالية للتنزه، وتنخفض فيها درجات الحرارة مقارنة بمناطق أخرى". 
في ترابط آخر، عمد البعض من أبناء العقبة ممن لا يملكون خيارات المغادرة ويعيشون بأوضاع مالية صعبة قد يتعذر معها تأمين أجهزة التكييف، إلى اللجوء لشواطئ البحر أملا بأن يجدوا أجواء أقل لهيبا من أجواء منازل تفتقد لأجهزة التكييف.
بالكرك قصص مختلفة
في الكرك القصة مختلفة، فموجة الحر لدى عدد كبير من السكان تتطلب أيضا تأمين الحماية لقطعان الماشية التي يمتهن تربيتها عدد كبير من أبناء المحافظة.  
ويعمد أصحاب ومربو المواشي إلى تأمين مواشيهم بالحظائر أو حجزها بظلال الخيام، مع توفير كميات كبيرة من مياه الشرب لسقاية المواشي للحفاظ على حياتها. 
ويستغل سكان بالكرك ساعات الصباح الأولى لإنجاز كافة أعمالهم قبل إشتداد الحرارة، فيما يمضي البعض وخاصة بمناطق الأغوار الجنوبية التابعة لمحافظة الكرك بقية اليوم في المنازل، معتمدين على ارتداء ملابسهم مبللة بالماء والجلوس أمام المراوح من أجل التخفيف عن أنفسهم.
النوم على أسطح المنازل تحت أغطية مبللة
أسطح المنازل، ملاذ البعض عند النوم، بعد أن تكون غرف المنازل قد تشبعت بحرارة الأجواء، وتحولت إلى أماكن لا تحتمل، مع دعم هذا الخيار بغطاء مبلل بالمياه، وهو أسلوب مبتكر خاصة لأبناء أسر لا تمتلك وسائل التكييف لسبب أو لآخر. 
يقول عبد الرحمن من محافظة الكرك، "لا أجد أفضل من سطح المنزل كمكان للنوم، إذ أن غرف منزلي ومع موجة حر كالتي نشهدها هذه الأيام تتحول إلى أشبه بالفرن، تبقى سطوح المنازل أقل لهيبا مع اعتماد غطاء مبلل بالماء لتوفير أجواء أفضل عند النوم".  
مظلات لحماية البسطات بالشوارع
وفي إجراء للتخفيف من أشعة الشمس، لجأ أصحاب بسطات أسواق مختلفة إلى الاعتماد على مظلات تحميهم وبضاعتهم من أشعة الشمس خاصة في ساعات الظهيرة. 
وقال صاحب بسطة من مدينة إربد محمد طلال إنه قام بشراء مظلة بقيمة 100 دينار ونصبها في شارع سوق الخضار والفواكه وسط إربد لحمايته من ارتفاع درجات الحرارة وحماية البضائع من التلف.
وأشار إلى أن الخضار في ظل ارتفاع درجات الحرارة سريعة التلف ويضطر لبيعها بأسعار رخيصة خوفا من تعرضه لخسائر فادحة.
في المقابل وأمام ضيق الحال، اضطر حسن- اسم مستعار- وصاحب بسطة آخر، وأمام ضيق الحال إلى الاستعانة بطريقة رش كميات كبيرة من المياه على بسطة الخضار التي يمتلكها من أجل حمايتها من التلف، فيما استعان بقطعة قماش على رأسه مبللة بالمياه للتخفيف من معاناة وقوفه تحت أشعة الشمس. 
منشآت تغلق وأخرى تشهد إقبالا
فيما لجأت بعض المنشآت إلى الإغلاق التام بسبب موجة الحر، تزايد الإقبال على منشآت أخرى توفر خدمات التخفيف من الأجواء ومن أبرزها المسابح الخاصة التي شهدت حجوزات وصلت إلى 100 % في بعض المحافظات، إضافة إلى إقبال ملحوظ على محال العصائر. 
ويؤكد محمد عنانبة من محافظة عجلون أن موجة الحر السائدة هذه الأيام زادت الإقبال على المشاريع السياحية، سيما التي تتواجد فيها برك السباحة، ما جعلها تعمل على مدار 24 ساعة، كما ساهم قدوم المتنزهين بتنشيط الحركة في هذه المزارع.
ويؤكد أحد القائمين على تلك المشاريع السياحية عمر فندي أن نسب الإشغال لديهم تصل إلى 100 %. 
وبين محمد عتوم من محافظة جرش، أن الأيام الحالية تشهد تعمد العديد من التجار على إغلاق محالهم وقت الذروة خاصة مع التزام غالبية السكان لمنازلهم، في المقابل فإن هناك إقبالا على محال العصائر التي يجد فيها الغالبية طريقة للتخفيف من شدة الحر. 
على نحو متصل، دفعت موجة الحر السائدة "المناطق التنموية" للاعتذار عن استقبال زوار تلفريك عجلون حتى مساء الإثنين.
وقالت المجموعة الأردنية للمناطق الحرة والمناطق التنموية في بيان لها إنه وبالاستناد إلى تقارير دائرة الأرصاد الجوية فإنه يتعذر استقبال زوار تلفريك عجلون اعتباراً من أمس السبت وإلى مساء يوم الاثنين المقبل وذلك حرصا منها على سلامة الزوار والمواطنين، على أن يتم استئناف استقبال الزوار يوم الثلاثاء المقبل كالمعتاد.
الأغوار أشد تأثراً 
على امتداد الشريط الغوري، يزداد تأثير موجة الحر، لتطال السكان وممتلكاتهم، في وقت تبدو خيارات مواجهة درجات حرارة تجاوزت 46 درجة مئوية محصورة بين الجلوس بالمنزل وزيادة ري المزروعات التي تكثر بالمناطق الغورية. 
ومع أول أيام الموجة الحالية، ظهرت آثارها واضحة على أوراق الحمضيات والموز وهي المزروعات التي تحتاج كميات مياه أكبر في حين سعت سلطة وادي الأردن إلى زيادة ساعات الضخ للحد من الأضرار على المحاصيل الزراعية. 
وبحسب عدد من المزارعين فإن علامات احتراق الأوراق وذبولها ظهرت بشكل جلي بعد ساعات ظهر أمس السبت، مشيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية يلحق أضرارا بالغة بالمزروعات ما يتطلب زيادة ساعات الري للتخفيف من أضرار الموجة. 
ورغم أن غالبية مزارعي النخيل قد بدأوا بتقليل ري الأشجار تمهيدا لبدء عمليات القطاف إلا أن الموجة دفعت بعضهم إلى معاودة الساقية من جديد لتجنب حدوث أي خسائر قد تنتج عن ارتفاع درجات الحرارة.  
وعلى صعيد متصل شهدت مناطق الأغوار حالة من الشلل خلال ساعات الظهيرة وحتى مغيب الشمس إذ خلت معظم الشوارع من الناس الذين تجنبوا التعرض إلى أشعة الشمس المباشرة خوفا من الإصابة بضربات الشمس، مفضلين إرجاء حركتهم إلى ما بعد ساعات الغروب.
ماذا عن الإجراءات الرسمية؟ 
في إجراءات ما تزال تحت بند "ظروف استثنائية" فرضتها موجات حر غير مسبوقة، تلجأ جهات رسمية وأهلية إلى خيار تقليص ساعات العمل أو التوقف عن العمل، ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو الحل الوحيد لمواجهة هذه الظروف إلا أنها ما تزال ضمن إطار التقديرات ولا يحكمها نظام وتعليمات محددة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، اتخذت الجهات الحكومية والخاصة في العقبة عددا من الإجراءات لمواجهة الظروف الجوية وتحسباً لارتفاع درجات الحرارة القياسية من أبرزها تقليص ساعات العمل في الميدان لعمال الموانئ وسلطة العقبة الخاصة.
وقررت سلطة العقبة أن يكون دوام العمال والموظفين في الميدان من الساعة الـ 7 صباحاً وحتى الساعة الـ 11 صباحا، فيما ستنقل المناوبة الثانية لما بعد الساعة الـ 5 مساء، وذلك ابتداءً من أيام السبت والأحد والاثنين والثلاثاء فقط. 
وأكد رئيس سلطة منطقة العقبة الخاصة معالي نايف حميدي الفايز، على التعامل الحذر مع الظرف الاستثنائي، حماية للعاملين في الميدان، مهيباً بالمواطنين توخي الحيطة والحذر، وعدم الخروج في أوقات الذروة، وعدم ترك الأطفال خارج منازلهم، ومراعاة كبار السن والمرضى خلال هذه الموجة الحارة. 
وفي ذات الخصوص، أشار محافظ العقبة خالد الحجاج، أنه تم اتخاذ كافة الإجراءات الاحتياطية تحسباً لكافة الظروف وتم التعميم بالإجراءات على كافة المؤسسات بهذا الخصوص، وتم رفع الجاهزية لدى شركة المياه والكهرباء وباقي الأجهزة المعنية، وهناك تنسيق مستمر مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، ومديرية التربية والتعليم، بخصوص المدارس التي توجد فيها أنشطة تدريبية كالمدارس المهنية، حيث ينتهي التدريب فيها قبل الساعة الـ 11 صباحا بدل الساعة الـ 2 من بعد الظهر.
وفي جرش، عمدت بلديات محافظة جرش الخمس على تغيير دوام عمال الوطن ليصبح في ساعات الصباح الأولى وفي ساعات المساء وإيقافهم عن العمل في ساعات الظهيرة بسبب ارتفاع درجات الحرارة، حرصا على عدم تعرضهم لضربات الشمس.
وقال رئيس بلدية جرش الكبرى أحمد العتوم إن القرار جاء حرصا على سلامة العمال وضمان عدم تعرضهم لضربات الشمس كون عملهم ميدانيا بالدرجة الأولى ويعملون تحت أشعة الشمس المباشرة.
كما عمد الأدلاء السياحيون في المحافظة إلى تركيز زيارات المواقع الأثرية في ساعات الصباح الباكر أو ساعات المساء، حرصا على عدم تعرض السياح لأي إصابات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.