المفرق.. انقطاع متكرر للمياه.. وشبكة مهترئة.. واعتداءات تبحث عن حل

1717611219072477500
مياه تتدفق من بئر ارتوازية في إحدى مناطق محافظة المفرق-(أرشيفية)

المفرق- تحولت مشكلة شح المياه في المفرق إلى مشكلة مزمنة، لتتصدر واجهة الجدل والخلاف، باعتبارها من أكثر المسائل الحيوية للحياة، فإلى جانب كونها مسألة اقتصادية واجتماعية وقانونية، فهي أيضا أمنية وإستراتيجية في الوقت ذاته؛ لأنها تتعلق بحياة محافظة بأكملها في ظل المتغيرات المتسارعة في الإقليم بشكل عام والأردن بشكل خاص، حيث يعتبر الأمن المائي التحدي الأكبر الذي يواجه الأردن ككل بخاصة في محافظة المفرق.

اضافة اعلان


ويعد قضاء حوشا شرقي المحافظة التابع للواء البادية الشمالية الغربية، من أكثر المناطق تأثرا بظاهرة انقطاع المياه والاعتداء عليها.


ويشتكي مواطنون في قضاء حوشا، من انقطاع المياه عن مناطقهم إلى مدد تصل إلى قرابة الشهرين على التوالي، في ظل غياب خدمي واضح في القضاء، برغم مطالباتهم المتكررة والممتدة لما يزيد على عام كامل، وهذا ما كبدهم شراء المياه عن طريق الصهاريج، لسد احتياجاتهم، ما يثقل كواهلهم المادية والمعنوية.


وقال المواطن محمد القاضي من سكان حوشا لـ"الغد": "تعاني منطقة حوشا من أزمة مستمرة لانقطاع الماء عن المنازل لفترات طويلة، وآخرها منذ أكثر من شهرين، بسبب ضعف وصولها لبيوتنا، إذ لم تجر الاستجابة لمطالبنا بتحسين عملية وصول المياه إلينا حتى الآن".


وأضاف القاضي إن انقطاع المياه عن الأهالي في حوشا، أدى إلى تفاقم أزمتهم واحتياجاتهم المائية، بخاصة في ظل ما تشهده المناطق الغربية من ارتفاع على درجات الحرارة في هذا الصيف؛ ما دفع الأهالي لمحاولات البحث عن مصادر بديلة لتغطية حاجتهم من المياه، لافتاً إلى أن "أكثر سكان المنطقة ليس لديهم القدرة لشراء الماء عن طريق الصهاريج"، لظروف مادية. 


وناشد المواطنون، محافظ المفرق سلمان النجادا، للتدخل عاجلاً وتوجيه المسؤولين في المنطقة بسرعة لإصلاح العطل المتعلق بخطوط المياه وضخها للأهالي في حوشا، وإعادة إمداد شبكة المياه إلى المواطنين كما كان الحال عليها في السابق لإنهاء معاناة مئات الأسر في البلدة.


المواطن نايف عبد الله القاضي قال لـ"الغد": إن "خدمة المياه سيئة، ونعاني من انقطاعها بشكل متكرر، علاوة على ذلك، هناك سلوكيات خاطئة وغير قانونية تتعلق بهذا الجانب، مثل التلاعب بمحابس وعدّدات المياه، وفي أحيان أخرى تصل هذه الاعتداءات إلى حد السرقة".


وأضاف، إنه وبرغم ارتفاع حجم الشكاوى المتعلقة بالاعتداءات على المياه، وما تسببه من أزمة تؤثر على جميع أهالي البلدة، إلا أن أي إجراء رسمي لم يتخذ حتى الآن.


وأشار إلى أحدث الاعتداءات، جرت الأسبوع الماضي، إذ أقدم مواطن على سرقات واعتداءات على خطوط مياه، وهناك آخرون يستخدمون "مواتير كهرباء وديزل" لسحب المياه من الشبكة ومن دون عدّادات، إلى جانب وجود أحياء لم تصلها المياه منذ شهرين متصلين، وأصبح شراء المياه من الصهاريج أمرا مكلفا، وعبئا لا يطيقه الكثيرون من ذوي الدخل المتوسط والمتدني. 


بدوره، قال محافظ المفرق سلمان النجادا: "في الواقع، لدى المحافظة لجان تعمل على مدار الساعة لمتابعة خطوط نقل المياه، وإذا كان هناك أي اعتداءات سيجري اتخاذ إجراءات في الحال، وضبطها في الموقع الذي جرى الاعتداء عليه".


وأوضح النجادا في تصريح لـ"الغد"، أن "جميع القضايا التي وصلت إلى دار المحافظة والتي وقع عليها نظرنا وشاهدناها في الميدان، عولجت على أرض الواقع، واتخذت إجراءات بحق أي شخص يعتدي على شبكات المياه في المنطقة، لافتا إلى أن لجان المراقبة مستمرة في عملها حتى هذه اللحظة".
وطالب أهال في القضاء، بضرورة تشديد الرقابة على الخطوط، وتوزيع أدوار المياه على مناطقهم بعدالة، وبعدد ساعات كاف لسدّ احتياجات الأهالي. 


وفي تصريحات صحفية حديثة، خلال مستهل الأسبوع الماضي لمدير شركة مياه اليرموك والناطق الإعلامي باسم الشركة معتز عبيدات، أكّد أن "محافظة المفرق ذات خصوصية عن باقي المحافظات من حيث وجود آبار ارتوازية فيها تابعة لشركة مياه اليرموك، وتعتبر كل هذه الآبار مستأجرة، لأن الكميات التي تنتجها الآبار الحكومية غير كافية لتزويد الأهالي بالمياه، جراء ارتفاع الطلب على المياه إلى جانب زياده عدد المشتركين".


وأضاف عبيدات أن "المديرية  باشرت في بعض المناطق بشمال المملكة، لوضع حلول لإشكالية انقطاع المياه عن المناطق، والتحديات التي تواجههم فيها، لافتا إلى أن العجز المائي في محافظة المفرق بلغ 350 م3/ ساعة".


وتابع "لحل مشكلة النقص التي تتسبب بانقطاع المياه، سيجري خلال الفترة القريبة، استئجار عدة آبار إلى حين اكتمال الوثائق الخاصة بها، وأخذ الموافقات الصحية اللازمة لضخ المياه عن طريق الجهات المختصة". 


وأشار إلى أن الآبار في محافظات الشمال، إما مستأجرة وتصل نسبتها إلى 30 %، أو آبار تابعة لشركة مياه اليرموك وتصل نسبتها 35 %، أما باقي الآبار فهي للحكومة، بيبنما بلغت نسبة الفاقد المائي في المحافظة، جراء تهالك شبكات المياه فيها، والاعتداءات المتكررة عليها 60 %، وقد جرى تحرير 421 ضبطا منذ بداية العام الحالي لاستخدامات غير مشروعة، كما يجري العمل دوريا على ضبط الاعتداءات وطرح مشاريع لاستبدال وتجديد الشبكات سنويا، إذ وصلت تكلفة بعض المشاريع إلى 47 مليون دينار، وأغلب هذه المشاريع هي عبارة عن منح ومساعدات". 


وأكّد عبيدات، أن "هناك ضغطا على الشركة في تقديم خدماتها، وينسحب هذا الضغط على موظفيها، بسبب ما يواجهها من تحديات تتعلق بنقص الكوادر (الموزعين) واتساع رقعة المستفيدين، وتهرب بعض المستفيدين من تسديد ما يترتب عليهم من التزامات".


من جانبه، أكد عضو مجلس المحافظة إبراهيم بني خالد، أن "مشكلة المياه في قضاء حوشا ومناطق البادية، وما يرافقها من تحديات انقطاع متكرر واعتداءات على شبكات المياه، وعدم استجابة وغياب التجاوب من الجهات المعنية لشكاوى الأهالي التي لا تنقطع في هذه الفترة، باتت مصدرا مقلقا للأهالي أنفسهم، خاصة وأننا في فصل الصيف".


وأضاف بني خالد لـ"الغد"، أنّ "هناك آبارا ارتوازية لسلطة المياه، تصل قدرتها التشغيلية إلى حوالي 20 م3/ ساعة، وبئرين آخرين مستأجرين، وبرغم ذلك إلا أن الكثير من الأهالي لا تصلهم المياه، وقد وصلت شكواهم إلى المعنيين في سلطة مياه اليرموك – المفرق، لكن دون أي استجابة تُذكر".


وبين أن "هناك شبكات مياه قديمة ومتهالكة في قضاء حوشا، وهذا يفاقم من ارتفاع نسبة الفاقد المائي، ويضعف وصول المياه إلى منازل الأهالي، وقد جرى مخاطبة الجهات المعنية بضرورة صيانتها وتحديثها، وبرغم وجود خطة لتنفيذ التحديث لهذه الشبكات، مقدمة كمنحة من ألمانيا منذ أكثر من عامين، لكن حتى اللحظة لم يجر تنفيذ أي شيء منها".


ولفت بني خالد، إلى أن هناك معيقات تقف أمام عمل مجلس المحافظة بتنمية وتحسين خدمات المياه فيها، منها أن مساحة المحافظة كبيرة، ومتباعدة الأطراف، إلى جانب اختلاف أماكن التجمعات السكّانية وتناثرها، وأن أغلب مخصصات المجلس ذهبت إلى قطاع المياه، بالإضافة إلى وجود معيقات إدارية ومالية، منها ضعف المخصصات وعدم تدويرها في الأعوام اللاحقة بسبب الديون المترتبة على المجلس، علاوة على تحدّي اللجوء السّوري الذي زاد الضغط على مصادر المياه في الشمال، ما خفض من حجم حصة الفرد المائية السّنوية، كذلك من التحديثات توسّع الرقعة العمرانية التي تؤثر على مصادر المياه وجودتها".


بدورها، أفادت إدارة سلطة مياه المفرق عبر تصريحات حديثة، إنه "جرى حفر بئر في منطقة الباعج، بقدرة تشغيلية تصل إلى 30 م3/ ساعة، وبعد تشغيله وأخذ الموافقة على استخدامه وإجازته، طرح عطاء بقيمه 60 ألف دينار عن طريق شركة مياه اليرموك، على أن ينفذ خط ناقل من بئر الباعج رقم 4 باتجاه محطة المشرف رقم 3.


وبينت السلطة، أنه جرى حفر بئر جديدة عن طريق موازنة مجلس المحافظة 2024، والآن فإن البئر الذي تقع في منطقة الزبيدية هو قيد التجربة المضخية في الفتره الحالية. 


إلى ذلك، أعلنت شركة مياه اليرموك أنها تواصل تنفيذ مشروع استبدال العدادات القديمة في المنازل بأخرى جديدة في محافظة المفرق، إذ جرى طرح عطاء لاستبدالها، بما فيها ألوية  قصبة المفرق الاثنين والبادية الشمالية الغربية.


وأشارت الشركة إلى أنه سيجري استبدال 20 ألف عداد، أي ما يقارب أكثر من 40 % من عدد العدادات الإجمالية الموجودة في منازل المحافظة، في نطاق خطة متكاملة شاملة تطبق حاليا، إذ تعتبر العدادات القديمة معطلة، ولها علاقة كبيرة بنسبة الفاقد.


وأوضحت أنه سيعاد مع مستهل العام المقبل، إعادة وتأهيل شبكات مياه لواء بلعما، بالإضافة لإعادة تأهيل كاملة لشبكة مياه بلدة الحمراء في لواء البادية الشمالية الغربية، وكذلك تأهيل محطة ضخ الدقمسة، كما شملت العملية مجموعة مناطق داخل المحافظة تأثرت بالتمدد العمراني والتوسعات السكانية.


وأكدت أن ذلك يصب في تطلعات وزارة المياه والري، بحيث خصصت تمويلا من (KFW) بنك الأعمار الألماني من أجل خدمة مواقع جديدة، من ضمنها أحياء: الحسين الغربي والجندي والدوائر الحكومية، وسيجري تنفيذ شبكات الصرف الصحي في العام المقبل.


بدوره، يقول الخبير المائي د. دريد المحاسنة إن "المحافظة تعتمد على المياه الجوفية، وإن التزويد كان سابقا قبل اللجوء منطقيا، وفي حدوده المطلوبة، إذ لم تواجه وزارة المياه أو شركة مياه اليرموك أي مشاكل".


وتطرق المحاسنة في حديثه لـ"الغد"، إلى أن اللجوء السوري وضغطه على المياه في المحافظة بشكل خاص وفي المملكة بشكل عام أصبح كبيرا، ويتسبب باستنزاف الحصص المائية للمناطق، مبينا أنه برغم حصولنا على المياه من مناطق حوران القريبة من المفرق إلى جانب الأحواض الموجودة في جنوب سورية وتصل إلى 400 مليون م3، هي حصتنا من المياه من هذا الحوض، إلا أن ذلك ليس كافيا، ولا يغطي الحاجة.


وتابع "تقلصت هذه الكميات بشكل هائل من هذا الحوض، فسد الوحدة الذي جرى بناؤه بين الأردن وسورية ليتسع إلى 110 ملايين م3، لم يكن فيه العام الماضي أكثر من 26 مليون م3، ويعود السبب في ذلك لاستنزاف الجانب السوري للمياه المشتركة بيننا وبينهم، سواء بالاعتداءات على مصادر المياه (الجوف المائي)، أو منع المياه من الانسياب إلى نهر اليرموك، والتدفق إلى الأردن، وهذا مخالف لاتفاقية عام 1987.


وأشار إلى أن "المفرق فيها سلبية، وهي أن هناك تجمعا للمياه الجوفية أو ما يسمى بالبرك الصحراوية التي يجري فيها حصر المياه شتاء واستعمالها صيفا، إذ حدثت اعتداءات كثيرة عليها، إذ لم تعد تزود الجوف المائي وتعززه، ولا تنساب إلى مناطق عمان وغيرها من المناطق الأخرى".


وأضاف، "بدأ بعضهم بخاصة في القرى الشرقية البادية، بسحب هذه المياه واستخدامها للزراعة، ونحن لا نتحدث عن الزراعة البعلية مثل القمح والشعير، ولكن بدأت باستنزاف المياه لزراعة الخضراوات والفواكه الموسمية وغير الموسمية، وهذا أكبر أثر على المياه".


ولفت الخبير المائي إلى أن "الاعتداءات على خطوط المياه كانت كبيرة ونعلم أن الفاقد في المحافظة يصل لأكثر من 80 % جنبا إلى سرقات واعتداءات تصل إلى نسبة كبيرة جدا".


وأوضح أن القضية أصبحت قضية سياسية، ومن ثم إدارية وقانونية قبل كل شيء فالشخص الذي يعتدي على شبكات المياه، فهو يعتبر معتد على القانون بالدرجة الأولى وعندما يحتمي هذا السارق للمياه بنائب أو غيره، فهذا خلل كونه لا يحاسب أو يحاكم"، موضحا "أما في الحديث عن القضية الإدارية، فأصبحت تعتمد المناطق النائية وغيرها على الاعتداءات، وهذا غير منطقي، لذلك لا يوجد عدالة في التوزيع".


وانتقد المحاسنة  "تقاعس الجهات الحكومية والرقابية والتنفيذية" بضبط هذه الأمور، إذ إن هناك حلولا مطروحة للمحافظة على المياه بشأن الوضع المائي، وهي وضع الحكومة يدها على الآبار كافة، إذ إن هناك وسائل للآبار الشرعية بطريقة قانونية، أصبحت المياه تشتري وتوزع على السكان.
وأكمل "أيضا فإن عملية تطبيق القانون أساسية، ويجب أن تطبق على كل المخالفين، وإذا تم التطبيق فسيجري توفير سلسلة تزويد مائي بانسياب وعدالة، وفتح المجال لحفر آبار بطريقة قانونية، والحصول على مياه جوفية أكثر من السابق".


ويقع قضاء حوشا شرقي المحافظة، وهو قريب من منطة فيها آبار ارتوازية، إلى جانب انتشار المزارع فيها، لكن ذلك لم يشفع بوصول المياه إليه، بل وعلى العكس، يتكرر انقطاع المياه عنها، ويبلغ عدد سكان القضاء 6 آلاف نسمة، وهي منطقة مكتظة بالسكان.

 

اقرأ أيضا:

بعد تعرضه للكسر.. إصلاح خط يزود مدينة المفرق بالمياه