الأميركي كوين: قد غسلت أدمغتنا قبل غزة.. وأنادي باستيقاظ "الكاوبويز"

الناشط الأميركي كوين ذي إسكيمو يشارك في عدة مظاهرات ومبادرات لدعم غزة
الناشط الأميركي كوين ذي إسكيمو يشارك في عدة مظاهرات ومبادرات لدعم غزة
"استيقظوا أيها الكاوبويز".. كوين ذي إسكيمو: نعم غزة حررتنا
الناشط الأميركي كوين ذي إيسكيمو

قبل مجازر غزة، لم يكن كوين ذي إسكيمو -الأب لـ8 أطفال- يرى في قضية فلسطين سوى صراع بين إسرائيليين بيض طيبين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة "ويشبهوننا"، وبين "المتوحشين" العرب الذين يسعون لإبادة إسرائيل.اضافة اعلان

لكن منذ الأيام الأولى لهجمات إسرائيل على القطاع المحاصر، شاهد كوين -ومعه كثير من الأميركيين- صورا ومقاطع فيديو تظهر آباء غزيين وهم يحملون أشلاء أطفالهم في أكياس بلاستيكية، كما شاهد أطفالا يبكون أمام جثث أمهاتهم وأقاربهم، ورأى كيف استهدفت إسرائيل مستشفيات ومساجد وكنائس ومدارس وسوّتها بالأرض، وكيف هدمت البيوت فوق رؤوس أصحابها، وظل الآلاف تحت الأنقاض لا يجدون من ينتشل جثثهم ويكرمها بالدفن.

فوجئ كوين بحقائق جديدة وكثيرة ظلت لعقود محجوبة عن الشعب الأميركي الذي كان يؤمن ويسير خلف ما ينشره إعلامه، ولا يشكك فيه أبدا، فهو يعلم أنه في بلد يحمي دستورها "حرية التعبير"، و"حرية الإعلام"، ويجرم التعتيم وتقييد الحريات.

أميركا تتغير
لكن ما بعد مجازر غزة ليس كما قبلها، فقد بدأ كوين ومعه كثير من الأميركيين يطرحون الأسئلة، ويشككون في رواية الإعلام الأميركي، ويتنسمون عبق حرية الانعتاق من ربقة الرواية الواحدة.

يقول كوين ذي إسكيمو في حديث مع الجزيرة نت إنك لو سألت المواطنين الأميركيين العاديين قبل أحداث غزة عن إسرائيل وفلسطين سيجيبك 90% منهم أنهم يدعمون إسرائيل، وذلك "لأننا نشأنا وقد غسلت أدمغتنا لنؤمن بكل ما أرادوا منا أن نؤمن به".

لكن ما جرى في غزة غيّر كل شيء وبسرعة، "بالنسبة لي، لم أر قط أميركا تغير رأيها بهذه السرعة، إذا نظرت إلى تاريخنا، ستتأكد من أن التغيير عادة ما يستغرق عقودا، مثلما حدث مع العبودية أو حقوق المرأة".

وإلى جانب مجازر غزة، ما ساعد على تسريع عملية التغيير -يوضح كوين- هي تجربة الأميركيين مع الرئيس السابق دونالد ترامب التي عرت حقيقة السياسيين، وكشفت ما كان الإعلام يحرص على إخفائه.

ويزيد "رأينا رجلا يكذب علينا بانتظام، ويستخدم لغة مجردة من الأحاسيس الإنسانية لغرس العنف في سلوك أتباعه، ومن ثمرات ذلك كان الهجوم على عاصمتنا".

ويتابع كوين "لقد شاهدنا بنيامين نتنياهو مرات عديدة، ولكن هذه المرة رأيناه بشكل مختلف، رأينا ترامب. علمنا أنه يكذب، وعلمنا أنه يخضع للتحقيق بتهمة الفساد، وعلمنا أننا لم نكن نرى الحقيقة كاملة"، بسبب تغييب الإعلام الأميركي لهذه الحقائق عن الشعب.

تحولات دفعت الكثير من الأميركيين لمراجعة قناعاتهم، والتشكيك في الرواية الأميركية والغربية، والبحث عن الحقيقة.

حرية تعبير؟
من أشهر مقاطع الفيديو التي نشرها كوين على حسابه بتيك توك ذلك المقطع الذي ظهر فيه غاضبا ساخطا على الإعلام الأميركي الذي كان يعتقد أنه إعلام يحتضن آراء جميع الأميركيين.

كان ساخطا لأن مواقفه وآراءه بشأن غزة، والتي نشرها على حسابه، ظهرت على مواقع وقنوات إعلامية أجنبية، لكنها لم تجد طريقا إلى "سي إن إن" أو "إم إس إن بي سي نيوز"، أو نيويورك تايمز، أو واشنطن بوست، أو غيرها من العناوين الإعلامية الأميركية البارزة التي ظلت لعقود تدافع عن حرية التعبير قبل أن تسقط في اختبار مجازر غزة.

يشرح كوين، في حديثه مع الجزيرة نت، أن ما يحدث في غزة كشف أن ليس بإمكان كل الأميركيين عرض وجهة نظرهم على وسائل إعلامهم إذا تعلق الأمر بإسرائيل تحديدا.

وتابع بأن الجميع تأكد أن مشكلة الإعلام الأميركي تكمن في أنه يظهر جانبا واحدا فقط من الحكاية، ولا يظهر آراء مخالفة خاصة إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل.

فضيحة مركبة
ولا يقف الأمر عند هذا الحد فيما يرتبط بفلسطين، بل يتوقع كوين الأسوأ "فعندما يُشترى المشرعون لدينا وتدفع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) الثمن، يحاولون جاهدين تمرير قوانين تعتبر معاداة الصهيونية مساوية لمعاداة السامية، وهذه فضيحة كبرى ستزيد الوضع قتامة".

أضف إلى كل ذلك أن هذا الإعلام يستخدم لغة معينة بشكل ممنهج للدفع بوجهة نظر محددة، وتغليب تصور على آخر.

وضرب كوين على ذلك مثلا بأسلوب تقديم الخبر للمشاهد الأميركي، فعند ذكر الضحايا الفلسطينيين يقول "قُتل 19 مراهقا فلسطينيا"، لكن إذا تعلق الأمر بإسرائيليين فيقول "قُتل 19 طفلا إسرائيليا"، فيُؤسر المشاهد ويُجبر على التعاطف فورا مع الأطفال.

وما لبث محدثنا أن طرح ملاحظة غريبة، حيث قال إن الإعلام -من خلال اختيار الضيوف وزوايا معالجة الأخبار- يحاول أن يبرز بشكل غير مباشر أن الذين يظهرون دعما لإسرائيل هم من البيض، ويتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة، في حين الأشخاص الذين يظهرون وهم يدعمون فلسطين هم من ذوي البشرة السمراء، وقد تكون الإنجليزية لغتهم الثانية.

ويعلق على ذلك قائلا "هذا يعطي انطباعا كاذبا للشعب الأميركي بأن المواطنين العاديين يدعمون إسرائيل بقوة، وبالتالي هذا هو الموقف الذي يجب على الجميع تبنيه"، وأضاف "وطبعا ذلك غير صحيح ألبتة".

يا أميركيي العالم استيقظوا
لكن قطار البحث عن الحقيقة والانتصار لها انطلق، ويستمر كوين في استغلال المساحة التي توفرها بعض منصات التواصل الاجتماعي -وفي مقدمتها تيك توك- لشرح ما يجري للأميركيين، ودعوتهم "للاستيقاظ".

"لا تغرقوا في حفلات مباراة السوبر بول، والتصديق الأعمى للدعاية الإسرائيلية، متى ستفهمون وتستيقظون؟" يصرخ كوين في إحدى مشاركاته الأخيرة على حسابه بتيك توك.

وتعد كرة القدم الأميركية أحد أبرز الألعاب الشعبية، ويتابع عشرات الملايين مباراتها النهائية (السوبر بول)، وتتخللها مشاركات غنائية لمشاهير الفنانين الأميركيين، لذلك تحرص الدول والمؤسسات على حجز مساحات إعلانية خلال المباراة.

ويخاطب مواطنيه قائلا إنهم وبينما هم يستمتعون بمباراة "السوبر بول" تقصف إسرائيل رفح وتقتل الأطفال والنساء والمرضى بأسلحة تمولها ضرائب الأميركيين، مثلما تمول الإعلانات التي تبث خلال المباراة الأهم التي يتابعها عشرات الملايين، والتي تبرز إسرائيل في صورة الضحية.

أحد تلك الفيديوهات الدعائية التي بثت قبل أيام أظهر لاعبي فريق كرة قدم أميركي وهم في حالة حزن والسبب استمرار جنود إسرائيليين أسرى بيد حركة "حماس" لذلك من اللازم على الأميركيين الضغط ليعود "الأسرى الضحايا" لأسرهم.

لكن كوين ما لبث أن نشر مقطعا مضادا بنفس مقدمة الفيديو الإسرائيلي الدعائي لكن يظهر آباء من غزة وهم يحملون أشلاء من جثامين أطفالهم الذين قتلهم الاحتلال، ويدعو لمحاسبة إسرائيل على جرائمها.

ولا يقتصر الأمر على مقاطع الفيديو، بل يستقبل كوين نشطاء متطوعين من دول العالم المختلفة، ينضمون إليه في لقاءاته وحملاته الإعلامية ليس فقط لفضح مجازر الاحتلال، ولكن لتقديم الإغاثة لغزة بالطرق الممكنة.

فكثيرون في الولايات المتحدة وحول العالم -يوضح كوين- نجحوا في تجاوز قيود "الرواية الأحادية" التي روّج لها الإعلام والسياسيون في الغرب، وسرعان ما بدؤوا يشاركون الحقائق التي توصلوا إليها، فانتشرت بين الناس التطورات والتفاصيل المغيبة.

ويعلق كوين ذي إسكيمو على هذا التغيير الكبير بقوله "الناس ترى أننا نعمل لمصلحة تحرير فلسطين، لكن ليعلم الجميع، أن فلسطين هي التي حررتنا". الجزيرة