"الانقلاب" يقرع باب الغابون ويزيد غموض مصير وسط وغرب القارة السمراء

مواطنون في الغابون يتظاهرون في العاصمة تأييدا لانقلاب العسكر
مواطنون في الغابون يتظاهرون في العاصمة تأييدا لانقلاب العسكر

 "تنام أفريقيا وتصحو على انقلاب كل صباح"، هي مقولة تناسب كثيرا ما يحدث في القارة السمراء، الأقل حظا في التنمية والأكثر فقرا، وكان آخرها أمس الأربعاء، بالغابون التي استولى فيها العسكر على السلطة ووضعوا رئيسها علي بونغو تحت الإقامة الجبرية.

اضافة اعلان


من جهتهم، توقع محللون تحدثوا لـ"الغد" أن تشهد القارة السمراء، مزيدا من الانقلابات العسكرية في الدول التي تتشابه في نفس الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مشيرين إلى أن أفريقيا تذهب في اتجاه "إعادة تموضع"، إذ ظلمتها فترة العبودية، ثم الاستعمار، وحكم العسكر.


وقالوا إن "الشعوب الأفريقية أصبحت تعي تماما عقلية الهيمنة والاستعمار واستغلال الموارد التي تعاملهم بها فرنسا على وجه التحديد"، إذ تعد هذه الانقلابات بمثابة صفعة قوية لها.


ولفتوا إلى صراع الهيمنة بين الدول الغربية من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى حول حصة الأسد في القارة السمراء.


وشهدت أفريقيا بوتيرة متسارعة خلال العامين الماضيين؛ 7 انقلابات عسكرية تمركزت في وسط وغرب القارة، وبدأت في مالي مرورا بالسودان، غينيا، بوركينا فاسو، غينيا بيساو، النيجر، قبل أن تنتقل إلى المحطة التي تلتها وهي الغابون لتضع حدا لحكم عائلة بونغو التي مكثت في السلطة نحو 56 عاما.


ومنذ إعلان استقلال الدول الإفريقية عن الاستعمار، شهدت تلك البلاد حتى أمس الأربعاء، أكثر من مئتي انقلاب ومحاولة انقلاب عسكرية فاشلة، كان عنوانها عدم استقرار القارة التي انهكتها كذلك المجاعات والجفاف والأمراض والحروب العرقية والقبلية الطاحنة.


وظهر أمس الأربعاء، بدأت تتكشف تفاصيل إضافية عن الانقلاب العسكري في الغابون، الذي جاء بعد تحرك ضباط في الجيش فور إعلان الهيئة الوطنية المكلفة بالانتخابات صباح الأربعاء، إعادة انتخاب علي بونغو الذي يحكم البلاد منذ وفاة والده قبل 14 عاما، رئيسا لولاية ثالثة بحصوله على نسبة 64,27 % في المائة من الأصوات في الانتخابات الأخيرة.


وتفوق بونغو في انتخابات جرت بدورة واحدة نهاية الأسبوع الماضي، وأعلنت نتائجها أمس، على منافسه الرئيسي البير أوندو أوسا الذي حصل على 30,77 % فيما حصل 12 مرشحا آخر على ما تبقى من أصوات على ما أوضح ستيفان بوندا رئيس المركز الغابوني للانتخابات عبر التلفزيون الرسمي. وبلغت نسبة المشاركة 56,65 %، وفق وكالات الأنباء.


رجل الغابون القوي الجديد

تبين أن قائد الانقلاب هو الجنرال بريس كلوتير أوليغوي نغيما، الذي حمله جنوده على الأكتاف بعد ساعات من الاستيلاء على السلطة.


وأعلن المجلس العسكري الجديد في الغابون تعيين نغيما، قائدا للمجلس ليصبح رجل البلاد القوي.


ونغيما هو قائد الحرس الجمهوري، وقد ظهر عناصره يحتفلون مردتين قبعاتهم الخضراء، بعد أن دخلوا إلى القصر الرئاسي وقاموا بالهتاف وشتم الرئيس علي بونغو، قبل وضعه في الإقامة الجبرية.


ونقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن الجنرال الجديد قوله بعد الاستيلاء على السلطة، إنه "لم يكن يحق للرئيس بونغو ولاية ثالثة وأن الجيش قرر التدخل"".


وأضاف: "لم أعلن نفسي رئيسا للبلاد ولا نية لي في ذلك حاليا"، متابعا "سأتشاور مع باقي الجنرالات لاختيار من يتولى قيادة المرحلة الانتقالية".


وأكد أن "علي بونغو بات رئيس دولة متقاعدا ويتمتع بجميع حقوقه كأي مواطن".


رئيس الغابون: أدعو كل العالم للتحرك

من جهته، وجه رئيس الغابون المحتجز، علي بونغو، في فيديو بثه من مكان إقامته رسالة طالب فيها كل العالم والأصدقاء "للتحرك ضد من قاموا باعتقالي".


وأضاف بونغو: "ابني محتجز في مكان ما وزوجتي مفقودة".


"إعادة تموضع"

قال المحلل السياسي الأستاذ الدكتور محمد القطاطشة إن الانقلابات في بعض الدول الأفريقية تكون مبررة من حيث أن الحكم في الغابون أصبح وكأنه وراثة، إذ استلم الرئيس الحكم عن أبيه الذي استمر على مقعده نحو 45 سنة.


وأضاف القطاطشة لـ"الغد": "الفساد اليوم قد يكون عبر صناديق الاقتراع مقننا بالقوانين، واليوم كل الانتخابات في أفريقيا مشكك بها؛ لأنها تقوم على العرقية والقبلية".


وتابع:"قد تكون الطبقة المنتخبة طبقة فاسدة، وأنا مع هذه الانقلابات العسكرية مع أنني لا أحبذ حكم العسكر، لكن فرنسا زرعت أنظمة أو نخب سياسية تتماهى مع سياساتها حتى في الانتخابات عبر صناديق الاقتراع".


وأردف: "المواطن بشكل أساسي لا يرى تغيرا ويرى أن هناك قوى استعمارية وبخاصة فرنسا، كانت وما تزال تأكل كل موارده للتواطؤ مع السلطة السياسية حتى وإن كانت منتخبة، وبالتالي لا يرى أن هذه الموارد تنعكس عليه".


واستكمل القطاطشة: "أفريقيا اليوم في إعادة تموضع، واليوم في القارة مفهوم الدولة عليه إشكالية، والإنسان يكون ولاؤه للدولة عندما تعطيه شيئا، لكنها لا تعطيه شيئا فيصبح ولاؤه للعكسر، وهو يعتقد أن العسكر آخر صمام في هذا الموضوع".


ورأى المحلل السياسي أن "القارة الأفريقية ذاهبة إلى إعادة التصحيح، فهذه القارة ظلمت في فترة العبودية بحيث كانت موئلا للعبودية للأوروبيين، ثم ظلمت أثناء الاستعمار، ثم أثناء حكم العسكر".


وقال: "اليوم هناك تغير في النمط الفكري للعقل الجمعي الفردي الأفريقي (...)، والولاء للوطن الذي يعطي للمواطن كرامة، فالنخب السياسية في أفريقيا اليوم جوعت المواطنين وبالتالي انقلبوا عليها".


وأشار محمد القطاطشة إلى أن "أحجار الدومينو ستنقلب على الجميع في أفريقيا، وأن العسكر ومن أقام الانقلابات في النيجر والغابون قد يستعينون مرحليا بفرنسا والصين لكن لن تكون اتفاقياتهم اتفاقيات إذعان وخضوع كما هي مع فرنسا في السابق".


"صفعة لفرنسا"

من جانبه، قال المحلل السياسي الأستاذ الدكتور محمد المصالحة إن انقلاب الغابون ربما يكون "السادس في الجزء الغربي من أفريقيا، وهذا القطر هو من المستعمرات الفرنسية ولفرنسا مصالح كبيرة فيها وتحكمها حاجتها للموارد الموجودة في هذا البلد".


ووصف المصالحة ما حدث بأنه "صفعة كبيرة لفرنسا"، مبينا أن "هناك سببين أحدهما داخلي يتعلق بحكم عائلة بانغو التي تجاوزت 55 عاما لهذا القطر، وأسباب داخلية تتعلق بأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة للسكان".


وتابع في تصريح لـ"الغد": "هناك أسباب خارجية تتمثل بعلاقتهم مع فرنسا وهي علاقة هيمنة واستغلال للموارد، وبالتالي يبدو أن هناك وعيا متزايدا في شعوب غرب أفريقيا بوجه العموم بأن فرنسا ما زالت تتعامل معهم بالعقلية الاستعمارية".


وأردف: شعوب أفريقيا أصبحت تعي أن فرنسا مستمرة بدعم "نظم الحكم في هذه الأقطار التي تتماشى مع مصالحها ولهذا تصمت عن وجود انتخابات ربما تكون مزورة أو غير صحيحة لأنها تريد أن تبقي النخب الحاكمة القريبة منها والخادمة لمصالحها في مواقع السلطة رغم فسادهم أو ما يمكن أن يسجل عليهم الرأي العام من أخطاء في إدارة شؤون الدولة".


وتوقع أن "تحدث عدوى تشبه ما يسمى بتداعي حجارة الدومينو، وهو ما حصل في جنوب شرق آسيا (فيتنام وكمبوديا ولاوس) وربما تحصل في بلدان أخرى إذا كانت لها ظروف مشابهة لما حصل في الغابون والنيجر، ومن المحتمل جدا أن تتكرر في أكثر من دولة".

 

اقرأ أيضاً: 

الغابون.. انقلاب عسكري فوق أرض دولة عائمة على بحر من النفط ماذا نعرف عنها؟

بعد انقلاب الغابون.. هل تستمر "أحجار الدومينو" بالتساقط في القارة السمراء؟

الجنرال بريس نغيما رئيسا للمرحلة الانتقالية في الغابون

بالفيديو.. أطاح بالرئيس بونغو.. من هو قائد انقلاب الغابون؟

أفريقيا تصحو على انقلاب جديد.. عسكر الغابون يستولون على السلطة