أسابيع فوضوية في الأمم المتحدة

1704540457849747300
مجلس الأمن الدولي في اجتماع في مقر الأمم المتحدة - (المصدر)

ربما تكون الاحتجاجات الكبيرة والمسيرات التي قادها فلسطينيون ومناصروهم في العواصم الغربية قد خبت في الأسابيع الأخيرة، لكن الرسالة المدوية ظلت واضحة بشكلٍ لا لبس فيه.

اضافة اعلان

 

لقد برز جيلٌ متزايد من المسلمين الشباب في عددٍ من الدول الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة، يحصل على المعلومات بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمقدار ما يستمدها من مصادر أخرى، ويقوم بتركيز متجدد على القضية الفلسطينية.
                       *   *   *
قد تكون إحدى أكثر السمات اللافتة للانتباه في الصراع الدائر في الشرق الأوسط هي الطريقة التي عادت بها منظمة الأمم المتحدة أخيرا إلى الساحة الدولية، وكأنها لم تكن غائبة على الإطلاق.


أصبحت محطات التلفزة الدولية تتابع عن كثب الأحداث الجارية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، كما أن بعض المصطلحات والمفاهيم التي كانت قد تلاشت تقريباً من الخطابات العامة، تعود إلى الظهور مرةً أخرى في المناقشات المحيطة بالوضع الراهن، ما يذكر بفترة ما بعد الحرب بين العرب وإسرائيل في العام 1967، بحيث نجد أنفسنا مرةً أخرى أمام قرار مجلس الأمن الرقم 343، و "حل الدولتين" الذي ينطوي عليه، و"عملية السلام في الشرق الأوسط".

 

ويعكس هذا الانبعاث العودة إلى اللغة الدبلوماسية والجهود التي كانت سائدة في السابق.


إلا أن الظروف الراهنة وتوزيع القوى والمزايا، أو ما كان يُشار إليه ذات يوم كما أذكر بـ"ترابط القوى"، قد تغيرت.

 

وقد تأكد هذا التحول الواضح من خلال المناقشات المكثفة التي دارت وراء كواليس في المنظمة الدولية في نيويورك خلال الأسابيع الماضية، والتي كانت تهدف إلى وقف هذا السفك المستمر للدماء في غزة وما حولها، أو على الأقل تعليقه موقتاً.


في سلسلة من الأحداث التي تشبه في بعض الأحيان مناورات واضطرابات "بريكست" داخل برلمان المملكة المتحدة، خُطط للتصويت الرسمي الدولي وإلغاؤه وإعادة جدولته.

 

وبعد ظهر يوم الخميس، 23 كانون الأول (ديسمبر) بتوقيت نيويورك -في وقتٍ متأخرٍ من المساء في أوروبا وخلال الليل في منطقة الشرق الأوسط التي ما يزال مصيرها على المحك- لم يُجر التصويت المتوقع مرةً أخرى.


لكن هذا الإرجاء الأخير ترافق مع أكثر المؤشرات وضوحاً حتى ذلك الوقت على أن التصويت سيمضي قدماً وأنه عندما يحدث، يغلب أن يحظى القرار الذي تمت مراجعته على نطاق واسع، بالموافقة.

 

وبرغم أن الصياغة الدقيقة قد تخضع لمزيدٍ من التعديلات، فإن مواصلة الدبلوماسيين والمراسلين الحديث علناً أو في الأحاديث الخاصة عن التفاصيل الدقيقة لمسودة وثيقة الأمم المتحدة، دل بقوة على تقدمها وعلى أنها قطعت شوطاً كبيراً نحو الهدف.


لا بد من الإشارة هنا إلى أن الهدف الأولي للقرار، كان ذا شقين: أولاً تسريع وتيرة وصول إمدادات المساعدات إلى غزة في محاولةٍ للتخفيف من وطأة الكارثة الغذائية والطبية التي تكشفت؛ وثانياً، تمهيد الطريق لوقف إطلاق النار.

 

ومع ذلك، يبدو أن الصياغة الصريحة المستخدمة للعبارتين قد جرى تخفيفها بحيث يتم التركيز على "تهيئة الظروف" لتحقيق هاتين النتيجتين، بدلاً من وصفهما بشكلٍ صريح.


سيكون الإشراف على إمدادات المساعدات للقطاع الآن في عهدة مسؤولٍ محدد بدلاً من المشاركة المباشرة للأمم المتحدة.

 

وبينما لا يمكن إنكار أن هذه التعديلات جاءت لتخفف صيغة القرار، إلا أنها تشكل أدواتٍ دبلوماسية كلاسيكية، تهدف إلى تقريب المواقف وتعزيز الإجماع عندما يكون الاتفاق صعباً وبعيد المنال.


مع ذلك، في هذه الحالة، يمكن قول أن الصياغة المحددة تحمل أهميةً أقل من حقيقة أن القرار قد اتخذ الآن شكلاً يساعد في تمريره.

 

وفي حال حدوث ذلك، فإنه سيكون أول قرار للأمم المتحدة يحقق نجاحاً منذ أكثر من شهرين بعدما أطلقت "حماس" شرارة الصراع في السابع من تشرين الأول (أكتوبر).

 

ويُعزى السبب المحوري لنجاحه المحتمل -بافتراض عدم ظهور عقباتٍ غير متوقعة- إلى التحول في موقف دولةٍ واحدة فقط، وهي الطرف المؤثر بشكلٍ ملحوظ في القرارات الدولية: الولايات المتحدة.


جميع القرارات السابقة التي دعت إلى وقف الأعمال العدائية -سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة- عارضتها الولايات المتحدة باستمرار، ومارست بفاعلية حقها في النقض لمنع صدورها.

 

في الجمعية العمومية، وجدت واشنطن نفسها ضمن أقليةٍ آخذة في التقلص. أما في مجلس الأمن، فوقفت وحيدة.

 

وحتى المملكة المتحدة التي عادةً ما تكون حليفاً ثابتاً في دعم إسرائيل امتنعت باستمرار عن التصويت، ما يدل على خروج دبلوماسي ملحوظٍ عن الموقف البريطاني المعتاد.


علاوةً على ذلك، ما كانت الولايات المتحدة لتعدّل موقفها من دون تأمين أكبر قدر ممكن من الحماية من خلال الصياغة الدبلوماسية، وهو الأمر الذي استلزم عمليةً واسعة النطاق من الصياغة وإعادة الصياغة وإرجاء التصويت في الأيام الأخيرة.

 

وجاء التحول في اللغة الذي تجسّد في دعوة اللورد ديفيد كاميرون في الأسبوع السابق إلى "وقف مستدامٍ لإطلاق النار" بدلاً من مجرد وقفٍ للنار، من بين التعديلات في المصطلحات التي يمكن أن تكون قد أسهمت في هذا التغيير.


لكنّ ما كان يتكشف في نهاية المطاف يشكل تحولاً مهماً للغاية، وربما يسطر عهداً جديداً بالنسبة للولايات المتحدة، في تحول مدفوع إلى حد كبير بالتأثير الكبير للرأي العام الدولي. في الماضي، كان يمكن لواشنطن أن تتشدد في موقفها وتتغلب على الانتقادات العربية لدعمها القوي لإسرائيل.

 

ولكن هذه المرة، لم تجد الدولة العظمى نفسها معزولةً فحسب، بل تحوَّل تضامنها -الذي كان يُنظر إليه في السابق على أنه ثابت وغير مشروط مع إسرائيل- ليصبح عبئاً دبلوماسياً كبيرًا إلى حد الذي لم يعد بمقدورها تحمله. 


ربما تكون الاحتجاجات الكبيرة والمسيرات التي قادها فلسطينيون ومناصروهم في العواصم الغربية قد خبت في الأسابيع الأخيرة، لكن الرسالة المدوية ظلت واضحةً بشكلٍ لا لبس فيه.

 

لقد برز جيلٌ متزايد من المسلمين الشباب في عددٍ من الدول الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة، يحصل على المعلومات بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمقدار ما يستمدها من مصادر أخرى، ويقوم بتركيزٍ متجددٍ على القضية الفلسطينية بعد أعوامٍ طغت عليها فعلياً "الحرب الأميركية على الإرهاب". وقد أسهم كل ذلك في إحداث تحولٍ جدير بالملاحظة في مركز الثقل الدولي.


ولعل الجانب الأكثر أهميةً مع تزايد الوفيات والدمار في غزة يوماً بعد آخر، أن الإدارة الأميركية لم تواجه معارضة من غالبية الرأي العام الدولي فحسب، بل واجهت أيضاً معارضة متزايدة في الداخل قبل أقل من سنة على موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي يسعى فيها الرئيس جو بايدن في الوقت الراهن، للفوز بولايةٍ ثانية.


مرت حقبة من الزمن كان فيها السعي إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط يشكل حجر الزاوية لتطلعات كل رئيس أميركي. وكانت الرؤية تحاول محاكاة مشاهد مثل التي حققها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في العام 1993، عندما وقف في حديقة البيت الأبيض ونظم مصافحةً تاريخيةً بين قادة إسرائيل والفلسطينيين.

 

ومع ذلك، فإن كلينتون، شأنه شأن غيره، أثبت في نهاية المطاف أنه لم يكن قادراً على تحويل تلك الرؤية إلى واقع ملموس وتحقيق السلام.


لم تسفر جهود اللحظات الأخيرة في الأسابيع التي سبقت انتهاء ولايته الرئاسية عن أي شيء. وسرعان ما أصبحت أهوال أحداث 11 أيلول (سبتمبر) هي التي تملي أجندة واشنطن في الخارج، وتراجعت معها القضية الفلسطينية كثيراً في أولويات الغرب.


أما الرئيس السابق دونالد ترمب فاعتمد نهجاً آخر، عندما أطلق ما أصبح يُعرف باسم "اتفاقات أبراهام" التي هدفت إلى توسيع الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل ليشمل دول الخليج والمملكة العربية السعودية.

 

لكن هذه الخطوة التي اعتبرتها الولايات المتحدة بمثابة تعزيزٍ لأمن إسرائيل وربما إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، نظر إليها الفلسطينيون من منظار مختلفٍ تماماً، ومن المؤكد أن الغضب والاستياء اللذين أثارتهما قد أسهما بالتأكيد في الهجوم الذي نفذته "حماس" في السابع من تشرين الأول (أكتوبر).


كان ذلك الحدَث، إلى جانب رد الفعل الإسرائيلي، بمثابةٍ مؤشرٍ على زوال ما تبقى من سياسة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

 

وقد شرع الرئيس جو بايدن في مسعى عقيم لتطبيق دبلوماسيةٍ مكوكية تقليدية، في مغامرة كادت أن تسبب الإحراج لحكومته لجهة عدم فعاليتها وافتقارها للتأثير.

 

وفي وقتٍ لاحق، كان على الولايات المتحدة أن تتصالح مع كونها مجرد دولةٍ من بين دولٍ عدة لديها مصلحة في الشرق الأوسط. وهي تقر بأن نفوذها على أيٍ من دول المنطقة -أو جميعها، بما فيها إسرائيل- بات محدودا.


لعل هذا الواقع يشكل جزئياً السبب في عودة الأمم المتحدة إلى الظهور نتيجةً لدورها التاريخي، باعتبارها المنصة الأساسية في المساعي الرامية إلى معالجة قضية الدولة الفلسطينية وإحلال سلامٍ دائم في منطقة الشرق الأوسط. وتؤكد حقيقة أنها ما تزال تتولى هذا الدور على مدى نصف قرن منذ حرب العام 1967، على أوجه القصور التاريخية في تحقيق هذه الأهداف.

 

ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة تمارس حتى الآن نفوذاً كبيراً في قرارات الأمم المتحدة بحيث كانت قادرةً على اقتراح النتائج والتأثير عليها، أو ممارسة حقها في النقض، أو الانسحاب عندما لا توافق.


أظهرت الأسابيع الأخيرة بوضوح تراجع نفوذ الولايات المتحدة. فالمساعي التي بذلتها واشنطن للتغلب على عزلتها الدولية في ما يتعلق بغزة -سواءً داخل غرف المفاوضات التابعة للأمم المتحدة أو في بياناتها العامة- لا تشهد فقط على سوء تقديرٍ في الاستجابة الأميركية المبكرة للصراع في غزة، بل تؤكد أيضاً على الديناميات المتغيرة لموقفها داخل النظام الدولي.

*ماري ديجيفسكي: كاتبة  متخصصة في الشؤون الخارجية، عملت مراسلة في موسكو وباريس وواشنطن.

 

كتبت حول انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي السابق من موسكو، كما غطت حرب العراق، وهي مهتمة بالعلاقات الدبلوماسية بين الكرملين والغرب.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

إصلاح الأمم المتحدة! فكر في "أليس في بلاد العجائب"‏