أسباب للترحيب بتدخل روسيا في الحرب السورية

سيارة عليها ملصقات للأسد وبوتين في بلدة القرداحة قرب اللاذقية - (أرشيفية)
سيارة عليها ملصقات للأسد وبوتين في بلدة القرداحة قرب اللاذقية - (أرشيفية)

باتريك كوبيرن - (كاونتربنتش) 5/10/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

مع أن التدخل الروسي العسكري في سورية يوسع نطاق تدويل الصراع، فإنه يعرض مع ذلك فرصاً بقدر ما يعرض من التعقيدات. ليست هناك حلول بسيطة لهذه الحرب الرهيبة التي دمرت سورية. فمن أصل عدد سكان يبلغ 22 مليون نسمة، أصبح 4 ملايين سوري لاجئين في الخارج، فيما تشرد 7 ملايين آخرين في داخل البلد.
كنت مؤخراً في زيارة لشمال شرق سورية الذي يخضع للسيطرة الكردية؛ حيث بدت آثار كوباني المدمرة بالقنابل أشبه بصور ستالينغراد بعد المعركة. لكن من المهم بالمقدار نفسه ملاحظة أن الناس يشعرون بخوف كبير يمنعهم من العودة، حتى في البلدات والقرى التي طردت منها مجموعة "داعش" وحيث المنازل ما تزال غير مدمرة.
والسوريون محقون في أن يشعروا بالخوف. فهم يعرفون أن ما يحصل في ميدان المعركة اليوم قد ينعكس غداً. وفي هذه المرحلة، تشكل الحرب مزيجاً سمياً مكوناً من نصف دزينة من المواجهات والأزمات المختلفة التي ينخرط فيها لاعبون من داخل وخارج البلد. ويضع النزاع المتداخل من أجل السلطة الأسد ضد انتفاضة شعبية؛ والشيعة ضد السنة؛ والأكراد ضد العرب؛ والأتراك و"داعش" ضد الجميع؛ وإيران ضد السعودية؛ وروسيا ضد الولايات المتحدة.
لعل إحدى المشاكل الكثيرة أمام إنهاء، أو حتى خفض تصعيد هذه الأزمات، هي أن هؤلاء اللاعبين المهتمين بمصالحهم، ينطوون على ما يكفي من القوة لمواصلة القتال في زواياهم الخاصة، لكنهم ضعفاء جدا بحيث لا يستطيعون أبداً التغلب على خصومهم تماماً. وهذا هو السبب في إمكان أن يكون هناك أثر إيجابي لانخراط موسكو: إن روسيا تشكل على الأقل طرفاً ضارباً ثقيلاً وقادراً على تشكيل الأحداث بعملياتها الخاصة، والتأثير بقوة على سلوك حلفائها ووكلائها.
بعد الأخبار الأولى عن الضربات الجوية الروسية، قال باراك أوباما في مؤتمر صحفي: "إننا لن نقوم بتحويل سورية إلى مكان للحرب بالإنابة بين الولايات المتحدة وروسيا". لكن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، والتنافس العالمي الذي رافقها، كانت لها فوائد لكثير من أجزاء العالم. فقد سعت كلتا القوتين العظميين إلى دعم حلفائهما الخاصين والحيلولة دون تطور فراغات سياسية يمكن أن يستغلها الطرف المقابل. ولم تشتعل الأزمات في ذلك الوقت كما هو حالها اليوم، وكان بوسع الروس والأميركيين أن يروا مخاطر انزلاقها لتخرج تماماً من السيطرة وتتسبب بأزمة دولية.
لكن هذا التوازن للقوى العالمية انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991. وبالنسبة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عنى ذلك المزيد من الحروب. وهناك الآن ثمانية نزاعات مسلحة تستعر في مناطق عدة، بما في ذلك باكستان ونيجيريا (ويقفز الرقم إلى 9 إذا أضفنا جنوب السودان، حيث أفرز اشتداد القتال منذ العام 2013 نحو 1.5 مليون شخص مشرد). ومن دون وجود قوة عظمى منافسة، توقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، عن الاكتراث لما حصل في هذه الأماكن إلى حد كبير. وعندما لم تتدخل، كما في حالات ليبيا والعراق، عمدت إلى تنصيب أنظمة ضعيفة تابعة. ويتناقض الحماس الذي أبداه كل من ديفيد كاميرون ونيكولاس ساركوزي للإطاحة بمعمر القذافي مع عدم مبالاتهما بانهيار ليبيا ودخولها حالة فوضى عارمة وإجرامية.
بشكل عام، من الأفضل رؤية روسيا وهي تنخرط تماماً في سورية على رؤيتها وهي تقف على الهامش، حتى تكون لديها فرصة المساعدة في استعادة السيطرة على وضع خرج عن السيطرة منذ فترة طويلة. إنها تستطيع أن تبقي الأسد على رأس السلطة في دمشق، لكن القوة اللازمة لفعل ذلك تعني أنها تستطيع أيضا تعديل سلوكه وحمله على التحرك نحو خفض العنف والقبول بوقف اتفاقات هدنة محلية واقتسام السلطة إقليمياً. وكان دائماً من العبث أن تختصر واشنطن وحلفاؤها المشكلة في سورية على أنه "الأسد في السلطة أو خارجها"، عندما تفضي نهاية الأسد إما إلى تفكك الدولة السورية، كما حدث في العراق وليبيا، أو إلى تأثير محدود لأن المشاركين في الحرب الأهلية السورية سيواصلون الاقتتال ببساطة.
من الممكن أن يكون لتدخل روسيا أثر إيجابي في خفض وتيرة الحرب في سورية والعراق، لكن قراءة نص تصريحات الرئيس أوباما للصحافة، تشير إلى فهم محدود فقط لما يحدث هناك. فسورية هي جزء واحد فقط من صراع أكبر بين الشيعة والسنة. ومع أن هناك من السُنة في العالم أكثر بكثير من الشيعة، فإن هذا ليس هو واقع الحال في هذه المنطقة. وهناك بين أفغانستان والبحر الأبيض المتوسط -في إيران والعراق وسورية ولبنان- أكثر من 100 مليون شيعي و30 مليون سني.
بالمعنى السياسي، فإن الفارق أكبر من ذلك، لأن الأقليات الكردية القوية عسكرياً في العراق وفي سورية، مع أنها من الطائفة السنية، تبدو أكثر خوفاً من "داعش" والجهاديين العرب السنة المتطرفين من خوفها من أي طرف آخر. وقد ظنت القوى الغربية أن الأسد سيذهب في فترة 2011-2012، وعندما لم يذهب فشلت هذه القوى في ابتكار سياسة جديدة.
لا يمكن أن يعود السلام إلى سورية والعراق ما لم يتم إلحاق الهزيمة بمجموعة "داعش"، وهذا ما لم يحدث حتى الآن. لم تؤت الحملة الجوية بقيادة الولايات المتحدة ضد "داعش" ثمارها. ولم يتحطم المتشددون الإسلاميون تحت وطأة الضربات الجوية، لكنهم إما يحتفظون بالأرض نفسها عبر المناطق السورية والكردية العراقية، أو أنهم يتمددون. وهناك شيء طريف في النقاش الجاري في بريطانيا حول ما إذا كان البلد سينضم إلى الحملة الجوية في سورية، من دون ذكر أن هذه الحملة فشلت حتى الآن وبوضوح في تحقيق أهدافها.
يعني الذهاب إلى القتال ضد "داعش" تقديم الدعم، أو على الأقل التحدث مع تلك القوى التي تقاتل الجهاديين المتطرفين. وعلى سبيل المثال، فإن العناصر الأكثر تأثيراً في القتال ضد "داعش" في سورية هي الأكراد السوريون. وهم يريدون التقدم غرباً عبر الفرات والسيطرة على آخر نقطة عبور حدودية لمجموعة "داعش" مع تركيا في جرابلس. وقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً بأنه لن يقبل أبداً بمثل هذا "الأمر الواقع". لكنه يظل من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم دعما جوياً لحلفائها الأكراد، وتمارس الضغط على تركيا لعدم غزو شمال سورية.
يجب ضم الروس والإيرانيين قدر الإمكان للدخول في أي مباحثات حول مستقبل سورية. ولكن، يجب أن يكون هناك ثمن مباشر لهذا الأمر، مثل الإصرار على أنه إذا كان الأسد سيبقى لبعض الوقت، فإن على قواته التوقف عن القصف واستخدام البراميل المتفجرة ضد المناطق المدنية التي تسيطر عليها المعارضة. وعادة ما تم التوصل إلى اتفاقيات محلية لوقف إطلاق النار في سورية، لأن أحد الأطراف كان على شفير الهزيمة هناك. ويمكن ترتيب حالات وقف إطلاق نار أوسع وأكثر إذا قام الداعمون الخارجيون بالضغط على وكلائهم المحليين.
كل هذه الأمور يجب أن تحدث سوية بشكل أو بآخر. وإحدى المشكلات هي أن الأزمات المذكورة نقلت العدوى إلى بعضها بعضا. فالقوى الإقليمية، مثل تركيا وايران والعربية السعودية ودول الخليج لديها وسائل قوية للسيطرة على وكلائها المحليين. لكن هؤلاء اللاعبين الإقليميين لا يعيرون اهتماماً لتدمير سورية، والذين ما يزالون يحلمون بتحقيق نصر نهائي، سوف يُجبرون على تقديم تنازلات فقط بضغط من واشنطن وموسكو.
يجب أن تصبح روسيا وأميركا أكثر انخراطاً في سورية، وبخلاف ذلك ستقوم هذه القوى بملء الفراغ الذي ستتركانه، بما تنطوي عليه هذه القوى من أجندات طائفية وعرقية. وتستطيع بريطانيا أن تلعب دوراً ايجابياً هنا أيضاً، وإنما فقط إذا توقفت عن المشاركة في لعبة "دعونا نتظاهر"، حيث يعاد توصيف الجهاديين المتشددين باعتبارهم "معتدلين".
وكما حدث في مفاوضات السلام الخاصة بإيرلندا الشمالية في التسعينيات، فإن وضع حد للحروب في سورية يعتمد على إقناع المنخرطين فيها بأنهم لا يستطيعون كسبها، لكنهم يستطيعون النجاة وتحقيق جزء مما يريدونه. وقد لا تكون الولايات المتحدة وروسيا هما القوتين العظميين اللتين كانتاهما ذات مرة، لكنهما تتوافران على القوة الكافية للتوصل إلى هذه الاتفاقيات.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Why we should welcome Russia's entry Into Syrian War

اضافة اعلان

[email protected]