أسطورة رابين صانع السلام

أمجد عراقي* - (مجلة 972+) 27/9/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز محقة حين ألغت مشاركتها في حدث لتكريم رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين. فبعد ورود أنباء تفيد بأنه كان من المقرر أن تتحدث عضوة الكونغرس في يوم لإحياء ذكرى رابين نظمت لإقامته منظمة "أميركيون من أجل السلام الآن" في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، شارك الفلسطينيون وحلفاؤهم الأرشيفات التاريخية والقصص العائلية على وسائل التواصل الاجتماعي لشرح السبب في أن رابين، الذي اغتيل على يد يميني إسرائيلي متطرف قبل 25 عاماً، لم يكن رجل سلام.
بالعديد من الطرق، تشكل هذه الحكاية حاشية صغيرة في قصة السياسات المتغيرة للتقدميين الأميركيين تجاه إسرائيل. لكن رد فعل نشطاء حقوق الإنسان الفلسطينيين، واستجابة أوكاسيو كورتيز لأصواتهم، يمثلان لحظة مهمة في تلك القصة. إضافة إلى التراجع، يضع المدافعون عن فلسطين الأمور في نصابها الصحيح فيما يتعلق بواحدة من أكثر الأساطير ضررًا في الصراع: أن اتفاقيات أوسلو -ومعها، بالاقتران، إسحق رابين- كانت قوة من أجل السلام.
خلال النقاش حول حدث "أميركيون من أجل السلام الآن"، أشار بعض المعلقين -بشكل عادل- إلى أن إرث رابين كان أكثر تعقيدًا مما يكشف عنه الآخرون. كان قرار رابين تعليق مسيرته المهنية على المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية -الذي كان ذات يوم احتمالًا لا يمكن تصوره بالنسبة لمعظم الإسرائيليين- قراراً جريئًا حقاً. وكان تواصله مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من أجل مساعدته على الاحتفاظ بتفويض حكومي والمضي قدماً في الاتفاقات شأناً غير مسبوق. وقد أيد العديد من المواطنين الفلسطينيين عملية السلام -بل إنهم حزنوا على مقتل رابين.
لكن هذه الفروق الدقيقة لا تعوض عن المشكلة الأساسية التي تكمن في الطريقة التي يُقدَّر بها رابين في إسرائيل وخارجها. ففي هذا التقدير، تتمحور شخصيته، بصفته "محاربًا تحول إلى صانع سلام" بشكل حصري تقريبًا حول الأعوام الأربعة الأخيرة من حياته التي تميزت خمسة عقود منها بوجهات نظره المتشددة والعسكرية (شيمون بيريز، منافس رابين الذي تحول إلى حليف، تلقى في النهاية نفس معاملة التحويل إلى معبود محبوب). وقد أقيمت عبادة الشخصية هذه، التي صاغها اليسار الصهيوني في إسرائيل والصهاينة الليبراليون في الولايات المتحدة، بشكل خاص على حجة معاكسة للواقع: لو أنه لم يُقتل، ربما كان سيساعد على تحقيق حل على أساس الدولتين.
لعل من المفارقات أن الشخص الأول الذي كان ليعترض على هذه الرواية ربما كان رابين نفسه. فمن حيث المبدأ، لا تظهر عبارة "دولة فلسطينية" أبداً في الاتفاقات التي وقعها، وهي حقيقة كان هو ومسؤولون إسرائيليون آخرون حريصين على ضمانها. وقبل شهر من اغتياله، قال رابين للكنيست إن رؤيته هي إعطاء الفلسطينيين "كيانًا أقل من دولة" -في سابقة لـ"دولة-ناقص" التي يدعو إليها نتنياهو اليوم والتي حددها ترامب في "صفقة القرن". كما أصر رابين أيضاً على أن غور الأردن سوف يظل "الحدود الأمنية" لإسرائيل -وهي الخطة ذاتها التي أثارت غضبًا دوليًا هذا العام، عندما تعهد نتنياهو بضم هذه المنطقة رسميًا.
إذا كانت كلمات رابين مجرد لعبة سياسية مارسها مع الناخبين الإسرائيليين، فإن تصرفات حكومته كانت أكثر وضوحًا. من العام 1993 إلى العام 1995، وفقاً لمنظمة "السلام الآن"، بدأت إسرائيل بناء أكثر من 6.400 وحدة سكنية في المستوطنات. وفي ذلك الوقت، وفقًا لمنظمة "بتسيلم"، هدمت إسرائيل أيضًا ما لا يقل عن 328 منزلًا ومبنى فلسطينيًا -بما في ذلك في القدس الشرقية التي سعى رابين إلى إبقائها "موحدة" تحت السيادة الإسرائيلية. وكانت النتيجة أن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية ارتفع بمقدار 20 ألفاً، وتشرد الفلسطينيون بالآلاف، بينما كان رابين يجلس إلى طاولة المفاوضات.
طوال هذا الوقت، استخدمت حكومة رابين "أوسلو" -ليس كمخطط لإنهاء الاحتلال، وإنما لإعادة هيكلته وتقليل التكلفة على الإسرائيليين. فقد تم نقل عبء السيطرة على السكان الخاضعين للاحتلال إلى السلطة الفلسطينية المنشأة حديثًا، والتي قمعت المقاومة اللاعنفية واستهدفت المسلحين نيابة عن إسرائيل. وزاد بروتوكول باريس، الذي جعل الاقتصاد الفلسطيني وموارده رهينة لتقدير إسرائيل، من ترسيخ الاستغلال الاقتصادي للفلسطينيين. وما تزال هذه الأنظمة قائمة حتى اليوم، بعد عقدين من تاريخ انتهاء تاريخ صلاحية اتفاقية أوسلو.
عباءة "سلام"
بالنظر إلى الربط شبه المقدس لرابين بعملية السلام، ينسى كثير من الناس بسهولة أنه لم يكن حتى الشخص الذي بادر بها. كان ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، هو الذي قدم أولى مبادرات المفاوضات منذ العام 1973 (والتي رفضتها إسرائيل والولايات المتحدة لأعوام). وقد راهن عرفات بقيادته -ووحدة الحركة الوطنية الفلسطينية- في سبيل السعي إلى إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين التاريخية. وهو الذي دفع منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاعتراف بإسرائيل في العام 1988؛ أي قبل خمسة أعوام من توقيع اتفاقيات أوسلو. ولم يعترف أي زعيم إسرائيلي، بما في ذلك رابين نفسه، بدولة فلسطينية.
ومع ذلك، لا يستحق عرفات أيضًا إرث بطل. فقد أدى تحوله الاستبدادي إلى تقويض المقاومة الفلسطينية المحلية وكسر تقاليد منظمة التحرير الفلسطينية المتعلقة بالنقاش وبناء الإجماع. وأدى سعيه الحثيث إلى الرعاية الأميركية والموافقة على شروط "أوسلو" المنهكة إلى بيع الأشخاص الذين كان من المفترض أن يمثلهم. وأثر التغاضي عن العنف الكبير للانتفاضة الثانية بشكل يتعذر إصلاحه على المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي. ومثلما كان له دور فعال في النضال الفلسطيني، كان عرفات أيضًا سببًا رئيسيًا في انهياره.
صحيح أن العديد من الفلسطينيين، مثل الإسرائيليين، كانوا متفائلين بحذر بشأن "أوسلو". لكن تلك الاتفاقيات كانت دائماً، كما حذر منتقدون مثل إدوارد سعيد، مجرد وهم. ومع ترسخ الاحتلال، تحول موت رابين إلى أداة ملائمة للصهاينة الليبراليين للحفاظ على هذا الوهم، باستخدام الحقائق المضادة لتبرير نموذج الدولتين عندما أثبتت الأدلة على الأرض عكس ذلك. والنتيجة، كما يظهر من حدث إحياء ذكراه في شهر تشرين الأول (أكتوبر)، هي أن الكثيرين لم يحسبوا بعد حقيقة مهمة: أن "أوسلو" لم تخرج عن مسارها بسبب موت رابين -لقد حققت بالضبط ما كان رابين عاكفاً على تحقيقه.
والأهم من ذلك، أن الأساطير حول رابين صرفت الانتباه عن خطئه الأكثر فظاعة: إيمانه بالتفوق اليهودي في فلسطين، ورغبته في ارتكاب الفظائع من أجل تأكيد هذا التفوق.
لهذا السبب وقّع رابين، كقائد في حرب العام 1948، على أمر طرد أكثر من 50.000 فلسطيني في "مسيرة الموت في اللد" سيئة السمعة. وهو السبب في أنه، في أول فترة له كرئيس للوزراء في السبعينيات، لم يفعل شيئًا يذكر للحد من توسع المشروع الاستيطاني الناشئ على الرغم من كراهيته للحركة. وهو السبب في أن رابين، وزير الدفاع آنذاك، أعطى للجيش عند مواجهة العصيان المدني الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، عقيدة بسيطة: "كسروا عظامهم". وعندما فشل ذلك في تهدئة الفلسطينيين، لم يكن لديه خيار سوى تغيير الاستراتيجية. وأصبحت "أوسلو" في نهاية المطاف مساهمة رابين الأخيرة في خدمة القضية الصهيونية: عباءة "سلام" لإخفاء المرحلة التالية من الحكم الاستعماري.

اضافة اعلان

*محرر وكاتب في "مجلة 972+". وهو أيضًا محلل سياسات في مركز الأبحاث "الشبكة"، وكان سابقًا منسقًا لجهود المناصرة في المركز القانوني "عدالة". وهو مواطن فلسطيني في "إسرائيل"، مقيم في حيفا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The myth of Rabin the peacemaker