أسلحة سورية الكيميائية.. هل يمكن تدميرها؟

آكي سيلستورم، رئيس فريق مفتشي الأمم المتحدة للأسلحة الكيمائية أثناء زيارة له إلى دمشق - (أرشيفية)
آكي سيلستورم، رئيس فريق مفتشي الأمم المتحدة للأسلحة الكيمائية أثناء زيارة له إلى دمشق - (أرشيفية)

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 5/10/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عادة ما لا يتم تنفيذ الأوامر بأسرع من هذا. فقد وصل أول فريق قوي من 20 شخصاً للبدء في تدمير ترسانة أسلحة سورية الكيميائية إلى دمشق يوم الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي قادماً من بيروت، لبنان، عن طريق البر لأن الطريق من مطار دمشق إلى مركز المدينة اعتبرت خطيرة جداً. ووصف أحد أعضاء الفريق المهمة التي تنتظر الفريق، بصراحة، بأنها "هرقلية".اضافة اعلان
التعليمات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بعد الهجوم الذي شُن في شهر آب (أغسطس) على ضاحية الغوطة الدمشقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة، والذي يعتقد بأنه أفضى إلى مقتل أكثر من 1400 شخص، تنص على تنفيذ "التدمير السريع لبرنامج الأسلحة الكيميائية للجمهورية العربية السورية، والتأكد الصارم من ذلك". وعلى أقل تقدير، يعتبر الجدول الزمني الذي أعطي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، من جانب المفاوضين الروس والأميركيين الذين وضعوا مسودة قرار مجلس الأمن، برنامجاً طموحاً جداً.
مع حلول الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) يتوقع من فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية "باستخدام السبل الممكنة كافة" أن تكون قد أشرفت على التخلص من قدرة النظام السوري على تصنيع مثل هذه الأسلحة. ومع حلول منتصف العام المقبل، يجب أن تكون قد وجدت، ودمرت، وفككت، أو سلمت إلى الحفظ الآمن كل الكمية التي تساوي 1000 طن أو نحو ذلك من عناصر الأسلحة الكيميائية ومكوناتها الأساسية التي تشتمل على غاز الخردل والسارين (غاز الأعصاب الذي استخدم في هجوم الغوطة) وعنصر (في-أكس).
وتتمتع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالكثير من الخبرة في تفكيك مخزون الأسلحة الكيميائية، لكنها كانت قد قامت بذلك في الماضي ضمن شروط أكثر لطفاً بكثير، حيث تلقت المساعدة من جانب حكومات مطيعة متعاونة، بدرجة أو بأخرى. ولحد الآن، يبدو نظام الأسد وأنه قد أوفى بالتزامه الأول: تقديم جرد مبدئي بمكونات ترسانته الكيميائية، فيما وصفه مسؤول في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأنه طريقة "عملية جادة وكفؤة". لكنها لا يمكن أن تكون هناك أي حالة من اليقين إزاء استمرار التعاون في كل خطوة. وفي حين لا تخوض منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في التفاصيل، ذكر السوريون أن هناك 19 موقعاً متصلاً بالأسلحة الكيميائية، وهو رقم أقل بكثير من الـ45 موقعاً التي تعتقد بوجودها أجهزة الاستخبارات الغربية.
في الأصل، كانت الحكومة السورية تنظر إلى استثمار سورية الهائل في الأسلحة الكيميائية على أنه طريقة لردع إسرائيل المسلحة نووياً أكثر من كونه وسيلة لإرهاب وإخضاع مواطنيها. وسيكون من المدهش إذا لم يكن الرئيس بشار الأسد يمتلك خطط طوارئ تتيح له التمسك سراً ببعض تلك القدرة التي تم اكتسابها بصعوبة بالغة.
لكن، حتى هذه الصعوبات تهون مقارنة مع وجوب إتمام مهمة، في وسط حرب أهلية، والتي استمر إنجازها أعواماً بسلام في أماكن أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن فريق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الأول "المعني بالإعداد" يتكون من مفاوضين سياسيين ومشتغلين بالأرقام، وليس من المفتشين. وسيتولون مراجعة ما يكشف عنه النظام، ووضع جدول زمني لعمليات التفتيش، وإعداد خطة لوجستية مع مضيفيهم السوريين. وسينضم إليهم في الأسابيع القليلة المقبلة أخصائيون آخرون -كيميائيون ومهندسون وخبراء ذخائر- والذين سيقومون بعمليات التفتيش الفعلية. وعندما يباشرون مسح المواقع المستهدفة، فإنهم سيعتمدون على حراس غير مسلحين من الأمم المتحدة وعلى الجيش السوري لحمايتهم.
وكان هناك حديث يدور عن الحصول على مساعدة عسكرية من طرف ثالث، ربما روسيا حليفة سورية، لكنه لم يتم الاتفاق على أي شيء بهذا الخصوص. وتقول دينا إسفندياري، المتخصصة في شؤون عدم الانتشار في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الذي يتخذ من لندن مركزاً له، إنهم سيحتاجون إلى عربات مدرعة وفرقهم الأمنية الخاصة. وما تزال معظم المرافق والمخزونات التي يجب أن يصلوا إليها تقع في مناطق تحت سيطرة النظام. لكن، وكما قال وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، فإن سبعة من المواقع التسعة عشر المستهدفة توجد في مناطق يدور فيها القتال.
ما لم يتم تنظيم حالات هدنة مؤقتة على الأرض بين الحكومة وقوات الثوار، فقد تنطوي عملية الوصول إلى المناطق المتنازع عليها على خطورة غير مقبولة، خاصة على ضوء المخاوف المتعلقة بأجندة بعض الميليشيات الجهادية، مثل جبهة النصرة التي لها روابط مع تنظيم القاعدة. وحتى المعارضة الأكثر اعتدالاً تشعر بعدم رضاً عميق عن العملية التي تعتقد بأنها منحت الشرعية للنظام من خلال جعله شريكاً في المجموعة الدولية. وتخشى السيدة إسفندياري من أن يكون ذلك "وصفة للكارثة".
ومع ذلك، تبدو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية متفائلة حيال فرص نجاح المهمة. ويصف المدير العام للمنظمة، الدبلوماسي التركي أحمد أوزومكو، المهمة بأنها "قابلة للإنجاز". وكانت الخطوط الزمنية للمهمة قد أنجزت بالتشاور مع خبراء أميركيين وروس على معرفة تامة بقدرات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ووفق الظروف القائمة، لن يكون المفتشون مغالين جداً في كلف الطرق التي يستخدمونها. وقد يتم تحطيم معدات الإنتاج والمزج بمطارق كبيرة، وآليات تعمل من دون تشحيم حتى تنتهي، وقد يتم نسف صواريخ حمل الكيميائيات، وتهشيم القنابل الفارغة بواسطة الدبابات أو جعلها عديمة الفائدة بتعبئتها بإسمنت.
لا يحط الناطق بلسان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مايكل لوهان، من قدر المخاطر الخفية، لكنه يشير إلى قوة قرار مجلس الأمن الذي تم الاتفاق عليه بالإجماع، ومصلحة جميع الأطراف (حتى نظام الأسد نفسه الذي استطاع بعد كل شيء تجنب قصفه من جانب أميركا) في مشاهدة إتمام المهمة. ويجب حتى على الثوار القبول بأن ثمة بعض الفائدة في إزاحة هذه الأسلحة الشريرة من الصراع. ومن خلال تعريض المفتشين للخطر، فإنهم ربما يفقدون الأموال والأسلحة التي يتلقونها من البلدان التي تدعم عملية التفتيش.
يشك القليلون في أن تجريد سورية من ترسانتها الكيميائية هو عمل يستحق القيام به. وبالمقدار نفسه، لن توقف العملية النظام عن زرع الموت والدمار بين المدنيين بالأسلحة التقليدية. ومن جهته، يشبه فريد هوف، الذي كان مستشاراً خاصاً حول سورية حتى استقال من الإدارة الأميركية قبل عام احتجاجاً على تردد أوباما في التدخل، يشبه ذلك باستئصال الزائدة الدودية من شخص يعاني من سرطان لم يعالج: قد تكون العملية ناجحة، لكن المريض سيظل يعاني ويحتضر.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Syria’s chemical weapons Can it be done?