أصول الوحشية الإسرائيلية في الإرث القمعي للاستعمار البريطاني

‏جنود إسرائيليون يعتقلون طفلاً فلسطينيا في الخليل، الضفة الغربية، تشرين الأول (أكتوبر)، 2017 - (أرشيفية)
‏جنود إسرائيليون يعتقلون طفلاً فلسطينيا في الخليل، الضفة الغربية، تشرين الأول (أكتوبر)، 2017 - (أرشيفية)

أ. بوستوس - (كونسورتيوم نيوز)2024/5/8

 

ترك "الانتداب" البريطاني على فلسطين من 1920-48 جهازا للقمع ورثته إسرائيل وما تزال تستخدمه حتى اليوم في حربها الشرسة على الفلسطينيين.‏
                             *   *   *
يدين استخدام إسرائيل الحالي للعقاب الجماعي ضد الفلسطينيين بالكثير من أصوله للحكم البريطاني في فلسطين.
وكذلك أيضا يفعل القصف الجوي، والغارات العسكرية، واستخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية، والبنية التحتية للقانون العسكري المستخدم ضد سكان محتلين أغلبيتهم الساحقة من المدنيين. ‏

اضافة اعلان


‏حكمت بريطانيا فلسطين خلال "انتدابها" بين العامين 1920-1948، واستخدمت بنيتها التحتية القمعية لتتجسد بالكامل على أرض الواقع خلال "‏‏الثورة العربية الكبرى‏" ما بين 1936 و1939.‏


في العام 1936، انخرطت فلسطين في انتفاضة وطنية بعد عقدين من المقاومة السلمية ضد الحكم البريطاني والعديد من الانتفاضات الفاشلة على مدى عشرينيات القرن العشرين، حيث أصبح الوضع السياسي والاقتصادي رهيبًا بالنسبة للأغلبية العربية.‏ ‏ودعت الانتفاضة إلى إنهاء الدعم البريطاني للاستعمار الصهيوني وضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير. لكنَّ بريطانيا رأت في هذه الثورة تهديدًا لحكمها وردت عليها بالقمع الوحشي.


وبحلول نهاية الثورة، كان قد قُتل 10 في المائة من السكان العرب الذكور البالغين، أو جُرحوا أو سُجنوا أو نُفوا على أيدي البريطانيين.‏ وأدى ذلك إلى وضع نهاية للثورة الثورة، وتدمير المجتمع الفلسطيني وتركه بلا حماية أمام الميليشيات الصهيونية خلال نكبة العام 1948.

 

وتلا ذلك تطهير أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني عرقيا من بلادهم لإقامة دولة إسرائيل. ‏‏وكما جادل‏‏ المؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي، فإن القمع المسلح للمقاومة العربية خلال الثورة كان من بين الخدمات الأكثر قيمة التي قدمتها بريطانيا للحركة الصهيونية.‏


الأحكام العرفية‏

 


‏لسحق الثورة، أخضعت بريطانيا فلسطين للأحكام العرفية، بالبناء على تكتيكات مكافحة التمرد التي كانت قد صقلتها في مستعمرات أخرى مثل أيرلندا والهند. وكما‏‏ يوضح‏‏ المؤرخ ماثيو هيوز Matthew Hughes، فإنه ردًا على انتفاضة العام 1936، جددت السلطات البريطانية القوانين المحلية التي كانت قد سُنت خلال عشرينيات القرن العشرين، مشيرة إليها باسم "قوانين الطوارئ"، لفرض عقاب جماعي على الفلسطينيين.‏


‏وسمح ذلك لحكومة الانتداب بفرض جولات من حظر التجول، ورقابة مشددة على المواد المكتوبة، واحتلال المباني، فضلا عن اعتقال الأفراد وسجنهم وترحيلهم من دون محاكمة، مع تعليق الحق في الاستعانة بمحام، وهي سياسات ما تزال إسرائيل تستخدمها ضد الفلسطينيين حتى اليوم.‏


في تجاهل للتمييز بين الثوار المسلحين والمدنيين، فرضت بريطانيا إجراءات العقاب الجماعي على جميع السكان العرب. ويصف ديفيد كرونين David Cronin، ما عثر عليه بينما ينقب في ‏‏ الملفات التي رُفعت عنها السرية، كيف أن "النخبة البريطانية قررت في وقت مبكر أنه يجب استهداف الفلسطينيين بشكل جماعي". ‏


‏وبحلول العام 1937، كانت فلسطين قد أصبحت تحت الحكم العسكري الفعلي. ووضعت بريطانيا خلال فترة الانتداب نظاما قانونيا يهدف إلى منع التنظيم السياسي الفلسطيني، بينما تمنح لنفسها سلطات واسعة.


‏المعسكرات والسجون‏

 


‏قام الحكم العسكري البريطاني بتحويل أجزاء كبيرة من البلد إلى سجون. وجعل القانون العسكري من الممكن إصدار أحكام سريعة، مما عني شن حملة اعتقالات واسعة النطاق للفلاحين الريفيين والعمال في المناطق الحضرية على حد سواء. ‏وتم احتجاز المعتقلين، من دون محاكمة في كثير من الأحيان، في معسكرات مكتظة للغاية، تفتقر إلى المرافق الصحية. وفي أيار (مايو) 1939، ردًا على سؤال برلماني، أكد وزير المستعمرات البريطاني، مالكولم ماكدونالد Malcolm MacDonald، أن هناك 13 معسكر اعتقال في فلسطين تضم 4.816 معتقلًا.‏


وشمل ذلك العديد من معسكرات الاعتقال (كما أشارت إليها بريطانيا نفسها) مثل معتقل صرفند العمار، الواقع في أكبر قاعدة عسكرية في فلسطين، والذي ضم آلاف السجناء.‏ ‏وشملت المعسكرات الأخرى معتقل نور شمس، بالقرب من طولكرم، ومعسكر عكا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، الذي كان يستضيف أيضا أكبر سجن في فلسطين. ‏


في إحدى المراحل، كان الاكتظاظ سيئا لدرجة أنه أصبح من الضروري إطلاق سراح معتقلين قدامى كلما تم القبض على معتقلين جدد. وفي العام 1939 ارتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 9.000، أي 10 أضعاف الرقم الذي كانه قبل عامين. ‏


‏ووفقا لمنظمة حقوق السجناء الفلسطينيين، "الضمير"، فإن ستة على الأقل من السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية الرئيسية العاملة اليوم بنيت خلال فترة الانتداب. وتشمل هذه السجون "كيشون" و"الدامون" و"الرملة" و"عسقلان" و"مجدّو" و"المسكوبية" (المجمّع الروسي) التي ما تزال إسرائيل تستخدمها لسجن الفلسطينيين. ‏


الاعتقال الإداري‏

 


في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، بعد "هدنة" إنسانية استمرت أربعة أيام بين إسرائيل و"حماس"، أفرجت الحكومة الإسرائيلية عن مئات السجناء الفلسطينيين. وسلط هذا الحدث الضوء للجمهور الغربي على حقيقة‏‏ أن ‏‏آلاف الفلسطينيين يُسجنون اليوم باستمرار في السجون الإسرائيلية.

 

‏وكان أكثر ما لفت الانتباه هو أن العديد منهم، بمن فيهم الأطفال، محتجزون بموجب سياسة‏‏ "الاعتقال الإداري"‏‏، وهي عملية غير قانونية تسمح لإسرائيل باحتجاز المعتقلين من دون تهمة أو محاكمة.‏


‏ومع ذلك، يبدو أن إسرائيل ورثت هذه الممارسة من البريطانيين الذين احتجزوا بانتظام آلاف الفلسطينيين من دون محاكمة. وبعد تأسيسها في العام 1948، مارست إسرائيل الاعتقال من دون محاكمة كعنصر أساسي من ثوابت نظام حكمها العسكري.‏


بعد نهاية الثورة الفلسطينية في العام 1939، عززت بريطانيا سلطات إدارة الانتداب، وأدخلت في العام 1945 "‏‏لوائح الدفاع" (الطوارئ‏‏). ومن المفارقات أن هذا الإجراء كان ردًا على العنف الذي مارسته الجماعات شبه العسكرية الصهيونية في ذلك الوقت. ‏


‏في ما بعد، أدرجت إسرائيل هذه اللوائح ومعظم قوانين الانتداب البريطاني الأخرى في قانون "القانون والإدارة الإسرائيليين" للعام 1948، واستخدمتها ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل بين العامين 1948-1966، ثم وسعت نطاقها لتشمل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة في العام 1967.‏


وسوف يتم استخدام هذه القوانين بشكل متكرر في الرد على الانتفاضات الشعبية الفلسطينية بعد ذلك -هذه المرة ضد الحكم الإسرائيلي. ‏‏ويصف‏‏ تقرير‏‏ صدر عن منظمة حقوق الإنسان الفلسطينية "الحق" في العام 1989 كيف أصدر القادة الإسرائيليون إعلانًا في العام 1967 يؤكد أن أنظمة الدفاع (الطوارئ) ستظل سارية. ‏‏وعلى الرغم من أن بريطانيا كانت قد أنهت استخدام هذه الأنظمة في نهاية انتدابها، احتفظ القادة الإسرائيليين بها واستمروا في استخدامها ضد الفلسطينيين. ‏


في العام 2019، سلطت منظمة "هيومن رايتس ووتش‏"‏ الضوء على‏‏ ثماني حالات استخدمت فيها السلطات الإسرائيلية الأوامر العسكرية "لمحاكمة فلسطينيين في محاكم عسكرية بسبب تعبيرهم السلمي، أو مشاركتهم في جماعات أو مظاهرات غير عنيفة"، مستخدمة، من بين تدابير أخرى، أنظمة الدفاع (الطوارئ) للعام 1945 الموروثة من بريطانيا.‏


‏سياج تشارلز تيغارت ‏

 


‏لمكافحة ثورة الثلاثينيات في فلسطين، أرسلت بريطانيا السير تشارلز تيغارت Charles Tegart، الذي كان قد ترأس سابقًا قوة الشرطة في الهند الاستعمارية، إلى فلسطين حيث أنشأ الكثير من البنية التحتية المستخدمة لاعتقال المشتبه بهم. وبنى تيغارت ما يسمى بـ"مراكز التحقيق العربية" التي كانت تستخدم كغرف للتعذيب.‏

 

كما أنشأ مركزا خاصا في القدس لتدريب المحققين على التعذيب، تم فيه إخضاع المعتقلين المشتبه بهم لاستجواب وحشي، بما في ذلك الإذلال، والضرب، وسوء المعاملة الجسدية. ‏


وروى المسؤول الاستعماري إدوارد كيث روتش Edward Keith-Roach في‏‏ مذكراته‏‏ أن الغرض من هذه المراكز كان تدريب ضباط الشرطة "على فن ’الدرجة الثالثة‘(1) اللطيف لاستخدامه على العرب حتى "يتحدثوا ويعترفوا بما لديهم".‏


‏ويصف‏‏ المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف Tom Segev كيف أن تيغارت "بنى العشرات من "حصون الشرطة" في جميع أنحاء البلاد وأقام مراكز حراسة خرسانية، أطلق عليها البريطانيون اسم ’عُلب الحبوب‘ pillboxes، على طول الطرق".‏ (2)


‏كانت توصية تيغارت الأكثر شهرة هي إنشاء سياج ضخم على طول الحدود الشمالية لفلسطين، والذي أصبح يعرف لاحقًا باسم "سياج تيغارت" Tegart’s fence. ‏ولبنائه، جند مساعدة "الوكالة اليهودية"، المنظمة الرئيسية التي تشجع الاستيطان اليهودي في فلسطين. وتم منح عقد بنائه لشركة البناء "سوليل بونيه" Solel Boneh‏‏ التي كانت مشروعًا‏‏ للهستدروت‏‏‏،‏‏ النقابة الصهيونية الرائدة في فلسطين والنقابة العمالية الوطنية الإسرائيلية اليوم.‏


وقامت شركة "سوليل بونيه" أيضًا ببناء المباني الجديدة للشرطة، المعروفة شعبيًا باسم "‏‏حصون تيغارت‏‏". و‏‏يصف‏‏ ملف تعريفي أعدته محطة "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي. بي. سي) في العام 2012 عن "تيغارت" كم من هذه المراكز "الحصون" ما تزال تستخدم حتى اليوم. ‏

 

ولأنها تقع بشكل رئيسي في شمال البلاد، فإنها توجد الآن بالقرب من الحدود الإسرائيلية مع لبنان -ولكن بدلاً من القوات البريطانية، أصبح يشغَلها اليوم الجنود الإسرائيليون.‏


‏التكتيكات العسكرية‏

 


استخدمت بريطانيا كلاً من القوات البرية والقوة الجوية من خلال عمل سلاح الجو الملكي ضد الثوار الفلسطينيين خلال السنوات 1936-39. وفي أعقاب إنهاء اتفاقية ميونيخ التي أبرمتها بريطانيا مع ألمانيا النازية في العام 1938، أرسلت بريطانيا أكثر من 100.000 جندي إلى فلسطين، وأغرقت البلد بالجنود.‏


‏في 7 أيار (مايو) 1936، سعى المندوب السامي لفلسطين، آرثر ووتشوب Arthur Wauchope، إلى ما سُمي "موافقة تغطية عامة" من مكتب المستعمرات لفرض عقاب جماعي على المدن والبلدات التي وقعت فيها أعمال عصيان. ‏‏

 

وحصل على الفور على الضوء الأخضر واختار الناصرة وصفد وبيسان لمعاقبتها.‏ وفي حزيران (يونيو) 1936، دمرت القوات البريطانية أجزاء كبيرة من مدينة يافا القديمة. وفجر الجيش ما بين 220 و240 مبنى متعدد الإشغالات، مما أدى إلى تشريد ما يصل إلى 6.000 فلسطيني.


‏في حين أن مستوى الدمار الذي حدث في ذلك الحين يبدو ضئيلاً مقارنة بما أحدثه القصف الإسرائيلي المكثف في غزة اليوم، فإن استخدام القوة غير المتناسبة والعقاب الجماعي خلال عملية عسكرية يشعر بها المدنيون بشكل رئيسي ليس جديدًا على فلسطين.‏


‏بعد سحق الإضراب العام الذي أعلنته "اللجنة العربية العليا" المشكَّلة حديثًا في ذلك الوقت، مع سجن أو نفي العديد من الشخصيات الرئيسية المعنية، شهدت المرحلة الثانية من الثورة في العام 1937 انتفاضة مسلحة كبيرة غطت معظم أنحاء البلاد، وبلغت ذروتها في العام 1938. ‏ولمكافحة تلك الانتفاضة، سوف تنقل القوات البريطانية قمعها إلى مناطق ريف فلسطين حيث عملت معظم الجماعات المسلحة.‏


‏الغارات على القرى‏

 


‏لمطاردة المشاركين في الانتفاضة والقضاء عليهم، قام البريطانيون بانتظام بتطويق قرى بأكملها، يلي ذلك شن غارات مميتة عليها. وكانت القوات البريطانية تنهب المنازل، وغالبًا ما تدمر الممتلكات، بحثًا عن الثوار المقاتلين أو الأسلحة.


كان الرجال الفلسطينيون يُقتلون إذا عثر معهم على أسلحة أو حتى على رصاص بلا سلاح. وقد قتل العديد منهم من دون أي دليل على تورطهم في أي أنشطة عسكرية. ‏و‏خلال المداهمات، غالبًا ما كان الجنود البريطانيون يجمعون السكان ويحبسونهم في حظائر تُنشأ في الهواء الطلق محاطة بأسلاك شائكة.

 

وسوف يتم تغريم القرى بشكل جماعي بسبب الهجمات ضد الجنود البريطانيين إذا كان يُعتقد أن المهاجم ينحدر من القرية المعنية أو يتواجد بالقرب منها. ‏وبالإضافة إلى ذلك، قامت القوات البريطانية بهدم منازل المهاجمين المشتبه بهم وأقاربهم، وهي سياسة تستخدمها إسرائيل اليوم ضد المقاتلين الفلسطينيين المدانين أو المشتبه بهم.‏


‏من بين تلك القرى، ثمة قريتان تعرضتا لمثل هذه الانتهاكات، هما البصة وحلحول، اللتان أصبحتا موضوع ‏‏تقرير أعدته "هيئة الإذاعة البريطانية" في‏‏ العام 2022، بعد التماس من الناجين يطالبون فيه باعتراف رسمي واعتذار من الحكومة البريطانية.

‏وخلص هذا التقرير إلى أن "الأدلة التاريخية المعنية تشمل تفاصيل عمليات القتل التعسفي، والتعذيب، واستخدام الدروع البشرية، واستخدام هدم المنازل كعقاب جماعي".‏


‏وأضاف التقرير: "تم تنفيذ الكثير من هذه الأعمال ضمن المبادئ التوجيهية الرسمية لسياسة القوات البريطانية في ذلك الوقت، أو بموافقة كبار الضباط". ‏


‏كانت الغارات العسكرية الإسرائيلية –وما تزال- على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية تشكل جزءًا من الحياة اليومية للفلسطينيين، وقد‏‏ تصاعدت وتيرة هذه الغارات بقوة‏‏ منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.‏


الدروع البشرية‏

 


‏ثمة تكتيك آخر استخدمته بريطانيا، هو إجبار المدنيين الفلسطينيين على مرافقة قواتها في الدوريات. وكان هؤلاء الأشخاص يُجبَرون على الجلوس، من دون حماية، في مقدمة القوافل العسكرية أثناء القيادة عبر المناطق ذات النشاط المرتفع للثوار -بل وحتى الركوب في عربات تسير فوق الألغام لتفجيرها قبل أن تتقدم القوات البريطانية. ‏


جاء هذا التكتيك من الحكم البريطاني في الهند وكان يعرف باسم "كاسحة الألغام". وقد قُتل بهذه الطريقة العديد من الفلسطينيين أو أصيبوا بجروح خطيرة. ‏وقد استخدمت بريطانيا المدنيين الفلسطينيين بشكل فعال كدروع بشرية، وهي ممارسة تم تصويرها مرارًا وتكرارًا في الضفة الغربية وغزة لسنوات.‏


‏في كانون الأول (ديسمبر) 2023، ‏‏ادعى‏‏ فلسطينيان، صبي يبلغ من العمر 15 عاما ورجل يبلغ من العمر 30 عاما في غزة، أن الجنود الإسرائيليين استخدموهما  كدروع بشرية، وقال الصبي أنهم حزموه بالقنابل قبل إجباره على دخول أحد الأنفاق. وفي الهجوم الإسرائيلي على غزة في العام 2014، وردت ‏‏مزاعم‏‏ مماثلة. 


وفي الضفة الغربية، ثمة العديد من أشرطة الفيديو التي تظهر جنودًا إسرائيليين يأخذون مدنيين فلسطينيين ويجبرونهم على الجلوس أو الوقوف معصوبي الأعين أمام المركبات الإسرائيلية أثناء القيام بعملياتهم. ‏‏وفي بعض الحالات، وضعوا مدنيين على -وفي- مقدمة تلك المركبات لردع الفلسطينيين الآخرين عن إلقاء الحجارة على القوات الإسرائيلية الغازية، تمامًا كما فعلت بريطانيا خلال الثورة الفلسطينية.‏


من المهم بشكل خاص فهم هذا السياق التاريخي الآن، حيث اتهمت إسرائيل لسنوات الجماعات الفلسطينية، مثل "حماس"، باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

 

وعلى الرغم من عدم وجود الكثير من الأدلة‏‏ التي تدعم هذا الادعاء (وأن الأدلة المتاحة تُظهر في الواقع أن القوات الإسرائيلية هي التي تفعل ذلك هي نفسها)، فإن السياق التاريخي الرئيسي هو أن القوات البريطانية استخدمته أيضًا ضد المدنيين الفلسطينيين خلال "الثورة الكبرى".


أوردي وينغيت والفرق الخاصة الليلية

 


‏جاءت الحالة الأكثر وضوحًا للتعاون البريطاني - الصهيوني في قمع الثورة الفلسطينية مع دخول الجنرال البريطاني أوردي تشارلز وينغيت (1) إلى فلسطين وإنشائه "الفرق الليلية الخاصة" (SNS). ‏


‏قام الجيش البريطاني بتكليف وينغيت، ضابط المخابرات والصهيوني المسيحي الملتزم، بتدريب المقاتلين اليهود على القيام بدوريات وتنفيذ عمليات ضد خط أنابيب شركة نفط العراق.‏ وإلى جانب "الفرق الليلية الخاصة"، أنشأ وينغيت ميليشيا خاصة به من المجندين داخل‏‏ "الهاغاناه"‏‏، المنظمة العسكرية الصهيونية، وقام بتدريبهم على تكتيكات الكمائن والاغتيالات. ‏


وقيل أن وينغيت، الذي يصف نفسه بأنه مؤمن إيمانا راسخا بالصهيونية، قال لرجاله أن "العرب يعتقدون أن الليل لهم، حيث البريطانيون يحبسون أنفسهم في ثكناتهم ليلاً. لكننا نحن اليهود سنعلمهم أن يخافوا من الليل أكثر من النهار".‏


بالعمل جنبًا إلى جنب مع إسحق ساده Yitzhak Sadeh، قائد "البلماخ"، القوة الضاربة الرئيسية للهاغاناه، والمؤسس المستقبلي لـ"قوات الدفاع الإسرائيلية"، قاد وينغيت "الفرق الليلية الخاصة" في غارات ليلية على القرى الفلسطينية. ‏


بعد شن هجمات ضد خط الأنابيب، غزت فرقه الليلية القرى المجاورة عند الفجر، واعتقلت جميع السكان الذكور، وأجبرتهم على الوقوف مقابل حائط، وقامت بجلد ظهور الرجال العارية. ‏‏وفي بعض الأحيان، كان وينغيت يهين القرويين، وفي أحيان أخرى أطلق النار عليهم وأرداهم قتلى. ووفقا لسيغيف، كان الرجال تحت قيادته يقولون من وراء ظهره إنهم يعتقدون بأنه مجنون.‏


جادل المؤرخ العسكري الإسرائيلي ‏‏زئيف شيف‏‏ Ze’ev Schiff بأن وينغيت "ترك بصمته باعتباره التأثير الوحيد الأكثر أهمية على التفكير العسكري للهاغاناه".

 

‏وجاء في معجم أصدرته وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد سنوات عديدة من وفاته: ‏‏"كان تعليم أوردي تشارلز وينغيت وشخصيته وقيادته حجر الزاوية للعديد من قادة الهاغاناه، ويمكن رؤية تأثيره في العقيدة القتالية لجيش الدفاع الإسرائيلي".‏


وكان اثنان من قادة إسرائيل المستقبليين البارزين قد خدما تحت قيادة وينغيت في جهاز الأمن القومي: موشيه ديان، الذي أصبح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ وإيغال آلون، جنرال الجيش الإسرائيلي ووزير الخارجية في المستقبل. ‏


‏وقال دايان ‏‏أن‏‏ وينغيت "علَّمنا كل ما نعرفه"، وأنه "حتى عندما لم يحدث شيء، كنا نتعلم الكثير من تعليمات وينغيت". ‏

 

ووصف‏‏ ألون كيف أنه "من خلال إلحاق المقاتلين اليهود بوحداته، ساعد (وينغيت) أيضًا في توفير مرافق للتدريب العملي... لقد اعتبر نفسه، عمليًا، عضوًا في الهاغاناه، وهكذا رأيناه جميعًا –كرفيق، وكما كنا نسميه، ’الصديق‘".‏


‏اللواء برنارد مونتغمري‏

 


‏بعد وينغيت، كانت الشخصية العسكرية البريطانية الأكثر شهرة في فلسطين خلال الثورة هي برنارد مونتغمري Bernard Montgomery. وكان "مونتي"، كما كان معروفًا، جنديًا حاد المزاد عتيق الطراز، رفض أي اقتراح بأن الثورة الفلسطينية هي انتفاضة وطنية، وبدلاً من ذلك وصف الثوار بأنهم "قطاع طرق". ‏


‏وكان مونتغمري هو الذي أدخل المدفع الرشاش "برين" Bren إلى فلسطين، ليحل محل المدفع الرشاش القديم، "لويس" Lewis الذي كان البريطانيون يستخدمونه، وأعطى رجاله تعليمات بسيطة حول كيفية التعامل مع الثوار: اقتلوهم. 
بعد أن خدم سابقًا في أيرلندا، وشن عمليات ضد الثوار الأيرلنديين في العام 1921، كثيرًا ما عقد مونتغمري مقارنات بين المستعمرتين.‏


‏كان مونتغمري مسكونا بهاجس كيفية فقدان بريطانيا السيطرة على معظم أيرلندا. وكان يعتقد أن الكثير من التنازلات قد قُدمت لـ"الشين فين". ولذلك، كانت استنتاجاته بشأن فلسطين هي أن بريطانيا يجب أن تقمع أي تعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية. ولذلك، أمر بحبس أي عربي يتم القبض عليه وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية. كما قدّم فكرة تقييد أرجل الناس كعقاب.‏


‏منذ بدء الاحتلال العسكري الإسرائيلي في العام 1967، شنت السلطات هناك حملات متكررة ضد الرموز الوطنية الفلسطينية. و‏‏تم استهداف‏‏ العلم الفلسطيني في جميع أنحاء الضفة الغربية والقدس وداخل إسرائيل نفسها، حيث تتم إزالته بانتظام وإبعاده من المشهد العام ومصادرته.‏

 

وعلى نحو يشبه كثيرًا سلوك البريطانيين خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، ترى السلطات الإسرائيلية في الهوية الوطنية الفلسطينية‏‏ تهديدًا،‏‏ وتعمل جاهدة من أجل القضاء عليها.‏


‏*أ. بوستوسA. Bustos: باحث يحمل درجة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى والأوسط من جامعة SOAS في لندن. قبل ذلك درس التاريخ والسياسة. يشغل وظيفة المدير المساعد في  المنصة الإعلامية الفلسطينية "بالستاين ديب دايف".‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان:

Israel’s Brutality Draws on British Rule

 

 اقرأ المزيد في ترجمات

  مجتمع عسكريتاري: تشوهات التاريخ والواقع في أسس الهوية الإسرائيلية (2 - 3)

 


هوامش المترجم:


(1) "فن الدرجة الثالثة: استجواب شخص ومحاصرته بالكثير من الأسئلة بطريقة عدوانية من أجل استخلاص المعلومات منه.
(2) ‏‏"علبة الحبوب‏"‏ pillbox: نوع من ‏‏الحصن‏‏، أو مركز حراسة خرساني محفور غالبًا ما يكون مموهًا، مجهز عادة ‏‏ بثقوب‏‏ يمكن للمدافعين من خلالها إطلاق النار. وهو في الواقع خندق لإطلاق النار، مقوى للحماية من الأسلحة الصغيرة والقنابل اليدوية، مرتفع لتحسين مجال النار. ‏أصل المصطلح متنازع عليه. وقد افترض على نطاق واسع أنه إشارة ساخرة إلى التشابه الملحوظ بين هذه التحصينات والصناديق ‏‏الأسطوانية‏‏ ‏‏والسداسية‏‏ التي كانت تباع فيها الأقراص الطبية ذات يوم.

 

وأيضا، كانت "علب الحبوب" الخرسانية الألمانية الأولى التي اكتشفها الحلفاء في بلجيكا صغيرة جدًا وخفيفة الوزن بحيث تتم إمالتها بسهولة أو قلبها رأسًا على عقب بسبب الانفجار القريب للقذائف المتوسطة (240 ملم).‏‏

 

ومع ذلك، يبدو من المرجح أن المصطلح يلمح في الأصل إلى ‏‏صناديق البريد الدائرية الشبيهة بالأعمدة‏‏، مع المقارنة بين الثغرة الموجودة في "علبة الحبوب" وفتحة إيداع الرسائل في صندوق البريد الاسطواني العمودي. 

(3) ‏‏‏اللواء‏‏ ‏‏أورد تشارلز وينغيت‏‏ (26 شباط/ فبراير 1903 - 24 آذار/ مارس 1944): كان ضابطًا كبيرًا في ‏‏الجيش البريطاني‏‏. وكان داعية للتفكير العسكري غير التقليدي وقيمة التكتيكات المفاجئة.

 

تم تعيينه في ‏‏فلسطين الانتدابية‏‏، وأصبح مؤيدا ‏‏للصهيونية‏‏ وأنشأ وحدة بريطانية يهودية مشتركة لمكافحة التمرد. تحت رعاية قائد المنطقة ‏‏أرشيبالد ويفيل‏‏، تم منح وينجيت حرية متزايدة لوضع أفكاره موضع التنفيذ خلال الحرب العالمية الثانية. ‏قتل وينغيت في حادث طائرة في آذار (مارس) 1944.