أعنف عملية قضم لأراضي الضفة الغربية منذ 50 عاما

1701208980027055100
طفل فلسطيني، 6 أعوام، لم يتوقف عن البكاء منذ أرغمت عائلته على إخلاء منزلها بقوة السلاح - (بيل ترو)

بيل ترو* - (إندبندنت عربية) 2023/11/12

تزور مراسلة صحيفة "الإندبندنت"، بيل ترو، قرى في المناطق الفلسطينية المحتلة، وتستمع إلى قصص مروعة عن عنف المستوطنين، وتتحدث إليها العائلات الفلسطينية عن قيام المستوطنين بإخراجها من منازلها بالقوة، في أكبر عملية استيلاء على الأراضي منذ العام 1967.  
*   *   *
قطع الرجل الذي يرتدي بزة عسكرية إسرائيلية ثياب محمد بسكين، وتبول عليه قبل أن ينهال عليه بالضرب المبرح ويحاول بعدها أن يغتصبه بعصا. ويتحدث الرجل بالتفصيل عن الاعتداء الذي تعرض له في منطقة "وادي السيق"، على بعد 20 ميلاً إلى شمال شرقي القدس تقريباً، في الضفة الغربية.

اضافة اعلان


أتى الناشط الفلسطيني في العمل الإنساني محمد مطر، 46 سنة، إلى هذا التجمع البدوي لمساعدة 30 عائلة فلسطينية تعيش هناك. أطلقت هذه العائلات مناشدة لمساعدتها مع ارتفاع وتيرة هجمات المستوطنين الإسرائيليين في كل أنحاء الضفة الغربية وازدياد خطورتها وعنفها في أعقاب هجوم "حماس" العنيف في جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر).


انتشرت تقارير تفيد بأن المستوطنين المسلحين عازمون على تنفيذ "يوم تطهير" رداً على هجوم "حماس" الذي كانت حصيلته 1.400 قتيل. وعند ذلك قررت عائلات مذعورة في "وادي السيق" في ذلك اليوم -12 تشرين الأول (أكتوبر)- كانت تعرضت في السابق إلى هجمات مسلحة مرعبة عدة، أن تخلي المكان. وبمساعدة محمد، بدأت في وضع أغراضها في السيارات، ولكن قبل أن تتمكن من مغادرة المكان، وصلت شاحنتان صغيرتان مليئتان بالمستوطنين المسلحين ورجال يرتدون ثياباً عسكرية.


يقول محمد إن الرجال -الذين يقدر أنهم مجموعة مختلطة من الشرطة والجنود والمستوطنين الإسرائيليين الذين يرتدون زياً عسكرياً- أجبروا الجمع على إفراغ أمتعتهم بقوة السلاح، ووجدوا بين أغراضهم سكاكين مطبخ. ويضيف محمد أنهم اتهموه بالتخطيط لطعن أحدهم.


ويقص محمد الأحداث على "الإندبندنت" وهو يعرض لنا صوراً التقطت بعد الهجوم مباشرة للإصابات التي لحقت به، كما الكدمات التي ما تزال تظهر في كل أنحاء جسده. ويقول: "اقتادوني مع رجلين آخرين إلى مكان بعيد وسط القرية كي لا يسمع أحد أصواتنا، ثم تناوبوا على ضربنا، الواحد تلو الآخر، لمدة ساعتين". عصبوا عينيه وربطوا يديه بأسلاك معدنية تركت آثاراً دائمة على معصميه.


ويقول إن أحد المعتدين عليه -وهو يعتقد أنه مستوطن إسرائيلي يرتدي بزة عسكرية- مزق ثيابه بسكين، ورشه بالمياه قبل أن يتبول عليه وينهال عليه بالضرب الوحشي بالعصي وببندقية.


ويقول محمد: "فقد الذي هاجمني صوابه -أخذ يقفز على ظهري بنية كسر عمودي الفقري، كما لو أنه يريد أن يتسبب لي بإعاقة. واستمر بالصراخ: على العرب جميعاً أن يموتوا. وكل من لا يموت يجب أن يذهب إلى الأردن".


وأضاف محمد أن الرجل حاول بعدها أن يغتصبه بعصا. وقال: "قاومت بشدة لكي أزيحه عن ظهري وأمنعه من التعدي عليَّ بهذا الشكل. انكسرت العصا إلى ثلاث قطع بسبب ضربه لي".


في النهاية، وبعد اتصالات عدة بالجيش الإسرائيلي، تدخل قائد. أطلق سراح محمد الذي ما يزال مصاباً بعد أسابيع على ذلك.


لكن العائلات الثلاثين، التي تضم 180 فرداً من بينهم 25 طفلاً، أُرغمت على الهرب من منازلها مع أنها تسكن في "وادي السيق" منذ أكثر من ثلاثة عقود.


ويقول علي عرارة، 35 سنة وأب لخمسة أطفال، من داخل خيمة نصبت في بستان زيتون حيث يخيم مع العائلات الأخرى التي تم تهجيرها: "لقد رفعوا علينا السلاح وقالوا إن علينا الرحيل.


أردت أن آخذ معي دواء لابنتي ذات السنوات الثلاث التي تعاني نقصاً في المناعة من الثلاجة، لكنهم لم يسمحوا لي حتى بذلك. دمروا الثلاجة والأدوية أمام عيني".


يعيش الأطفال في خوف الآن، ولا يتوقفون عن البكاء. ويجلس وراء علي أحد أبنائه وهو يبلغ من العمر ست سنوات، وينتحب. ويضيف علي: "كانت أكبر بناتي سناً، وهي في عامها الرابع، خائفة جداً. وكلما رأت سيارة أو شاحنة صغيرة الآن، تصرخ ’إنهم قادمون‘".


وليست قصة "وادي السيق" رواية منعزلة. فالضفة الغربية المحتلة "تغلي" بسرعة وفقاً للأمم المتحدة التي دق كبار مسؤوليها ناقوس الخطر مرات عدة. وهم يخشون أخطار تداعيات ما يحصل في غزة الذي قد يفتح جبهة جديدة في هذه الحرب المريعة أساساً.


يعيش نحو 450 ألف مستوطن يهودي في الوقت الحالي في الضفة الغربية المحتلة التي تضم نحو 3 ملايين فلسطيني. تقوم هذه المستوطنات -التي تتشكل من مقطورات مركونة على أعالي التلال، وبلدات مترامية الأطراف- على أراض استولت عليها إسرائيل في حرب العام 1967 وهي تتوسع بشكل مستمر. يعد القانون الدولي هذه المستوطنات غير شرعية وغالباً ما تذكر باعتبارها العائق الرئيس أمام السلام وحل الدولتين الذي يشمل فلسطين.


وتقول المجموعات الحقوقية الدولية والمحلية، إن "عنف المستوطنين برعاية الدولة" في ازدياد منذ فترة بعيدة، ويستخدم، إضافة إلى القيود على البناء والتضييق حد الخنق على إمكانية الوصول إلى المرافق العامة، من أجل إرغام الفلسطينيين على الخروج من أراضيهم بالقوة. تتركز معظم هذه الأعمال في المنطقة جيم (حيث يقع وادي السيق)، التي تشكل ثلثي الضفة الغربية. وهي تقع تحت الحكم المدني الإسرائيلي بموجب اتفاق أوسلو الثاني في العام 1995.


لكن هذه الاعتداءات والاستيلاء على الأراضي تسارعت وتيرتها منذ المجزرة الوحشية التي ارتكبتها "حماس" وردت عليها إسرائيل بقصف لا يرحم على غزة.


بحسب الأمم المتحدة، منذ السابع من أكتوبر، تضاعفت أعداد هجمات المستوطنين على فلسطينيي الضفة الغربية سبع مرات بالمقارنة مع تلك المسجلة منذ سنتين. ويقول مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أوتشا (OCHA): "في نصف الحالات تقريباً، كانت القوات الإسرائيلية إما ترافق هذه الهجمات أو تدعمها فعلياً".


قبل ذلك حتى، كان العام الحالي على وشك أن يصبح الأكثر دموية بالنسبة إلى الفلسطينيين منذ 20 سنة. وأصبحت هذه هي الحقيقة الآن، أكثر من أي وقت مضى. وفقاً لأوتشا، قتلت القوات الإسرائيلية والمستوطنين خلال الشهر الماضي، 158 فلسطينياً من بينهم 45 طفلاً. وفي المقابل، قتل ثلاثة إسرائيليين في هجمات شنها فلسطينيون. خلال الساعات الـ24 الأخيرة فقط، قتلت القوات الإسرائيلية 15 شخصاً في مدينة جنين ومخيم اللاجئين الموجود فيها.


وفي هذا الجو من العنف، تقول الأمم المتحدة إن 1000 فلسطيني تقريباً -مثل سكان "وادي السيق"- قد شردوا من أراضيهم خلال الشهر الماضي وحده (شرد 162 شخصاً آخرين نصفهم من الأطفال، لأن إسرائيل هدمت بيوتهم).


ترى مجموعات حقوق الإنسان في إسرائيل، أن عملية الاستيلاء على الأراضي هذه هي الكبرى منذ وضعت إسرائيل يدها على الضفة الغربية في العام 1967، مرجحة أن ترقى إلى التهجير القسري، وهو جريمة حرب.


ويقول روي يلين من المجموعة الحقوقية الإسرائيلية "بتسليم" التي وثقت التهجير القسري لـ15 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر "تستغل هذه الحكومة التركيز الحالي على غزة لكي تعزز أجندتها من حيث الاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين".


ويضيف "ويعد عنف المستوطنين المدعوم من الدولة إحدى أدوات التهجير القسري هذا. والتهديدات حقيقية: يأتي أشخاص مسلحون ليقولوا لهم إنه أمامهم 24 ساعة للرحيل. رحل سكان وادي السيق تاركين أشياءهم وراءهم".


سألت "الإندبندنت" الجيش عن هذه الأحداث وأخرى كثيرة غيرها وثقتها عدسات الكاميرات، كما تحدثت الصحيفة مع رجل ظهر في فيديو صور فيه ثمانية رجال فلسطينيين وقد عصبت أعينهم وأوثقت أيديهم وأرجلهم وطُرحوا أرضاً وقد جُردوا من بعض ملابسهم في يطا، على بعد نحو 35 ميلاً (55 كلم) إلى الجنوب من "وادي السيق". وقد أكد الرجل وقوع هذه الحادثة، لكنه قال إنه مستاء جداً ولذلك يتعذر عليه الحديث عنها.


ظهر الأسبوع الماضي فيديو مزعج ثان قيل إنه صُور في يطا أيضًا، وفيه رجال عدة يرتدون البزة الإسرائيلية ويجرون مجموعة من العمال الفلسطينيين العراة فوق بعضهم بعضاً. أحد الرجال الذين يرتدون الزي الرسمي يركل وجه فلسطيني. لم تتمكن "الإندبندنت" من التأكد من صحة الفيديو.


وقال الجيش الإسرائيلي "إن سلوك القوات الظاهر في التصوير مؤسف ولا يتوافق مع توجيهات الجيش. ويجري التحقق من ملابسات الحادثة".


وأضاف الجيش أن سلوك العناصر الذين يظهرون في فيديوهات أخرى "لا يتماشى مع أوامر جيش الدفاع الإسرائيلي". لكنه لم يعلق على تصرفات الأفراد الذين ارتدوا ثياباً عسكرية وهاجموا وادي السيق يوم 12 تشرين الأول (أكتوبر)، أو التجمعات الأخرى التي تحدث أفرادها إلى "الإندبندنت".


لكن القوات المسلحة أضافت أن الهيئة الرئيسة المعنية بالتعاطي مع مزاعم انتهاك القانون من قبل الإسرائيليين هي الشرطة الإسرائيلية وأنه على الفلسطينيين أن يقدموا شكوى عبرها.


وأضاف الجيش "عندما يواجه جنود جيش الدفاع الإسرائيلي أحداث انتهاك للقانون على يد إسرائيليين، ولا سيما أحداث العنف أو الأحداث الموجهة ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، يفرض عليهم وقف هذا الانتهاك والمماطلة أو احتجاز المشتبه فيهم إن توجب الأمر حتى وصول الشرطة إلى المكان".


لكن مستويات العنف أقلقت أقرب حلفاء إسرائيل. حث الرئيس الأميركي جو بايدن، من دون نجاح، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يكبح جماح عنف المستوطنين. ومن جهته، صرح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن هذا الأسبوع أن واشنطن "أوضحت (مرات عديدة) مخاوفنا من عنف المتطرفين في الضفة الغربية".


وقال أخيراً: "سمعنا التزامات من الحكومة الإسرائيلية باتجاه التعامل مع هذا الوضع بفعالية أكبر ونحن نراقب عن كثب حرصاً على حدوث ذلك".


وفي رسالة موجهة إلى وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي، أعرب وزير الخارجية عن حزب العمال في حكومة الظل، ديفيد لامي عن قلقه من "الزيادة الكبيرة في العنف وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية".


وقال إنه منذ هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر "حصلت زيادة في أحداث عنف المستوطنين والتهديدات والترهيب المسجلة في حق التجمعات الفلسطينية -حيث تخرب المنازل وتقطع إمدادات المياه وتسرق رؤوس الماشية ويهدد المدنيون بالسلاح". وأضاف "باعتبار إسرائيل القوة المحتلة، لديها التزامات بموجب القانون الدولي عليها احترامها".


تقول الجماعات الحقوقية إن أكبر المخاوف اليوم مردها إلى أن المستوطنين يشعرون بأنهم اكتسبوا قوة جديدة، وبأن أيديهم أصبحت طليقة بسبب زيادة كراهية الفلسطينيين منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر). يحدث ذلك فيما تحاول الحكومة الإسرائيلية إلحاق المستوطنين بالجيش وتشكيل فرق مدنية للاستجابة السريعة في الضفة الغربية المحتلة بعد هجوم "حماس".


ووصل الأمر بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير -السياسي اليميني المتطرف الموالي للمستوطنين- إلى الإعلان عن شراء وزارته آلاف البنادق من أجل تسليح هذه الميليشيات الجديدة.


أفادت "هآرتس"، الصحيفة اليومية ذات الميول اليسارية، عن نية الجيش تجنيد المستوطنين بين 27 و50 سنة، ممن لم يقوموا بخدمتهم العسكرية بعد.


وكتبت الصحيفة "يتوقع أن يجري المجندون تدريباً أساسياً سريعاً لمدة ثلاثة أسابيع، يسلحون على إثره وينشرون في المستوطنات"، مضيفة أنه منذ اندلاع الحرب في غزة، وزع جيش الدفاع الإسرائيلي نحو 8 آلاف قطعة سلاح على كتائب الدفاع البرية في الضفة الغربية.


دفعت هذه المخاوف من التسليح الجماعي للمستوطنين بالولايات المتحدة إلى التحرك. الثلاثاء، قال الناطق باسم وزارة الخارجية فيدانت باتيل إن واشنطن طلبت ضمانات من إسرائيل بأن الشحنة الجديدة من البنادق الأميركية، بما فيها "أم 16"، ستذهب إلى الأجهزة الحكومية فحسب وليس إلى فرق التدخل السريع المدنية. 


وقال باتيل: "أخبرتنا الحكومة الإسرائيلية بأنها ستقطع تعهداً للتعامل مع عنف المتطرفين بشكل أكثر فاعلية".


لكن الأمر مخيف جداً بالنسبة للفلسطينيين. ومنهم رانيا ظواهرة، 43 سنة والأم لـ10 أطفال، وواحدة من بين 85 قروياً وقروية أخرجوا بالقوة في الآونة الأخيرة من منازلهم في قرية "عين الرشراش" بالقرب من "وادي السيق". وتقول إن السكان واجهوا هجمات المستوطنين منذ فترة طويلة، لكن خوفهم "تضاعف 10 مرات بعد الحرب".


وتضيف أن مجتمعها تعرض للتهديد باستخدام الجرافات المدرعة ورجال مسلحين ببنادق 10 مرات قبل الهجوم الأخير الذي وقع منذ أسابيع قليلة. يتوزع القرويون الآن على نقاط متفرقة ولا يعرفون أين سيعيشون على المدى البعيد.


تقول رانيا "كانت هذه أرضنا طوال 33 عاماً وطردنا منها بقوة السلاح. إنه شعور جهنمي (مريع) أعجز عن وصفه. عشنا في حالة من الخوف كل يوم. إن ما يحاول المستوطنون فعله واضح جداً. وهم يحاولون أن يفعلوه منذ ما قبل الحرب، لكنهم أصبحوا يمارسون ضغطاً أقوى بـ10 مرات الآن".

*بيل ترو Bel Trew: مراسلة الشؤون الدولية في "الإندبندنت". 

 

اقرأ أيضاً: 

ارتفاع قتلى عملية راموت.. وحماس تتبنى