أقدم سؤال في السياسة

تصور لحرب أهلية أميركية، للفنان مات روتا - (أرشيفية)
تصور لحرب أهلية أميركية، للفنان مات روتا - (أرشيفية)
فريد زكريا* – (فورين بوليسي) 7/1/2022 ترجمة: علاء الدين أبو زينة منذ ما يقرب من 25 عامًا، بدأت ألاحظ اتجاهًا مزعجًا في الديمقراطيات الوليدة. كانت البلدان في الإمبراطورية السوفياتية السابقة وأماكن أخرى تجري انتخابات، وكان القادة يصلون إلى السلطة بدعم شعبي كبير -لكن هؤلاء القادة كانوا يتصرفون بعد ذلك بطرق تقوض الديمقراطية الليبرالية. كانوا يرهبون المعارضة والصحافة الحرة، ويتجاوزون المؤسسات والقوانين، ويحكمون بأمر أو مرسوم تنفيذي. وفي بعض الأحيان كانت هذه التحركات تمر من دون أن يلاحظها أحد، وغالبًا ما كانت تحظى بالشعبية. لوصف هذا المزيج -وجود نظام يحظى بالدعم والمشاركة الشعبية، والذي يعكف على التسبب بتآكل الهياكل الدستورية والقانونية للحوكمة الرشيدة- ابتكرتُ مصطلح “الديمقراطية غير الليبرالية”. وقد التقط هذا المصطلح المعضلة الحالية، ولكن أيضًا الحقيقة التاريخية المتمثلة في وجود عمليتين للتحديث السياسي. وتتضمن إحدى العمليتين المشاركة الشعبية في السياسة من خلال الانتخابات-الديمقراطية. ولكن، كان هناك تقليد آخر أعمق وأطول أمداً من الليبرالية، والذي بدأ مع الـ”ماغنا كارتا”** Magna Carta في العام 1215، وكان يهدف إلى تقييد السلطة التعسفية للدولة لخلق مساحة للحرية والاستقلالية الفردية. كانت بريطانيا هي الدولة الأكثر ليبرالية في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، عندما سُمح لأقل من 10 في المائة من سكانها فقط بالتصويت. ثم اندمج التقليدان مؤخرًا في العالم الغربي، وصنعا الديمقراطية الليبرالية. لكن الاثنين كانا مختلفين ومتمايزين تاريخياً لسنوات عديدة. في ذلك الوقت، كانت الديمقراطيات غير الليبرالية قد ترسخت في روسيا والفلبين وباكستان. وقد ساورني القلق بشكل خاص من إمكانية انتشار هذا الخطر إلى الغرب، ولو بطريقة أقل حدة. وفي كتابي “مستقبل الحرية: الديمقراطية غير الليبرالية في الداخل والخارج”، كرست فصول عدة للولايات المتحدة، ووصفت فيها الميول الشعبوية التي كانت تعيد تشكيل السياسة والثقافة والمجتمع الأميركيين -مثل تراجع الأحزاب السياسية وصعود رجال أعمال سياسيين غير مقيدين بتقاليد حزب وتاريخه. ولكن، لا بد لي من الاعتراف بأنني اعتبرت هذه الاتجاهات بطيئة وضحلة، يمكن أن تقوض قوة وحيوية البلد، لكنها لا تهدد طابعه الأساسي. ومع ذلك، من الواضح اليوم أن الولايات المتحدة تواجه تهديدًا خطيرًا لنظامها السياسي -تهديداً أكبر ببعض الطرق من أي تهديد آخر واجهته منذ الحرب الأهلية. بعبارات أبسط، لم تعد أجزاء كبيرة من الناخبين الأميركيين، ومعظمهم يتركزون في الحزب الجمهوري، يقبلون فكرة وجود معارضة مشروعة، وأقنعوا أنفسهم بأنه إذا فازت هذه المعارضة، فإن ذلك سيكون عن طريق التزوير، وبالتالي فإن الانتخابات باطلة وفارغة. ويتعارض هذا النوع من العقلية بشكل أساسي مع الديمقراطية الليبرالية ويشكل خطراً على بقائها. وهو يشير إلى أن المستقبل سيمتلئ بالانتخابات المتنازع عليها، والجهود المبذولة لقمع الأصوات، والمعارك التي تُخاض لقلب الانتخابات. وحتى لو فشل هؤلاء المشككون، كما حدث في العام 2020، فسيكون التأثير الدائم هو نزع الشرعية عن الرئيس المنتخب وشل النظام السياسي. كيف وصلنا إلى هنا بهذه السرعة؟ ثمة حاجة إلى الكثير من الدراسة التي تمس الحاجة إليها لصعود وتعمق الحزبية الأميركية، والتي أصبحت الآن انقساماً ثقافياً بقدر ما هي انقسام سياسي. لكنَّ ما أدهشني هو عدم ملاءمة إحدى الأفكار الجوهرية لهذا النهج للمؤسسة الأميركية. كان جيمس ماديسون، أهم مهندس للنظام السياسي في الولايات المتحدة، مفتونًا بشدة بمفكري عصر التنوير الذين نظروا إلى السياسة كعِلم. وقد تخيلوا نظامًا من الضوابط والتوازنات ينتج حكومة جيدة تقريبًا كآلة ذات عجلات وبكرات يمكن أن تنتج الحركة أو تنقل الطاقة. لم يتوقعوا أن يكون الناس حكماء أو فاضلين. وكتب ماديسون مقولته الشهيرة في “الأوراق الفيدرالية”: “لو كان الناس ملائكة، لما كانت هناك حاجة إلى حكومة”. لقد بنى ماديسون نظامًا، كما كان يعتقد، لا يتطلب الفضيلة حتى يعمل. وحث على أن “الطموح يجب أن يُصنع ليواجه الطموح”، ومن هذا التضارب في المصالح ستأتي الحرية والديمقراطية المنظمتان. وقد أصبح هذا النموذج الأميركي هو المقياس لمعظم دول العالم. في الولايات المتحدة وحول العالم، نشهد الآن تجارب في السياسة بلا ملائكة -وهي لا تعمل بشكل جيد. فقد ضعفت المؤسسات الديمقراطية في العديد من الأماكن، وانهارت في أماكن أخرى، وهي تبدو تحت الضغط حيث ما تزال تعمل. وقد نجت تلك البلدان التي لم تواجه الغضب الكامل من الشعبوية والقومية -ألمانيا واليابان هما أكثر الأمثلة وضوحا- من هذه المخاطر بسبب ثقافتها وتاريخها أكثر منه بسبب امتلاكها نوعاً من تصميم ديمقراطي أفضل. في كل مكان، يبدو أن حقيقة رالف والدو إيمرسون تثبت وجاهتها: المؤسسات مجرد ظلال طويلة للرجال. وإذا فشل هؤلاء الرجال وتصرفوا بشكل سيئ، أو بفظاظة، أو بلا مسؤولية، فإن النظام الديمقراطي يكون معرضاً للخطر. ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين بطرح أحد أقدم الأسئلة في السياسة، والذي هو أقدم بكثير من أفكار “التنوير” التي بنيت عليها الديمقراطية. وهو سؤال ناقشه الإغريق والرومان القدماء منذ أكثر من ألفي عام: كيف ننتج الفضيلة في البشر؟ *فريد زكريا Fareed Zakaria: مضيف برنامج “فريد زكريا GPS” على شبكة “سي إن إن”، وكاتب عمود في صحيفة “الواشنطن بوست”. *نشرت هذه المداخلة تحت عنوان: The Oldest Question in Politics هامش: ** الماغنا كارتا أو “الميثاق الأعظم” هي وثيقة إنجليزية صدرت لأول مرة في العام 1215، ثم صدرت مرة أخرى في العام 1216 بنسخة ذات أحكام أقل، حيث ألغيت بعض الأحكام المؤقتة الموجودة في النسخة الأولى، خصوصاً تلك الأحكام التي توجه تهديدات صريحة إلى سلطة الحاكم. اعتُمدت هذه الوثيقة كقانون في العام 1225 وما تزال النسخة التي صدرت في العام 1297 ضمن كتب لوائح الأنظمة الداخلية لإنجلترا وويلز حتى الآن. يحتوي ميثاق 1215 على مطالبة الملك بمنح حريات معينة والقبول بأن لا تكون حريته مطلقة، والموافقة علناً على عدم معاقبة أي “رجل حر” إلا بموجب قانون الدولة، وهو حق ما يزال قائماً حتى اليوم في هذه الدول. اقرأ المزيد:

10 أفكار لإصلاح الديمقراطية 

ابنوا تحالفا من الديمقراطيات

ألغوا أنظمة الحزبين

دمروا رأسمالية المراقبة

لتأمين الديمقراطية، واجهوا الماضي

أوقفوا إطلاق النار في حروب الثقافة

أقدم سؤال في السياسة

افضحوا الخونة

أوقفوا الشركات التي تمكن الطغيان

الدفاع الرقمي وضد المعلومات المضللة

اضافة اعلان