أميركا بدأت حربا باردة مع روسيا وتركت أوكرانيا لتخوضها

جندي أوكراني في مبنى مقصوف - (أرشيفية)
جندي أوكراني في مبنى مقصوف - (أرشيفية)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة ميديا بنيامين؛ ونيكولاس ديفيز* - (كاونتربنش) 2/3/2022 يقاوم المدافعون عن أوكرانيا العدوان الروسي بشجاعة، ويُخجلون بذلك بقية العالم ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لفشلهم في حمايتهم. وثمة علامة مشجعة هي أن الروس والأوكرانيين يجرون محادثات في بيلاروسيا قد تؤدي إلى وقف إطلاق النار. ويجب بذل كل الجهود لإنهاء هذه الحرب قبل أن تقتل آلة الحرب الروسية آلافًا آخرين من المدافعين والمدنيين في أوكرانيا، وتجبر مئات آلاف الآخرين على الفرار. لكن هناك واقعاً أكثر مكراً يعمل تحت سطح هذه المسرحية الأخلاقية الكلاسيكية، هو دور الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في تمهيد الطريق لهذه الأزمة. وصف الرئيس بايدن الغزو الروسي بأنه "غير مبرر"، لكن هذا بعيد كل البعد عن الحقيقة. في الأيام الأربعة التي سبقت الغزو، وثق مراقبو وقف إطلاق النار من "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" (OSCE) زيادة خطيرة في انتهاكات وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، مع 5.667 انتهاكًا و4.093 انفجاراً. وكانت معظم هذه الأحداث داخل حدود الجمهوريتين، بحكم الأمر الواقع؛ دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين، مترافقة مع قصف من القوات الحكومية الأوكرانية بالقذائف. ومع وجود ما يقرب من 700 مراقب لوقف إطلاق النار تابعين لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على الأرض، ليس من المعقول أن تكون هذه كلها حوادث "علم كاذب" افتعلتها القوات الانفصالية، كما ادعى المسؤولون الأميركيون والبريطانيون. سواء كان إطلاق القذائف مجرد تصعيد آخر في الحرب الأهلية المستمرة منذ فترة طويلة أو الرشقات الأولى الافتتاحية من هجوم أوكراني حكومي جديد، فإنه كان بالتأكيد استفزازًا. لكن الغزو الروسي تجاوز بكثير أي إجراء متناسب للدفاع عن جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك من تلك الهجمات، ما يجعله غير متناسب وغير قانوني. ومع ذلك، في السياق الأوسع أصبحت أوكرانيا ضحية ووكيلة عن غير قصد في تجدد الحرب الباردة الأميركية ضد روسيا والصين، حيث حاصرت الولايات المتحدة كلا هذين البلدين بالقوات العسكرية والأسلحة الهجومية، وانسحبت من سلسلة كاملة من معاهدات الحد من الأسلحة، ورفضت التفاوض على حلول للمخاوف الأمنية المنطقية التي أثارتها روسيا. في كانون الأول (ديسمبر) 2021، بعد قمة بين الرئيسين بايدن وبوتين، قدمت روسيا مسودة اقتراح لمعاهدة أمنية متبادلة جديدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، تضم 9 مواد للتفاوض. وكانت تمثل أساسًا معقولًا لخوض حوار جاد. وكان الأمر الأكثر صلة بالأزمة في أوكرانيا فيها، ببساطة، هو الموافقة على ألا يقبل "الناتو" أوكرانيا كعضو جديد فيه، وهو أمر غير مطروح على طاولة الحلف في المستقبل المنظور بأي حال من الأحوال. لكن إدارة بايدن تجاهلت الاقتراح الروسي بأكمله ووصفته بأنه لا يصلح ليكون بداية، ولا حتى كأساس للمفاوضات. وإذن، لماذا كان التفاوض على معاهدة أمنية متبادلة غير مقبول لدرجة أن بايدن كان مستعدًا للمخاطرة بحياة الآلاف من الأوكرانيين، وإنما ليس حتى بروح أميركية واحدة، بدلاً من محاولة إيجاد أرضية مشتركة؟ ماذا يقول ذلك عن القيمة النسبية التي يوليها بايدن وزملاؤه لحياة الأميركيين مقابل حياة الأوكرانيين؟ وما هذا الموقع الغريب الذي تحتله الولايات المتحدة في عالم اليوم والذي يسمح لرئيس أميركي بالمخاطرة بأرواح العديد من الأوكرانيين من دون مطالبة الأميركيين بمشاركتهم ألمهم وتضحياتهم؟ أدى الانهيار في العلاقات الأميركية مع روسيا وفشل سياسة حافة الهاوية غير المرنة التي انتهجها بايدن إلى نشوب هذه الحرب، ومع ذلك فإن سياسة بايدن تجعل كل الألم والمعاناة تحدث "في الخارج" حتى يتمكن الأميركيون، كما قال رئيس آخر في زمن الحرب ذات مرة، من "متابعة أعمالهم" والاستمرار في التسوق. ويجب على حلفاء أميركا الأوروبيين، الذين يتعين عليهم الآن إيواء مئات الآلاف من اللاجئين ومواجهة أسعار الطاقة المتصاعدة، أن يتوخوا الحذر من الانجرار وراء هذا النوع من "القيادة" قبل أن ينتهي بهم الأمر أيضًا في خط المواجهة. في نهاية الحرب الباردة، تم حل حلف وارسو، نظير حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية، وكان ينبغي أن يتم حل حلف الناتو أيضًا لأنه حقق الغرض الذي أنشئ من أجله. ولكن، بدلاً من ذلك بقي الناتو قائماً كتحالف عسكري خطير خارج عن السيطرة، مكرس بشكل أساسي لتوسيع مجال عملياته وتبرير وجوده. وقد توسعت عضويته من 16 دولة في العام 1991 إلى ما مجموعه 30 دولة اليوم، والتي تضم معظم دول أوروبا الشرقية، في الوقت نفسه الذي ارتكب فيه العدوان وقصف المدنيين وجرائم حرب أخرى. في العام 1999، شن الناتو حربًا غير شرعية ليقتطع، عسكرياً، كوسوفو مستقلة من بقايا يوغوسلافيا. وقتلت الغارات الجوية لقوات حلف شمال الأطلسي خلال حرب كوسوفو مئات المدنيين، ويحاكَم حليفه الرئيسي في الحرب، رئيس كوسوفو هاشم تاتشي، في لاهاي على جرائم الحرب المروعة التي ارتكبها تحت غطاء قصف الناتو، بما في ذلك جرائم القتل بدم بارد لمئات السجناء من أجل بيع أعضائهم الداخلية في سوق زرع الأعضاء الدولي. وبعيدًا عن منطقة شمال الأطلسي، انضم الناتو إلى الولايات المتحدة في حربها التي استمرت 20 عامًا في أفغانستان، ثم هاجم ودمر ليبيا في العام 2011، تاركا وراءه دولة فاشلة وأزمة لاجئين مستمرة وعنفًا وفوضى في جميع أنحاء المنطقة. في العام 1991، وكجزء من اتفاقية سوفياتية لقبول إعادة توحيد ألمانيا الشرقية والغربية، أكد القادة الغربيون لنظرائهم السوفيات أنهم لن يوسعوا بأي حال منطقة الناتو أقرب إلى روسيا من حدود ألمانيا الموحدة. ووعد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جيمس بيكر، بأن الناتو لن يتقدم "بوصة واحدة" خارج الحدود الألمانية. وتم الكشف عن وعود الغرب التي نكث بها ليراها الجميع في 30 وثيقة رفعت عنها السرية ونشرت على موقع أرشيف الأمن القومي الأميركي. بعد التوسع في أنحاء أوروبا الشرقية وشن الحروب في أفغانستان وليبيا، كان الناتو قد أتم دورة كاملة، كما هو متوقع، ليعتبِر مرة أخرى روسيا عدواً رئيسياً له. وتتمركز الأسلحة النووية الأميركية الآن في خمس دول تابعة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا: ألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا وتركيا، بينما تمتلك فرنسا والمملكة المتحدة مسبقاً ترساناتها النووية الخاصة. وتتمركز أنظمة "الدفاع الصاروخي" الأميركية، التي يمكن تحويلها إلى صواريخ نووية هجومية، في بولندا ورومانيا، بما في ذلك قاعدة في بولندا على بعد 100 ميل فقط من الحدود الروسية. ثمة مطلب آخر لروسيا في اقتراحها الذي قدمته في كانون الأول (ديسمبر)، هو أن تنضم الولايات المتحدة ببساطة إلى معاهدة القوات النووية متوسطة المدى للعام 1988، والتي بموجبها اتفق الجانبان على عدم نشر صواريخ نووية قصيرة أو متوسطة المدى في أوروبا. وقد انسحب ترامب من هذه المعاهدة في العام 2019 بناءً على نصيحة مستشاره للأمن القومي، جون بولتون، الذي لديه أيضًا فروات رؤوس معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية للعام 1972، وخطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي الإيراني) للعام 2015 مع إيران، وإطار العمل المتفق عليه للعام 1994 مع كوريا الشمالية، متدلية كلها من حزام بندقيته. لا شيء من هذا يمكن أن يبرر غزو روسيا لأوكرانيا، ولكن يجب على العالم أن يأخذ روسيا على محمل الجد عندما تقول إن شروطها لإنهاء الحرب والعودة إلى الدبلوماسية هي حياد أوكرانيا ونزع سلاحها. وفي حين أنه لا يمكن توقع قيام أي دولة بنزع أسلحتها بالكامل في عالم اليوم المسلح حتى الأسنان، فإن الحياد يمكن أن يكون خيارًا جديّاً طويل الأجل لأوكرانيا. وهناك العديد من السوابق الناجحة، مثل سويسرا، والنمسا، وأيرلندا، وفنلندا وكوستاريكا. أو فلنأخذ حالة فيتنام. لدى هذه الدولة حدود مشتركة ونزاعات بحرية خطيرة مع الصين، لكن فيتنام قاومت جهود الولايات المتحدة لإشراكها في حربها الباردة مع الصين، وما تزال ملتزمة بسياسة "اللاءات الأربع" طويلة الأمد: لا تحالفات عسكرية؛ لا ولاء لدولة ضد أخرى؛ لا قواعد عسكرية أجنبية؛ ولا تهديدات بالقوة أو استخدام لها. يجب على العالم أن يفعل كل ما بوسعه للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا وجعل هذا الاتفاق يصمد. يمكن للأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش أو الممثل الخاص للأمم المتحدة أن يعمل كوسيط، ربما مع دور لحفظ سلام تلعبه الأمم المتحدة. ولن يكون هذا سهلاً -أحد الدروس التي لم يتم تعلمها من الحروب الأخرى هو أن منع الحرب من خلال الدبلوماسية الجادة والالتزام الحقيقي بالسلام أسهل كثيراً من إنهاء حرب بعد أن تبدأ. إذا، وعندما، يكون هناك وقف لإطلاق النار، يجب أن تكون جميع الأطراف مستعدة للبدء من جديد في التفاوض على حلول دبلوماسية دائمة تسمح لجميع سكان دونباس وأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وأعضاء الناتو الآخرين بالعيش في سلام. ليس الأمن لعبة محصلتها صفر، ولا يمكن لأي دولة أو مجموعة من البلدان تحقيق الأمن الدائم من خلال تقويض أمن الآخرين. كما يجب أن تتحمل الولايات المتحدة وروسيا أخيرًا المسؤولية التي تأتي مع مراكمة أكثر من 90 في المائة من الأسلحة النووية في العالم في ترساناتهما، والاتفاق على خطة للبدء في تفكيكها، وفقًا لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة الأمم المتحدة الجديدة بشأن حظر الأسلحة النووية. وأخيرًا، في الوقت الذي يدين فيه الأميركيون العدوان الروسي، سوف يكون من منتهى النفاق والازدواجية نسيان أو تجاهل الحروب العديدة الأخرى التي كانت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها هم المعتدون: في كوسوفو، وأفغانستان، والعراق، وهاييتي، والصومال، وفلسطين، وباكستان. وليبيا وسورية واليمن. إننا نأمل بصدق بأن تنهي روسيا غزوها الوحشي وغير القانوني لأوكرانيا قبل وقت طويل من ارتكابها لجزء بسيط من عمليات القتل والدمار الهائلة التي ارتكبتها الولايات المتحدة في حروبها غير الشرعية الخاصة. *ميديا بنيامين Medea Benjamin: أحد مؤسسي مؤسسة CODEPINK for Peace ومؤلفة العديد من الكتب، بما فيها Kingdom of the Unjust: Behind the US-Saudi Connection. نيكولاس ج. س. ديفيز Nicolas J. S. Davies، كاتب في "كونسورتيوم نيوز" وباحث في CODEPINK، ومؤلف كتاب Blood On Our Hands: the American Invasion and Destruction of Iraq. *نشر هذا المقال تحت عنوان: How the U.S. Started a Cold War with Russia and Left Ukraine to Fight Itاضافة اعلان