أميركا تخسر العالم العربي.. والصين تجني الفوائد (2-2)

مغاربة يعبرون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني - (أرشيفية)
مغاربة يعبرون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني - (أرشيفية)

مايكل روبينز؛ وأماني جمال؛ ومارك تيسلر* - (فورين أفيرز) 11/6/2024

 

فوائد هامشية

 

اضافة اعلان


على الرغم من تقديم دعم مادي وخطابي محدود لغزة، كانت الصين المستفيد الأساسي من تدهور سمعة الولايات المتحدة ومكانتها بين الجماهير العربية.

 

وكانت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "الباروميتر العربي" في الفترة 2021-2022، قد أظهرت أن دعم العرب للصين آخذ في الانحدار.

 

لكن هذا الاتجاه انعكس في الأشهر الأخيرة. ففي جميع البلدان التي استطلعت مؤسسة "الباروميتر العربي" الآراء فيها بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، قال ما لا يقل عن نصف المستجيبين إنهم يحملون وجهات نظر إيجابية تجاه الصين.

 

وفي كل من الأردن والمغرب؛ الحليفين الرئيسيين للولايات المتحدة، استفادت الصين من زيادة لا تقل عن 15 نقطة في تقييمات إيجابيتها.

 

وعندما سُئل المستجيبون في ثلاثة من البلدان الخمسة التي استطلعنا آراءهم بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عما إذا كانت السياسات الأميركية أو الصينية هي أفضل لأمن منطقتهم، قال المستجيبون إنهم يفضلون نهج الصين.

 

وفي الواقع، كان الوجود الفعلي للصين في المنطقة ضئيلاً، حيث تركز انخراطها هناك في الغالب على الصفقات الاقتصادية من خلال "مبادرة الحزام والطريق". ولكن، يبدو أن الجماهير العربية في الشرق الأوسط تدرك أن الصين لعبت دوراً محدوداً في الأحداث في غزة: وافق 14 في المائة فقط من المستجيبين اللبنانيين، و13 في المائة من المغاربة، و9 في المائة من الكويتيين، و7 في المائة من الأردنيين، و3 في المائة فقط من الموريتانيين على أن الصين ملتزمة بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين.


وإذن، يغلب أن وجهات نظر المشاركين التي تصبح أكثر إيجابية باطراد تجاه الصين إنما تعكس استياءهم من السياسات الأميركية والغربية. وعندما طرحنا عليهم أسئلة سياسية أكثر تحديداً، أعطى المشاركون إجابات أكثر غموضاً.

 

فعندما سئلوا عما إذا كانوا يعتقدون أن السياسات الصينية أفضل من حيث "حماية الحريات والحقوق"، أم أن السياسات الأميركية أفضل في هذا المجال، أم أن السياسات الصينية والأميركية جيدة على قدم المساواة، أو أن السياسات الصينية والأميركية سيئة على قدم المساواة، قالت أغلبية من الكويتيين والموريتانيين والمغاربة إن السياسات الأميركية أفضل من السياسات الصينية.

 

لكنّ المشاركين في بلدين مجاورين لإسرائيل شعروا بالعكس: ففي استطلاعات "الباروميتر العربي" في الأردن ولبنان بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، اتفق عدد أكبر كثيراً من المشاركين على أن سياسات الصين أفضل من سياسات الولايات المتحدة في حماية الحقوق والحريات.

 

ومع أن سجل الصين في حماية الحقوق والحريات في الداخل والخارج ضعيف، فإن الشعبين اللبناني والأردني يعتبران الآن سجل الولايات المتحدة أسوأ. ويؤشر هذا الاكتشاف على اتجاه أكبر في بيانات "الباروميتر العربي": الجغرافيا مهمة. فقد أعرب الأشخاص الذين يعيشون أقرب إلى منطقة الصراع في غزة والذين استوعبت بلدانهم تاريخيا أعدادًا كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين عن أدنى مستوى من الثقة في سياسات الولايات المتحدة المحددة في الشرق الأوسط.


تقرير الأقلية


تشير استطلاعاتنا إلى أن الانحدار في الدعم العربي للولايات المتحدة ليس حتميا، وأن الجماهير العربية تستجيب بحساسية للاختلافات في السياسة الأميركية تجاه القضايا الرئيسية في المنطقة. ويظهر هذا المؤشر بشكل أقوى من النتائج في المغرب -الدولة الوحيدة في المنطقة التي قاومت اتجاه الشكوك المتزايدة حول السياسة الأميركية.

 

في العام 2022، كان لدى 69 في المائة من المغاربة وجهة نظر إيجابية تجاه الولايات المتحدة، وهي أكبر نسبة من الدعم للسياسات الأميركية في العالم العربي. وقد ازداد هذا الدعم القوي مسبقًا:

 

وجد استطلاع "الباروميتر العربي" لشتاء 2023-2024 أن 74 في المائة من المغاربة ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة بشكل إيجابي. وكان المغرب أيضًا هو الدولة الوحيدة التي فضل سكانها بوضوح سياسات الأمن الأميركية في الشرق الأوسط على سياسات الصين، بنسبة 13 نقطة مئوية.


من المؤكد أن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في دعم المغرب في نزاع إقليمي هو السبب وراء شذوذ الرأي المغربي عن القاعدة. فعلى مدى عقود من الزمن، أدارت الحكومة المغربية جزءًا كبيرًا من الصحراء الغربية، حيث تسعى حركة مدعومة من الجزائر إلى إقامة دولة مستقلة.

 

وحتى العام 2020، لم تكن أي دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بسيادة المغرب على تلك المنطقة. ولكن، في ذلك العام اعترفت الولايات المتحدة بأحقية مطالبات المغرب بمنطقة الصحراء الغربية مقابل إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.

 

وفي النصف الثاني من العام 2023 بشكل خاص، أعادت إدارة بايدن التأكيد بقوة على هذه السياسة.

 

وقد تزامن استطلاعنا للرأي في المغرب مع زيارة قام بها بلوماسي أميركي كبير، جوشوا هاريس، إلى الجزائر والرباط للتأكيد على هذا الموقف السياسي. ويبدو أن سياستها بشأن الصحراء الغربية هي التي حالت إلى حد كبير دون تراجع الدعم للولايات المتحدة في المغرب من النوع الذي عانت منه في دول عربية أخرى.

 

ولم تحتفظ الدول الغربية الأخرى التي لم تحذ الولايات المتحدة في الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية بدعم الشعب المغربي.

 

في الفترة ما بين العام 2022 وشتاء 2023-2024، انخفضت نسبة المغاربة الذين قالوا إنهم يحملون وجهة نظر إيجابية عن المملكة المتحدة من 68 في المائة إلى 30 في المائة، وهو انخفاض أكبر من الانخفاض الذي حدث في البلدان الأخرى التي أجرينا فيها الاستطلاع. كما ساءت آراء المغاربة تجاه فرنسا، حيث انخفضت بمقدار 10 نقاط أيضًا.


في كل دولة أجرينا فيها الاستطلاع، أشار المستجيبون إلى اعتقادهم بأن الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وليس الجهات الفاعلة العالمية، هي الأكثر التزامًا بحماية حقوق الفلسطينيين.

 

ومع ذلك، لا يترجم هذا الرأي إلى رغبة في رؤية الولايات المتحدة وهي تقف على الهوامش أو تخرج من الشرق الأوسط. وعلى الرغم من غضبهم من سياسات الولايات المتحدة تجاه غزة، أوضحت الجماهير العربية أنها تريد أن تشارك الولايات المتحدة في حل الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية.


سأل أحد أسئلة استطلاع "الباروميتر العربي" المستجيبين عن القضية التي يجب أن تتصدر أجندة إدارة بايدن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعرض عليهم سبعة خيارات: التنمية الاقتصادية، التعليم، حقوق الإنسان، البنية التحتية، الاستقرار، مكافحة الإرهاب، والقضية الفلسطينية.

 

وفي ثلاث من الدول الأربع التي طُرح فيها هذا السؤال في استطلاعات الرأي بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، اتفق أغلبية المشاركين على أن بايدن يجب أن يعطي الأولوية للقضية الفلسطينية، حتى على حساب المشاغل ومكامن القلق الرئيسية الأخرى التي تواجه بلدانهم.

 

وفي الواقع، ارتفعت نسبة المواطنين العرب الذين أجابوا بأن الأولوية القصوى لإدارة بايدن في المنطقة يجب أن تكون القضية الفلسطينية بشكل كبير على مدى العامين الماضيين -بمقدار 21 نقطة في الأردن، و18 نقطة في موريتانيا والمغرب، و17 نقطة في لبنان.

 

وتشير بياناتنا من تونس إلى أن هذا الارتفاع حدث على الفور تقريبًا بعد بدء حملة إسرائيل العسكرية في غزة.
أدت الحرب في غزة أيضًا إلى خفض دعم العرب لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من مستوى منخفض كان منخفضًا مُسبقًا. ومع ذلك، لا يعني هذا أن العالم العربي يتحول ضد التسوية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد اقترح بحثنا في تونس في البداية أن اندلاع الحرب في غزة قد يؤدي إلى انخفاض في دعم حل الدولتين.

 

ولكن، في استطلاعات الرأي التي أجريت بين كانون الأول (ديسمبر) 2023 وآذار (مارس) 2024 في الأردن وموريتانيا والمغرب، أشارت نسب أكبر من المستجيبين في الواقع إلى دعمهم لحل الدولتين وتفضيله على حل الدولة الواحدة أو الكونفدرالية أو نهج "الآخر" المفتوح مقارنة بدعم هذه الخيارات في العام 2022.


تجميل الوجه

 

قبل أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر)، بدا وكأن ثمة نظاما إقليميا جديدا آخذ في الظهور في الشرق الأوسط. وبينما سعت بعض الحكومات العربية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل -وهي أولى اتفاقيات من هذا القبيل منذ ما يقرب من 30 عامًا- بدا أن الانقسام الأساسي في المنطقة قد لا يكون بين إسرائيل والدول العربية، وإنما بين طهران والدول التي تسعى إلى احتواء عدوانية الجمهورية الإسلامية في الخارج. وكان من الممكن أن يكون تشكيل تحالف جديد لاحتواء إيران، والذي يضم إسرائيل والدول العربية الرئيسية، مفيدًا للغاية للحد من نفوذ إيران في المنطقة.


ربما ما يزال من الممكن للولايات المتحدة أن تكون القابلة التي تتولى توليد مثل هذا التحالف: تشير المساعدة في صد هجوم الطائرات من دون طيار والصواريخ الإيرانية في 13 نيسان (أبريل)، إلى أن بعض العرب الرئيسيين ما يزالون يعتقدون أن إعادة تنظيم المنطقة ستصب في مصلحتهم. وجدت الاستطلاعات التي أجريناها بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) أن نسبة الموافقة على إيران ما تزال منخفضة بين الجماهير العربية.

 

فقد أعرب 36 في المائة من اللبنانيين، و25 في المائة من الأردنيين، و15 في المائة فقط من الكويتيين عن وجهة نظر إيجابية تجاه إيران.


لكن الجهود المبذولة لإعادة تنظيم كاملة للمنطقة ستظل تعاني طالما استمر تراجع الدعم الإقليمي للولايات المتحدة. وستكون اتفاقيات السلام الباردة القديمة بين الدول العربية المعنية وإسرائيل معرضة دائمًا لخطر الانهيار. وتظل الولايات المتحدة جهة لا يمكن الاستغناء عنها كوسيط لصفقات التطبيع. وقد تم الحفاظ على اتفاقيات السلام القديمة مع إسرائيل إلى حد كبير بفضل الكم الهائل من المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة للبلدان العربية المشاركة.

 

كما اعتمدت صفقات التطبيع في نصف العقد الماضي على وعود من الولايات المتحدة بمعالجة مخاوف الدول العربية، بما في ذلك الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبيع طائرات مقاتلة متطورة من طراز "ف-35" للإمارات العربية المتحدة.


في سياق ما بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر)، لا يعني فقدان الولايات المتحدة دعم المواطنين العرب المخاطرة بفقدان دعم الزعماء العرب فحسب، بل يعني أيضًا تعريض الاستقرار الداخلي لحلفاء الولايات المتحدة العرب الرئيسيين للخطر. وقد امتد الغضب بشأن معاناة الفلسطينيين بالفعل إلى الشوارع.

 

وقد أدت الاحتجاجات بالفعل إلى إحباط مشاريع مختلفة كانت على وشك التنفيذ بين دول عربية وإسرائيل. وعلى الولايات المتحدة محاولة تخفيف الضغوط العامة التي تشعر بها الحكومات العربية لعدم العمل مع إسرائيل لمواجهة النفوذ الإيراني.


تقف المنطقة الآن عند نقطة محورية -وتقف الولايات المتحدة في وضع جيد من الناحية النظرية ممارسة ما يلزم من النفوذ التأمين وقف لإطلاق النار في غزة والمساعدة في تحريك الإسرائيليين والفلسطينيين نحو السلام. لكنّ استعادة مصداقيتها الإقليمية تتطلب من الولايات المتحدة أن تحدد خطوات ملموسة وعملية نحو حل الدولتين، وتحديد الشكل الذي ستبدو عليه الحوكمة الفعالة في غزة بعد الحرب وما يجب على الإسرائيليين والفلسطينيين فعله لضمان إحراز تقدم نحو السلام.

 

إن محاسبة القادة الإسرائيليين والفلسطينيين على تعطيل جهود السلام هي شيء مستحق منذ فترة طويلة. ويجب على الولايات المتحدة ألا ترعى محادثات السلام فحسب، بل يجب أن تصر أيضًا على إنهاء توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.


لفترة طويلة، كان العرب ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها تعمل لتأمين مصالحها ومصالح القادة العرب المتحالفين معها قبل مصالح المواطنين العاديين -حتى مع سعي المواطنين العرب إلى الحصول على دعم أكبر لجهود التحول الديمقراطي ومكافحة الفساد.

 

وبالإضافة إلى ذلك، قد لا تشهد المواجهة الإيرانية الإسرائيلية التالية الأداء نفسه مثل تلك التي حدثت في نيسان (أبريل) 2024. إنها قد تكون مدمرة. ويجب على الولايات المتحدة أن تعمل على كسب ثقة الجماهير العربية لاحتواء إيران، ليس سراً فحسب، وإنما بانتهاج سياسات معلنة، وشجاعة وفعالة. ويقدم الوضع الحالي للولايات المتحدة المخاطر والفرص على حد سواء.

 

وفي الواقع، ليس هناك معادل لقضية الصحراء الغربية المغربية في معظم الدول العربية.

 

لكن حالة المغرب توضح أنه عندما يشعر المواطنون العرب بأن الولايات المتحدة تدافع عن مصالحهم، فإن حكمهم عليها يصبح أكثر إيجابية.


إن مخاطر الفشل في معالجة تراجع الدعم العربي الشعبي للولايات المتحدة تتجاوز الحرب في غزة. وفي غياب تحول كبير في الدعم الأميركي لحرب إسرائيل، وما لم يتم إجراء تغييرات ذكية في السياسة الأميركية للحد من معاداة أميركا المتزايدة في العالم العربي على المدى الأبعد، سوف تواصل جهات فاعلة أخرى -بما فيها الصين- محاولة إزاحة الولايات المتحدة عن موقعها القيادي في الشرق الأوسط.

*مايكل روبينز Michael Robbins: المدير والباحث الرئيسي المشارك في "الباروميتر العربي".


*أماني أ. جمال Amaney A. Jamal: المؤسسة المشاركة والباحثة الرئيسية المشاركة في "الباروميتر العربي"، وعميدة كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، وأستاذة إدواردز س. سانفورد للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون.


*مارك تيسلر Mark Tessler: المؤسس المشارك والباحث الرئيسي المشارك في "الباروميتر العربي"، وأستاذ صمويل جيه إلدرسفيلد للسياسة في جامعة ميشيغان.

 

 

*نشر هذا المقال تحت عنوان: America Is Losing the Arab World: And China Is Reaping the Benefits

 

 اقرأ المزيد في ترجمات:

أميركا تخسر العالم العربي.. والصين تجني الفوائد (2-1)