أنقذنا، أيها الأخ الأكبر!

Untitled-1
Untitled-1

هيلين بويونيسكي* - (معهد رون باول للسلام والازدهار) 30/12/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

اضافة اعلان

تم تصميم تعليمات "كوفيد-19" دائمة التغيُّر لكي تجعلك تتوسل من أجل الديكتاتورية.

  • * *
    في حين تستسلم الكثير من أرجاء الولايات المتحدة للإرهاق الوبائي، وتصبح أقل اهتماماً من أي وقت مضى بالأرقام الأخيرة المخيفة للإصابات بـ"كوفيد-19"، فإن فصيلًا صغيرًا -ولكنه مؤثر- ما يزال يطالب بالديكتاتورية للجميع من أجل ضمان الامتثال "للقواعد".
    كتبت كاتبة العمود في صحيفة "الواشنطن بوست"، كيت كوهين، بينما الأعياد تلوح في الأفق الأسبوع الماضي: "كل ما أريده في عيد الميلاد هو تطبيق إرشادات ‘كوفيد-19’". وبدا أن خوفها من احتمال أن تتغلب عادات الأميركيين الاحتفالية، لبضعة أيام، على عجزهم المكتسب بسبب الوباء، وعدم رغبتها في "السماح" للناس بالاحتفال بسلام، جعلا كوهين تدافع عن أمة مزدهرة من الخانعين، متوسلة وضع المزيد من القواعد التي يجب اتباعها -وفرض تطبيقها بقبضة من حديد على العصاة.
    تتأسف كوهين على أن الأميركيين، "تُرِكنا لتنظيم أنفسنا بأنفسنا"، وتشكو منتحبة: "لماذا لا نتّبع القواعد فقط؟"، وعلى الرغم من اعترافها بأن هذه القواعد ظلت تتغير بسرعة وبطريقة غير منطقية على مدى شهور، فإنها تطالب بالمزيد منها، وتجسد النكتة القديمة عن "كيف كان الطعام فظيعًا -وبمثل هذه المقادير الصغيرة!".
    "أرجوكم، افرضوا ارتداء الأقنعة في الأماكن العامة المغلقة وطبقوه بالقوة"، تتوسل كوهين، غير قانعة بوعد الرئيس المنتخب، جو بايدن، بمطالبة الأميركيين بارتداء أقنعة الوجه في الأيام المائة الأولى من فترة ولايته، أو بطاعتها الصاغرة للقواعد. "أغلقوا الأماكن التي نتجمع فيها في الداخل ضد حكمنا (أو حكم عائلاتنا) السليم… قيّدوا التجمعات والسفر وطبقوا هذه القيود بالقوة"، تتابع كوهين، مستخدمة خيالاً سادياً مازوخياً.
    "بعبارة أخرى، اجعلونا نتصرف كما لو أننا ما نزال في خضم أزمة صحية عامة هائلة يموت فيها الآلاف من الأميركيين كل يوم". والترجمة: "دوسوا علينا. بقوة أكبر"!
    بغض النظر عن أن محكمة برتغالية قضت مؤخرًا بأن "المعيار الذهبي" -طريقة "بي. سي. آر" لاختبار "كوفيد-19" لا قيمة لها علميًا، وأن عدداً متزايداً من العلماء يدعون إلى سحب الورقة التي تستند إليها هذه الاختبارات بسبب بياناتها المشوهة التي يديرها تضارب المصالح. سوف يظل إبقاء مستوى الخوف القومي عند "الأحمر" هو ما يهُم حقًا -وهو ما يتطلب تيارًا مستمرًا غير منقطع من القواعد الجديدة، وكلما كانت أكثر "كافكيّة" وتناقضًا كان ذلك أفضل.
    لا يكفي لعشاق الإغلاق في العالَم بقاؤهم هم في المنزل، كما توضح كوهين. يجب وضع قواعد -صارمة غير قابلة للتجاوز- لضمان بقاء الجميع في المنزل. وتكفي فكرة أن شخصًا ما، في مكان ما، ربما لا يعيش في رعب مطلق، تكفي لإبقاء أمة المستكينين مستيقظة في الليل. ويوافق كالفن ماكّي، الكاتب المساهم في مجلة "فوربِس"، متهماً الأميركيين –حرفياً- قبل ثلاثة أيام من أعياد الميلاد بـ"حب أسرهم حتى الموت". كيف يجرؤون على قضاء بعض الوقت معًا عندما ينشر التوهج الدافئ المرحِّب لشاشة التلفاز أرقامًا مروعة عن الوباء؟
    لا يوجد دليل على أن عمليات الإغلاق تمنع موت أعداد كبيرة، وحتى منظمة الصحة العالمية بدأت في تقديم المشورة ضد الإغلاقات، معترفة بأنها "تجعل الفقراء أكثر فقرًا". ومع ذلك، يجب أن تستمر المسرحية، حيث تم التضحية بالكثير خلال الأشهر العشرة الماضية بحيث سيعني التخلي عن هذه التجربة النفسية الهائلة الاعتراف بأن قرار ارتكاب انتحار "سيبوكو" اقتصادي في جميع أنحاء العالم كان مضللاً في أحسن الأحوال. والهدف الآن، وفقًا لماكي، هو "تعديل السلوك". انسَ الأدلة التي ترصدها حواسنا وتخلَّص من غرائزك -ثق فقط في الشخصيات التي تظهر من معهد جونز هوبكنز.
    تتخلى كوهين عن غير قصد عن أهدافها الحقيقية بينما توبخ حاكم نيويورك، أندرو كومو، على "ترك الأمر لنا لنقوم بضبط أنفسنا". وساخرة من ادعائه بأن "سكان نيويورك أذكياء"، بحيث أنهم بالتالي "تعلموا من عيد الشكر" (الذي لم ينتج عنه ارتفاع الموت الكارثي الذي توقعه الجميع، ولكن من هو الذي يُحصي؟) طلبت من القارئ "انتظر دقيقة واحدة لأذهب للتحقق من الإنترنت وأبحث عن دليل على أن الناس أصبحوا أكثر ذكاءً". يبدو أن الأرضية التنظيمية المتغيرة باستمرار تحت قدميها جعلتها غير متأكدة مطلقاً من ماهية الواقع، لدرجة أنه يتعين عليها "التحقق من الإنترنت" لتأكيد الحقائق الأساسية، حتى ولو بطريقة ساخرة.
    هذا التدفق -التقلبات السريعة بين "الأقنعة غير مجدية للأشخاص العاديين"، و"ضَع قناعاً أو أنك ترتكب جريمة إبادة جماعية"؛ بين "لا يوجد شيء اسمه انتشار من دون أعراض"، و"اترك كل شيء واذهب لفحص نفسك الآن، حتى لو أنك لا تشعر بالمرض"، لا يأتي كصدفة. فقط إذا اضطررنا إلى التخمين مرة بعد أخرى بشأن واقع تجربتنا الحية، يمكن إقناعنا بالتخلي عن قدراتنا النقدية والقبول بـ"الأخ الأكبر" من دون استنطاق.
    على سبيل المثال، اعتنق الأميركيون قيصر فيروس كورونا في الولايات المتحدة، الدكتور أنطوني فوشي، ليس فقط كقفاز مخملي مهدئ فوق القبضة الحديدية لسلطة الشركات والدولة، ولكن حتى كرمز جنسي. وتأتي هذه الشعبية على الرغم من (أو ربما بسبب) ميل فوشي الذي يعترف به ذاتياً إلى الكذب. وقد تفاخر مسؤول الصحة المهنية مؤخرًا بأنه دفع مرارًا وتكرارًا برفق نحو تحديد عدد الأميركيين الذين يجب تطعيمهم من أجل زيادة مناعة القطيع، استجابة لما اعتبره ثقة متنامية على الصعيد الوطني في اللقاح. وذكَّر السناتور الجمهوري، ماركو روبيو -الذي ليس من المعجبين الكبار بالحقيقة هو نفسه- فوشي بأنه "كذب" أيضًا على الجمهور الأميركي بشأن ارتداء الأقنعة في الأيام الأولى من الوباء.
    لكن روايات فوشي يتم بثها بنوع من الثقة التي تطمئن الأميركيين المذعورين إلى أن كل التضحيات التي قدموها كانت جديرة بالتقديم. والكذب المريح أفضل من الحقيقة غير السارة، خاصة في الأوقات التي يكون فيها عدم اليقين كبيراً جداً لدرجة أنه يجب على المرء أن يهرع إلى الإنترنت للبحث عن الحقائق الأساسية في حالة تغيرها بين عشية وضحاها (كما فعلت منظمة الصحة العالمية بتعريفها "مناعة القطيع"). وما يزال "ثقب الذاكرة" الذي تحدث عنه جورج أورويل حياً وبصحة جيدة، ويتطلب الأمر آفاقاً مثل فوشي لخداع الناس ودفعهم إلى الاعتقاد بأن هذا شيء جيد.
    وهكذا، حتى مع اعتراف شركتي "فايزر" و"موديرنا" بأن لقاحاتهما قد لا توقف انتقال فيروس كورونا المستجد، فإن "أمة الخانعين" ستتمسك بالرواية الكاذبة القائلة إن "المناهضين للتطعيم" هم المسؤولون عن التأخير في قدوم "الطبيعي الجديد" المُحسّن والمعزّز صيدلانياً، والذي يُسمح فيه بالسفر الدولي والتجمعات الكبيرة مرة أخرى (لأولئك الذين لديهم التطبيقات المناسبة على هواتفهم). فبعد كل شيء، "الجميع متحمسون بشأن الخط غير المنقطع للعديد من اللقاحات المعتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء"، وفقًا لماكي في مجلة "فوربس". وأنت لا تريد بالتأكيد أن تُستبَعد من "الجميع"؟ لا تولِ اهتمامًا لآلاف ردود الفعل السلبية المعيقة التي ظهرت في الأيام الأربعة الأولى من طرح لقاح "فايزر-بيونتيك"، أو لقائمة الغرامات الطويلة التي فرضها الحكومة على شركة "فايزر" بسبب التسويق الاحتيالي، والتي حطم أحدها رقماً قياسياً.
    لا ينبغي لأحد أن يجبر أولئك المرتعبين من "كوفيد-19" على الخروج من فقاعاتهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية بالطبع. فلكل شخص مستوى مختلف من الراحة -سواء كان ذلك يعني أن يخرج ليحتفل بالبيكيني وسط رقاقات الثلج أو أن يتكور بجوار النار في المنزل مع بعض مواد الرعب التي تنتجها المؤسسة.
    لكن المولَعين بالإغلاق ليس لهم الحق في فرض أوهامهم على أولئك الذين يفضلون العودة إلى الحياة الطبيعية أيضًا. ولو كانت العودة إلى "الطبيعي القديم" مستحيلة حقًا كما تدعي المؤسسة الإعلامية، لما كان هناك سبب يدعوها إلى الصراخ حتى يبح صوتها وهي تنكر هذا الاحتمال. يحتاج الأميركيون فقط إلى أن يقرروا أنهم مستعدون للتوقف عن العيش في خوف.

*Helen Buyniski: صحفية أميركية ومعلقة سياسية في "روسيا اليوم".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Save us, Big Brother! Ever-shifting Covid-19 guidance is designed to make you beg for dictatorship