أوباما يسير في طريق دبلوماسي يجب أن لا ينتهي بإيران

الرئيس الأميركي باراك أوباما في حوار مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)
الرئيس الأميركي باراك أوباما في حوار مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)

جوناثان فريدلاند - (الغارديان) 30/11/2013

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

لم يكن هناك أي تردد في الإشارة إلى الخاسر الواضح من الصفقة التي شكلت انفراجاً بين القوى العالمية وإيران أخيراً -لم يكن الخاسرون هم كتاب السيناريو للوطن القومي. صحيح أن الدراما الأميركية تلقت صفعة: فخط الحكاية الراهن يركز على طهران وبرنامجها النووي الهارب، ويصوّر نظاماً خارج متناول يد الدبلوماسية التقليدية. لكنه في الوقت الذي يتآمر فيه كاري وسول ويضعان الخطط، هناك وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، يصافح نظيره الإيراني في جنيف -وهكذا تغلق الحقيقة مرة أخرى مواهب اختلاق الحكايات، حسب تعبير الروائي الكبير فيليب روث.
كلا، إن الخاسر الواضح من الصفة الأخيرة هو "بيبي" نتنياهو. إن مهمته التي ترشده، والسبب في كل هذا، واختياره ليكون رئيساً لوزراء إسرائيل للمرة الثانية، كانت الإزاحة الكلية لما يراه تهديداً نووياً إيرانياً. وبالنسبة لبيبي، تشكل إيران القضية الوجودية، والتي تصبح معها كل المواضيع الأخرى ثانوية -بما في ذلك علاقة إسرائيل مع جيرانها الفلسطينيين. وقد ظل يحذر طوال عقدين من أن طهران تقف على مرمى حجر من حيازة أسلحة نووية -في العام 1992 قدر خمسة أعوام على أقصى تقدير حتى تمتلك طهران القنبلة- وظل عاكفاً منذئذٍ على الإزالة الكلية لذلك الخطر، باستخدام القوة بشكل شبه مؤكد.
لكن صفقة جنيف لا تكفل النزع الكلي للأسلحة الإيرانية. والاتفاق الذي تم التوصل إليه أخيراً مؤقت وغير مستكمل: تحتفظ إيران ببعض القدرة المحدودة على تخصيب اليورانيوم وما شابه. لم يكن الاتفاق استسلاماً إيرانياً. وهو السبب في أن نتنياهو شجب الاتفاق ووصفه له بأنه "خطأ تاريخي" وعلى نحو جعله صوتاً وحيداً مفرداً ضد جوقة الاحتفال والاسترخاء الدولية. (وكما هو واقع الحال، يعارض السعوديون والدول الخليجية هذه الصفقة أيضاً ويعتقدون بأنها تسمح لإيران، منافسهم الإقليمي الكبير، للإفلات من السنارة: لكن بيبي فقط هو الذي قال ذلك بالصوت العالي).
يركز متابعو بيبي راهناً على الكيفية التي سيدير بها الزعيم الإسرائيلي الأشهر الستة التالية التي إما أن تتفتح فيها أزهار اتفاقية جنيف وتفضي إلى اتفاق دائم، أو أنها ستتداعى. لكن ذلك يطرح سؤالاً آخر: ماذا سيكون التأثير على أزمة إسرائيل الأقرب إلى الوطن؟ هل يمكن أن يفضي الانفراج مع إيران بشكل ما إلى إحداث انفراج بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
سيكون الرهان الأكثر حكمة هو المراهنة على: كلا الآخرين. فمفاوضات السلام ما تزال تجري من الناحية الرسمية، بعد أن دفع كيري كلا الجانبين إلى الطاولة في أواخر تموز (يوليو) الماضي. وكان السبب الذي حمل بيبي إلى الطاولة هو إيران بشكل رئيس: كانت المشاركة في مفاوضات كيري هي العرض، وكان الدعم الأميركي لإسرائيل ضد إيران هو المكافأة. والآن ذهبت تلك الرافعة أدراج الرياح. لم يعد بيبي بحاجة بعد الآن لأن يبدو لطيفاً أمام كيري أو باراك أوباما: لقد خذلاه، بالقدر الذي يهمه، وهو ليس مديناً لهما بأي فضل. ويشرح دبلوماسي غربي متعاطف مع إسرائيل أنه لن يجرؤ أي زعيم لذلك البلد على التحرك في مفاوضات ما لم يتم التأكيد له أن "الرئيس الأميركي يدعمه". وقد فقد بيبي، كما يقول الدبلوماسي، تلك الثقة.
من الممكن أن تعمل دينامية مشابهة في الاتجاه المعاكس. إن أوباما يدرك أنه أغضب حليفه الإسرائيلي، وربما يجعله ذلك متردداً في فعل ذلك مرة أخرى. ولدى الرئيس الأميركي مهمة بين يديه أصلاً، هي كسب مباركة الكونغرس لاتفاقية جنيف. وعلى ضوء الدعم الواسع الذي يتمتع به بيبي في الكابيتول هيل (مقر الكونغرس)، فإن أوباما سيجعل مهمته أصعب عن طريق مطالبة إسرائيل بالتنازل للفلسطينيين.
أضف إلى ذلك أن "ترددات" كيري سوف وتستنفد في الأشهر الستة التالية في محاولة إتمام صفقة إيران، وأن المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية متوقفة كما يقال، ويمكنك أن ترى السبب في أن القليلين يتوقعون ارتداداً عن اتفاق جنيف. وربما يكون الرهان الأكثر أماناً هو طريقة "إدارة" بيبي لأي ضغط يأتي من أوباما، والتكيف مع تحركات الفلسطينيين وانتظار تصنيف الرئيس الأميركي على أنه بطة عرجاء. وفي الأثناء، يفعل كل ما يستطيع من أجل تقويض الاتفاق مع إيران.
لكن هناك رهاناً آخر أكثر خطورة. وهو يقول إن أوباما أصبح يتمتع راهناً بزخم في الشرق الأوسط، باستخدامه الدبلوماسية لحل المشاكل التي كانت تعد في السابق عصية على الحل سوى بالعمل العسكري. ربما يكون صحيحاً أنه تعثر في التوصل إلى علاج لمشكلة سورية، لكن التقدم في تدمير ترسانة بشار الأسد الكيميائية حقيقي. وقد يعطي الانتصاران الإدارة الأميركية الثقة للدفع بقوة نحو تحقيق نجاح ثالث -حتى في صراع لطالما اعتبر عصياً على الحل.
ورغم المظاهر، تحتفظ واشنطن بأدوات الضغط: إن إسرائيل تحتاج أميركا. ومهما كان الإغواء كبيراً، فإن بيبي لا يستطيع أن يدير ظهره لأوباما ببساطة. وإذا كان نتنياهو جاداً في مقاومة اندفاعة الستة أشهر نحو إبرام اتفاقية نهائية مع طهران، فمن المؤكد أنه سيحسب أنه لن يستطيع القتال على جبهتين في وقت واحد. وعلى ضوء الأولوية التي يوليها لإيران، فيحتمل كثيراً أن يكون الموضوع الفلسطيني هو الذي يستطيع أن يتزحزح فيه.
ستكون هناك ضغوط محلية تدفعه في ذلك الاتجاه أيضاً. وقد ظل موقفه عرضة للانتقادات الثقيلة من جانب كل أجنحة الصحافة الإسرائيلية -ليس لأن المعلقين هناك يعتقدون بأن صفقة جنيف تحل مشكلة القلق الأمني في إسرائيل -وهم لا يفعلون- وإنما لأنهم يعتقدون بأن إسرائيل لا تقوى على معاداة حليفها الأميركي. إنهم ينتقدون بيبي على العبث بتلك العلاقة الحساسة.
على نحو مثير للاهتمام، وجدت سياسة ضبط النفس التي ينتهجها أوباما صدى داعماً في الطبقة الأمنية الإسرائيلية. كانت هناك المعارضة الكبيرة، والعلنية أحياناً، من الرؤساء الحاليين والسابقين العسكريين والمخابراتيين، والتي جعلت من المستحيل أمام نتنياهو تأمل خيار توجيه ضربات جوية ضد إيران. ويتبين لاحقاً أن ذلك كان ثمرة جهد متعمد ومخطط من جانب واشنطن، التي صنعت بصبر ما يصفه أحد المحللين بأنه "لوبي الولايات المتحدة" في داخل النخبة الأمنية الإسرائيلية. الآن، وقد تأسس، فليس هناك ما يمنع تجنيد نفس اللوبي الأميركي للضغط على بيبي مرة أخرى -هذه المرة على المسار الإسرائيلي-الفلسطيني.
الآن، وقد أصبح أوباما طليقاً من أي متطلبات إعادة الانتخاب، وأصبح كيري معافى من الطموح الرئاسي كما يبدو، فإن الرجلين يستطيعان فعل ما لم تحاول فعله أي إدارة أميركية خلال عقد ونصف العقد: ممارسة نوع من الضغط ذي المعنى على إسرائيل لتصنع السلام. ومن الممكن أن يتم ذلك على هيئة إصدار الولايات المتحدة "اقتراح تجسير" خاص بها، في شكل رؤية للحل الكلي لهذا الصراع والتي تسعى إلى التوفيق بين مطالب الجانبين.
لن يحب نتنياهو ذلك، لكن مراقباً إسرائيلياً يعرف سجله يعتقد تماماً بأن تلك هي الطريقة التي ستحمل بيبي على التحرك: "إنه لا يفعل أي شيء أبداً ما لم يستطع إظهار الأمر على أنه أجبر على فعله من جانب أحد أو شيء أكبر منه". وإذا ما أصدر أوباما نسخته لاتفاق مع الفلسطينيين، فإنه بيبي ربما يجد طريقة لقبولها. وإذا فعل، فإنه سيجد تأييداً جاهزاً من حزب العمل الإسرائيلي المعارض الذي انتخب زعيماً جديداً له مؤخراً (اسحق هرتسوغ)، وهو شخص يتطلع للانضمام إلى الائتلاف الذي يقوده بيبي إذا كان الأخير جاداً في التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.
أذكر بأنك لن تقوم برهن منزلك لتراهن على مثل هذا السيناريو المفعم بالأمل. لكن هناك طريقاً يمكن أن تقود من جنيف إلى القدس. وقد دشن باراك أوباما تلك الطريق -وعليه الآن أن يواصل سلوكها.

اضافة اعلان



*نشر هذا المقال تحت عنوان:Barack Osama’s on a diplomatic roll that should not end with Iran

[email protected]