إحياء جهود الحد من التسلح في أوروبا

وحدة من نظام "باتريوت" للدفاع الصاروخي - (أرشيفية)
وحدة من نظام "باتريوت" للدفاع الصاروخي - (أرشيفية)

فرانك-فالتر شتاينماير*

برلين- أصبح الأمن الأوروبي -وهو أمر مستغرب في نظر العديد من المراقبين- تحت التهديد مرة أخرى. ومرة أخرى، يجب أن يتصدر أمن أوروبا أجندتنا السياسية.اضافة اعلان
حتى قبل أن يندلع الصراع في أوكرانيا في العام 2014، كانت هناك علامات متزايدة تدل على مواجهة تتشكل بين كتل متنافسة. بيد أن هذه المواجهة الجديدة لا يحددها العداء بين الشيوعية والرأسمالية، وإنما النزاع حول النظام الاجتماعي والسياسي -نزاع حول الحرية والديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان- فضلاً عن الصراع الدائر حول مجالات النفوذ الجيوسياسية.
لقد انتهك ضم روسيا لشبه جزيرة القرم القانون الدولي، ودعا إلى التشكيك في أسس الهندسة المعمارية التي يقوم عليها أمن أوروبا. وعلاوة على ذلك، تغيرت طبيعة الصراع بشكل درامي، كما أثبتت حالة أوكرانيا. والآن تلعب الحرب الهجينة والقوى من غير الدول أدواراً متزايدة الحجم.
كما تحمل التكنولوجيات الجديدة -القدرات الهجومية السيبرانية، والطائرات المسلحة من دون طيار، والروبوتات، والأسلحة الإلكترونية والليزر وأسلحة المواجهة- مخاطر جديدة. والواقع أن السيناريوهات القتالية الجديدة -الوحدات الأصغر حجماً، والقوة القتالية الأعلى، والانتشار الأسرع- لا تغطيها أنظمة الحد من التسلح القائمة اليوم. ويلوح خطر نشوء سباق تسلح جديد كبيراً في الأفق.
منذ صدور تقرير هارمل، الذي أعاد تعريف استراتيجية منظمة حلف شمال الأطلسي في العام 1967، كان الغرب يتبع نهجا ذا مسارين في إدارة علاقاته مع روسيا: الردع والوفاق. وفي قمة وارسو في وقت سابق من هذا الصيف، جَدَّدت منظمة حلف شمال الأطلسي التزامها بهذه الاستراتيجية المزدوجة. وقد تبنينا التدابير اللازمة لتوفير الطمأنينة العسكرية، وفي الوقت نفسه حرصنا على تأكيد مسؤوليتنا السياسية عن الأمن التعاوني في أوروبا.
ينطوي هذا النهج المزدوج على صعوبة متأصلة: فالردع حقيقي ومرئي للجميع؛ ولكن الوفاق أيضاً يجب أن يكون حقيقياً ومرئياً إذا كان له أن يلعب دوره. وكلما غاب هذا التوازن السياسي، تنشأ المفاهيم الخاطئة، وتصبح السبل المتبقية لمواجهة خطر التصعيد ضئيلة.
لتخفيف هذا الخطر، ينبغي لنا أن ندفع بهدف ملموس محدد: إعادة إطلاق جهود الحد من التسلح في أوروبا كوسيلة مجربة ومختبرة للحد من المخاطر، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة بين روسيا والغرب.
يثبت التاريخ أن اتفاقيات الحد من التسلح ليست نتيجة للثقة القائمة -بل هي وسيلة لبناء الثقة حيثما غابت. ففي العام 1962، دفعت أزمة الصواريخ الكوبية العالم إلى حافة المواجهة النووية. وبعد فترة وجيزة من الأزمة -عندما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عند أدنى مستوياتها- قررت القوتان العظميان أن الوقت حان للعمل على تضييق الفجوة، من خلال خطوات صغيرة وملموسة. وكان هذا المبدأ أيضاً في قلب السياسة الشرقية الجديدة التي انتهجها ويلي برانت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
اليوم، انفتحت انقسامات جديدة وعميقة بين روسيا والغرب، وأخشى أننا لن نتمكن من إغلاقها في المستقبل القريب، مهما حاولنا جاهدين. ولا ينبغي لأحد أن يقلل من شأن التحديات التي نواجهها في هذا الصدد، خاصة في ظل الأزمات المتعددة -في شرق أوكرانيا، وسورية، وليبيا، وأماكن أخرى- في وقت حيث لم نعد محصنين ضد التصعيد المتجدد أو المزيد من الانتكاسات. الأمر الوحيد المؤكد هو أننا إذا لم نحاول، فسوف يكون السلام في أوروبا وخارجها هشاً. ولذلك، علينا أن ننتبه إلى درس الوفاق: فمهما بلغت الانقسامات من عمق، يتعين علينا أن نحاول بناء الجسور.
من المؤسف أن أنظمة الحد من التسلح ونزع السلاح القائمة تتداعى. فالآن لم تعد روسيا تنفذ معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، التي أدت إلى إزالة عشرات الآلاف من الدبابات والأسلحة الثقيلة من أوروبا في السنوات التي تلت العام 1990. وعلى نحو مماثل، أصبحت آليات الشفافية وبناء الثقة المنصوص عليها في وثيقة فيينا الصادرة عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا العام 2011 غير فعّالة على نحو متزايد، وتُعارِض روسيا الخطوات اللازمة لتحديث هذه الآليات.
كما أصبح تطبيق معاهدة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بشأن الأجواء المفتوحة محدوداً. وكان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم سبباً في إبطال مذكرة بودابست. وبهذا تبددت الثقة التي تراكمت بعناية خلال عقود من العمل الشاق.
ولكن في الوقت نفسه، دعت روسيا مراراً وتكراراً إلى إدارة مناقشة جديدة بشأن الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا. ومن هذا المنظور، فقد حان الوقت لإلزام روسيا بكلمتها.
ينبغي أن تقوم إعادة إطلاق جهود الحد من الأسلحة التقليدية على مبدأ كان في صلب سياسة برانت الشرقية الجديدة: فلا يجب تأطير الأمن في أوروبا على أنه عملية عدائية دائمة. فالأمن ليس لعبة محصلتها صِفر. ولا يجب أن يُنظَر إلى تزايد أمن أحد الجانبين باعتباره انتقاصاً من أمن الجانب الآخر. ولهذا، أرى أن إعادة إطلاق جهود الحد من التسلح يجب أن تغطي خمس مناطق. ونحن في احتياج إلى اتفاقيات تحرص على:
• تحديد أسقف إقليمية، ومسافات دُنيا، واتخاذ تدابير الشفافية (وخاصة في المناطق الحساسة عسكريا مثل دول البلطيق)؛
• وضع القدرات والاستراتيجيات العسكرية الجديدة في الحسبان (وحدات نقالة صغيرة بدلاً من الجيوش التقليدية الضخمة، ووضع الموارد مثل قدرات النقل في الاعتبار وفقاً لذلك)؛
• دمج أنظمة الأسلحة الجديدة (على سبيل المثال الطائرات بدون طيار)؛
• السماح بالتحقق الفعّال السريع الانتشار والمرن والمستقل في أوقات الأزمات (وتنفيذه عن طريق منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على سبيل المثال)؛
• وأن تكون هذه الاتفاقيات قابلة للتطبيق حيثما ينشأ تنازع على الوضع الإقليمي.
في التعامل مع مثل هذه القضايا المعقدة، نريد إطلاق حوار منظم مع كل أولئك الذين يتقاسمون المسؤولية عن الأمن الأوروبي. وتُعَد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي تتولى ألمانيا رئاستها هذا العام، أحد المنتديات المهمة لإدارة مثل هذا الحوار.
لن يكون نجاح مثل هذا المشروع مؤكداً في وقت يتسم بتآكل النظام العالمي وتأزم العلاقات مع روسيا. لكن تقاعسنا عن المحاولة سيكون في منتهى انعدام الشعور بالمسؤولية.
صحيح أن روسيا انتهكت مبادئ السلام الأساسية -سلامة الأراضي، والاختيار الحر للتحالفات، والاعتراف بالقانون الدولي- التي هي غير قابلة للتفاوض في نظرنا في الغرب. ولكن يتعين علينا بالمثل أن نتوحد في السعي إلى تجنب دوامة العداء والمواجهة المتصاعدة.
في الغرب، كما هي الحال في روسيا، يبدو عالمنا متزايد الخطورة. فالإرهاب الإسلامي، والصراعات الوحشية في الشرق الأوسط، والدول الفاشلة، وأزمة اللاجئين، كل هذا يعني ضمناً مخاطر تهدد أوروبا بأسرها. وقد أصبحت القدرات الأمنية على الجانبين مُجهَدة إلى أقصى الحدود. وسوف نخسر جميعا إذا أنهكنا أنفسنا في سباق تسلح جديد.
بإعادة إطلاق جهود الحد من التسلح، يصبح بوسعنا أن نقدم عرضاً ملموساً للتعاون لكل أولئك الراغبين في تحمل المسؤولية عن أمن أوروبا. والآن، حان الوقت لمحاولة المستحيل.

*وزير الخارجية الألماني.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكت".