إدوارد سعيد: الغطرسة الإمبريالية العمياء‏

المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد - (أرشيفية)
المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد - (أرشيفية)

‏إدوارد سعيد‏ - (لوس أنجيلوس تايمز) 2003/8/20

 

ملاحظة المترجم/ المحرر: نشر هذا المقال في العام 2003، بعد ثلاثة أشهر من بدء الحرب على العراق وقبل ثلاثة أشهر من وفاة إدوارد سعيد.

اضافة اعلان

 

لكن مقولاته تظل صالحة الآن أيضا، بينما يجسد العدوان على غزة استخدام خطاب "الحضارة" و"التمدين" كأداة لتبرير الاستيلاء الاستعماري على الأرض والهجوم الوحشي على العزل.
*   *   *
لم يتم الإبقاء على الإمبراطوريات الحديثة العظيمة متماسكة بواسطة القوة العسكرية فحسب. كانت بريطانيا قد حكمت أراضي الهند الشاسعة ببضعة آلاف فقط من المدراء الاستعماريين وبضعة آلاف فقط من الجنود -الكثير منهم من الهنود.

 

وفعلت فرنسا الشيء نفسه في شمال إفريقيا والهند الصينية؛ وفعله الهولنديون في إندونيسيا، والبرتغاليون والبلجيكيون في إفريقيا.

 

كان العنصر الرئيسي هو المنظور الإمبريالي؛ تلك الطريقة في النظر إلى واقع أجنبي بعيد من خلال إخضاعه في نظر المرء، وبناء تاريخه من وجهة نظر المرء الخاصة، ورؤية شعبه كرعايا يمكن تحديد مصيرهم من خلال ما يعتقد المدراء البعيدون أنه الأفضل لهم.

 

من مثل هذه المنظورات الجامحة تتطور الأفكار، بما في ذلك النظرية القائلة بأن الإمبريالية هي شيء حميد وضروري.‏


‏وقد نجح ذلك لبعض الوقت، حيث اعتقد العديد من القادة المحليين -خطأ- أن التعاون مع السلطة الإمبريالية هو السبيل الوحيد. ولكن، لأن العلاقة الجدلية بين المنظور الإمبريالي والمنظور المحلي عدائية وغير دائمة، يصبح الصراع بين الحاكم والمحكومين، عند نقطة ما، غير قابل للاحتواء ويندلع في حرب استعمارية، كما حدث في الجزائر والهند.

 

وما زلنا بعيدين كثيرًا عن تلك اللحظة عندما يتعلق الأمر بالحكم الأميركي للعالم العربي والإسلامي لأنه، على مدى القرن الماضي، نجحت التهدئة حتى الآن من خلال عمل حكام محليين لا يتمتعون بالشعبية.‏


‏على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية، كانت المصالح الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط هي، أولا، ضمان إمدادات النفط؛ ثانيا، وبتكلفة هائلة، ضمان قوة إسرائيل وهيمنتها على جيرانها.


مع ذلك، تقول كل إمبراطورية لنفسها وللعالم أنها تختلف عن جميع الإمبراطوريات الأخرى؛ أن مهمتها ليست النهب والسيطرة، وإنما التعليم والتحرير. هذه الأفكار لا يشاركها بأي حال من الأحوال الأشخاص الذين يقيمون في أراضي تلك الإمبراطورية.

 

لكن هذا لم يمنع مؤسسة الدعاية والسياسة الأميركية من فرض منظورها الإمبريالي على الأميركيين، الذين تبقى مصادر معلوماتهم عن العرب والإسلام غير كافية بطريقة تدعو إلى الأسف.‏


‏أصبحت عدة أجيال من الأميركيين تنظر إلى العالم العربي بشكل أساسي على أنه مكان خطير، حيث يتم إنتاج الإرهاب والتعصب الديني، وحيث يقوم رجال الدين الأشرار المناهضين للديمقراطية والمعادين للسامية بشدة‏ بغرس معاداة غير مبررة لأميركا في عقول الشباب.


في الولايات المتحدة، يتعرض "المستعربون" للهجوم. وقد جُعل مجرد التحدث باللغة العربية أو التعبير عن بعض المعرفة المتعاطفة مع التقاليد الثقافية العربية الواسعة يبدو تهديدًا لإسرائيل. وتنشر وسائل الإعلام أبشع التصويرات النمطية العنصرية عن العرب -انظر، على سبيل المثال، مقال سينثيا أوزيك Cynthia Ozick في صحيفة "وول ستريت جورنال" الذي تتحدث فيه عن الفلسطينيين على أنهم "ربوا أطفالا ليسوا مثل أي أطفال آخرين، مجردين من الأعراف والسلوكيات العادية"، وعن الثقافة الفلسطينية حيث "قوة الحياة مذمومة، والطائفية مرفوعة إلى روحانية شريرة".‏


‏إن الأميركيين عميان بما يكفي بحيث أنه عندما يظهر زعيم شرق أوسطي يحبه قادتنا -شاه إيران أو أنور السادات- فإنهم يفترضون أنه رؤيوي يفعل الأشياء بطريقتنا -ليس لأنه يفهم لعبة القوة الإمبريالية (التي تعني البقاء من خلال إرضاء القوة الحاكمة بفعل ما تريد)، وإنما لأنه متأثر بالمبادئ التي نشاركها.‏


بعد ما يقرب من ربع قرن من اغتياله، أصبح السادات رجلا منسيا ولا يحظى بشعبية في بلده نفسه لأن معظم المصريين يعتبرون أنه خدم الولايات المتحدة أولا، وليس مصر. وينطبق الشيء نفسه على الشاه في إيران.

 

ولا تشير حقيقة أن يكون قد أعقب السادات والشاه في السلطة حكام لا تستسيغهم الولايات المتحدة بنفس المقدار إلى أن العرب متعصبون، وإنما إلى حقيقة أن تشويهات الإمبريالية تنتج المزيد من التشويهات، مما يحفز ظهور أشكال متطرفة من المقاومة والتأكيد السياسي للذات.‏


‏يُنظر إلى الفلسطينيين على أنهم أصلحوا أنفسهم بالسماح لمحمود عباس، وليس ياسر عرفات الرهيب، بأن يكون زعيمًا لهم. لكن "الإصلاح" مسألة تفسير إمبريالي.

 

تعتبر إسرائيل والولايات المتحدة عرفات عقبة أمام التسوية التي يرغبان في فرضها على الفلسطينيين؛ تسوية من شأنها أن تطمس المطالب الفلسطينية وتسمح لإسرائيل بأن تزعم، زورًا، أنها كفَّرت عن "خطيئتها الأصلية".‏


لا يهم أن عرفات -الذي انتقدتُه لسنوات في وسائل الإعلام العربية والغربية- ما يزال يُنظر إليه عالميًا على أنه الزعيم الفلسطيني الشرعي. وقد انتُخب بشكل قانوني ويتمتع بمستوى من الدعم الشعبي لم يقترب منه أي فلسطيني آخر -أقلهم جميعا عباس، وهو بيروقراطي وتابع لعرفات منذ فترة طويلة.

 

لا يهم وجود معارضة فلسطينية متماسكة الآن: "المبادرة الوطنية المستقلة"؛ التي لا تحظى بأي اهتمام لأن الولايات المتحدة والمؤسسة الإسرائيلية ترغبان في وجود مُحاور ممتثل وليس في وضع يسمح له بإثارة المتاعب. أما ما يتعلق بما إذا كان ترتيب عباس يمكن أن ينجح، فقد تم تأجيل ذلك إلى يوم آخر.

 

وهذا في الحقيقة قصر نظر -الغطرسة العمياء للنظرة الإمبريالية. ويتكرر النمط نفسه في النظرة الأميركية الرسمية إلى العراق والمملكة العربية السعودية ومصر والدول العربية الأخرى.‏


خلف هذا المنظور ثمة نظرة قائمة منذ وقت طويل –النظرة الاستشراقية– التي تنكر على العرب حقهم في تقرير المصير الوطني لأنهم يُعتبرون غير قادرين على ممارسة المنطق، وغير قادرين على قول الحقيقة، وقتَلة في الأساس.‏


‏منذ غزو نابليون لمصر في العام 1798، كان هناك وجود إمبريالي متصل غير منقطع قائم على هذه المرتكزات في جميع أنحاء العالم العربي، والذي أنتج بؤسًا لا يوصف -وبعض الفوائد، هذا صحيح. لكن الأميركيين معتادون كثيرا على جهلهم وعلى الإطراءات المتملقة من المستشارين الأميركيين مثل برنارد لويس وفؤاد عجمي، الذين وجهوا سمومهم ضد العرب بكل طريقة ممكنة، وعلى أننا نعتقد بطريقة ما أن ما نفعله صائب لأن "هذا هو حال العرب".

 

وأن يكون هذا أيضًا عقيدة إسرائيلية يتقاسمها المحافظون الجدد الذين هم في قلب إدارة بوش، من دون تمحيص، إنما يضيف ببساطة الوقود إلى النار.‏


سوف نعيش سنوات عديدة أخرى من الاضطراب والبؤس في الشرق الأوسط، حيث تتمثل إحدى المشاكل الرئيسية، بأكبر قدر ممكن من الوضوح، في سلطة الولايات المتحدة. وما ترفض الولايات المتحدة رؤيته بوضوح لا يمكنها أن تأمل في أن تشفيه.‏


*إدوارد وديع سعيد Edward W. Said: (1 تشرين الثاني (نوفمبر) 1935 القدس - 25 أيلول (سبتمبر) 2003 نيويورك): مُنظر أدبي فلسطيني-أميركي، يعد أحد أهم المثقفين الفلسطينيين -وحتى العرب- في القرن العشرين، سواء من حيث عمق تأثيره أو من حيث تنوع نشاطاته.

 

وهناك من يعتبرونه واحدا من أكثر عشرة مفكرين تأثيرا في القرن العشرين. كان أستاذا جامعيا للنقد الأدبي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية، ومدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني. وصفه روبرت فيسك بأنه الصوت الأكثر فعالية في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Blind Imperial Arrogance

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

"الغد" تنشر رسالة "مغيبة" لإدوارد سعيد