إرث "كوفيد" الوحشي ينتظر أطفالنا.. ونحتاج إلى الإرادة والطموح لمعالجة ذلك

رسم تعبيري للفنان دوم ماكنزي - (المصدر)
رسم تعبيري للفنان دوم ماكنزي - (المصدر)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة فرانك كوتريل بويس* - (الغارديان) 17/1/2021 لا يمكن سوى لحدث مثل الإخلاء في زمن الحرب فقط أن يقارَن بالإغلاق. وينبغي أن تكون الخطط المعدّة للصغار على مستوى التحدي. * * * خلال الحرب، تم إجلاء أمي، مثل عشرات الآلاف من الأطفال الآخرين. غادرت المنزل ذا الشرفة الذي كانت تعيش فيه مع 10 من أشقائها وشقيقاتها ووالديها، وانتهى بها المطاف في دير جميل جاثم على لسان بالقرب من كونوي، شمال ويلز، ويطل على البحر. وكان ذلك فردوساً. والآن، آخذها في بعض الأحيان إلى هناك، وفي كل زيارة تستعيد من المكان ذكرى جديدة ما. وقد أخبرتني مؤخرًا عن الليلة التي أيقظتها فيها أختها الكبرى وأخذتها إلى النافذة لتريها وهجًا أحمر غريبًا في الأفق. وقالت لها، "تلك هي ليفربول. كل شيء مشتعل". وعادت إلى الفراش معتقدة أن عالمها، والأشخاص الذين تنتمي إليهم، قد دُمّروا تمامًا. عاش بعضُ الأطفال الخبرة المروعة لعمليات الإخلاء. واستطاع آخرون بالكاد العودة إلى ديارهم. وبالنسبة لهم جميعًا كانت تلك تجربة فاصلة. وكان الإخلاء هو الحدث الوحيد الذي أمكنني التفكير فيه، والذي رأيتُ أن بالوسع مقارنته بالإغلاقات، من حيث الطريقة التي سيؤثر بها على الأطفال. الإغلاق هو إخلاء عكسي. بدلاً من إرسال الأطفال بعيدًا بينما يظل كبار السن في منطقة الخطر، نطلب الآن من الصغار البقاء في المنزل من أجل حماية كبار السن في عائلاتهم. تشكل أي أزمة شيئاً أشبه بأشعة سينية تمرّ عبر الجسد الوطني، فتضيء نقاط قوته وضعفه. وكان الكثير من الأشخاص الذين تم إجلاؤهم قد وصلوا إلى منازلهم الجديدة قذرين، نصف جائعين ومرضى. وكشفت العملية في تلك الأوقات، بشكل مؤلم، عن حقيقة كانت مخفية -أن الآلاف من أطفال المدن من أبناء الطبقة العاملة كانوا يعيشون في فقر وفوضى. كانت لحظة الحقيقة تلك هي التي دفعت -جزئياً- حكومة تشرشل إلى التكليف بإعداد "تقرير بيفريدج". وقد انتهزوا الأزمة كفرصة لإلقاء نظرة فاحصة وجادّة على الشيء الذي حدث خطأ، وكانوا ينطوون على الطموح لإصلاحه. وحذر التقرير الشهير من أن هناك خمسة عمالقة يقفون في طريق إعادة الإعمار الوطني -"الفاقة، والمرض، والجهل، والفساد السياسي، والكسل"- وضعت الحكومة استراتيجية لمحاربة هؤلاء العمالقة. ثمة الكثير في منهج بيفيردج -هبوطه من أعلى إلى أسفل وتأثره بمعتقدات صاحبه عن تحسين النسل- والذي لن ترغب في تقليده الآن. لكن الشجاعة والطموح اللذين أتاحا تخيُّل يومٍ أكثر إشراقًا في أحلك الأوقات هما بالتأكيد شيء يمكننا التعلم منه. عندما بدأت أفكر في هذا، اتصلت بأخي، بول، مدير خدمات الأطفال في مجلس منطقة ويرال (والذي حصل للتو، كما حدث، على "وسام الإمبراطورية البريطانية" عن تحسين توفير الرعاية للأطفال والأسر الضعيفة في ميرسيسايد). وكنت آمل بأن أستعين بدماغه وخبرته بشأن مشكلة الفقر الغذائي. وتحدثنا لبعض الوقت عن الجدل المتقلب حول أفضل طريقة لتوصيل الطعام إلى المحتاجين -التحويلات النقدية، أم قسائم الشراء، أم طرود الغذاء، أم الوجبات الجاهزة. ثم أوقف المحادثة، وقذف في وجهي اقتباساً من بيفريدج: "اللحظة الثورية في تاريخ العالم هي وقت للثورات، وليس للترقيع". نعم، ينبغي التعامل مع الحاجة العاجلة، ولكن أليست هذه أيضًا لحظة ينبغي فيها أن نعرف كيف وصلنا إلى هنا؟ إننا نتعامل مع أزمة جوع، وأزمة بدانة، وأزمة هدر في الوقت نفسه. ونحن نرمي ثلث الطعام الذي نشتريه في الحاويات. أليست هذه هي اللحظة المناسبة للشروع في تثقيف أنفسنا للخروج من هذا الجهل الغذائي؟ لقد تمحورت مشكلة الغذاء المباشرة الآن حول الوجبات المدرسية، لأننا لجأنا بشكل متزايد إلى المعلمين لسد المزيد والمزيد من الفجوات في مجالنا الاجتماعي المتدهور. وقد أصبح المعلمون الآن اختصاصيين اجتماعيين يعملون في الخطوط الأمامية بقدر ما هم معلمون. وهم، في كل مكان، يرتقون إلى مستوى هذا التحدي بالتزام متواضع وإبداع وطموح. وقد رأيت هذا في "زيارة" بعد "زيارة" بواسطة "زوم" طوال فترة الإغلاق. وفي الأسبوع الماضي فقط، شاهدت مسرحية رائعة عن "الميلاد" على الإنترنت من مدرسة في نوسلي في الميرسيسايد. ومع ذلك، سمحنا بموقف اضطر فيه هؤلاء المعلمون أنفسهم إلى العمل ضمن نظام يحدِّق من فوق أكتافهم كل دقيقة من اليوم، ويضايقهم ويلحّ عليهم بشأن المربع الذي يجب أن يؤشروا عليه. والهدف من هذا النظام في السنوات الأولى هو تجسيد تلك العبارة المرعبة "طفل على شكل المدرسة". نعم، لقد زرت عشرات المدارس التي تعمل كملاذات آمنة للأطفال الضعفاء. ومع ذلك، فإن أحد العوامل المحركة لسياستنا التعليمية والذي لا يمكن إنكاره، هو تحرير البالغين من المدرسة لمكان العمل. وربما تكون هذه لحظة مناسبة للنظر في إمكانية إنشاء بعض أماكن العمل على شكل الإنسان بدلاً من صناعة الأطفال على شكل المدرسة. الآن، بينما يكافح المعلمون لخلق مواقف يستطيع فيها الأطفال الفقراء "المواكبة"، أليست هذه فرصة للنظر فيما إذا كان أطفالنا يركضون في السباق الصحيح؟ هل يكون منهاجنا النحوي المدرسي على طريقة "مقاس واحد يناسب الجميع" الذي نقدمه حاليًا هو الأفضل حقًا؟ وأنا أتحدث كأكثر صبي على شكل المدرسة على الإطلاق، في حين أن أخي، الذي تبين أنه ذو قيمة كبيرة، لم يكن كذلك إلى حد كبير. لقد أخفقنا، بينما انصرف انتباهنا إلى الأزمات الطبية والسياسية، في ملاحظة أن عالم العمَل على وشك أن يشهد تغييراً مذهلاً. وسوف يطرح أي شخص تتحدث إليه في مجال الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات في وقت ما السؤال نفسه: "ماذا سنفعل بكل هؤلاء الناس؟"، وكما قال الكاتب جون لانشيستر: "تقول الكثير عن اللحظة الراهنة حقيقة إنه بينما نقف في مواجهة مستقبل قد يشبه إما ديستوبيا رأسمالية مفرطة أو جنة اشتراكية، فإن الخيار الثاني لا يكاد يُذكر". إننا نعيش في زمن من الاستقطاب الشديد حيث أصبح كل شيء -حتى ارتداء قناع الوجه الواقي- سياسيًا. ومع ذلك، هذه أيضًا لحظة تبيَّن فيها أن واحدة من أقوى الروايات إقناعًا -أن المجتمع مجرد قشرة، والتي ستنهار تمامًا تحت أقل ضغط- كانت هراءً. وتبين أن روابط الحي والمجتمع هي أكثر مرونة وإثراءًا بكثير مما في أي عالَم موعود للنهاية وظهور الأموات-الأحياء. قد تكون إحدى نقاط البداية الجيدة لـ"تقرير بيفيردج" جديد هي حقيقة أن هناك شيئًا مثل المجتمع حقاً، وأنه دائم ومرغوب فيه. لم يكن المجتمع هو الذي انهار تحت الضغط، وإنما كامل فكرة الفردانية غير المقيدة. إنها لا تعمل فحسب. إلى حد كبير، قامت بتنفيذ تقرير ويليام بيفريدج، الذي تم التكليف بإعداده في عهدة رئيس وزراء محافظ من سياسي ليبرالي، حكومة من حزب العمال. ويبدو أن ذلك النوع من الاستجابة أصبح مستحيلاً اليوم. ولم يكن الأمر سهلاً في ذلك الحين؛ فقد كره تشرشل توصيات التقرير، ولكن بعد ذلك، كما قال بيفريدج، أخدش قشرة متشائمٍ وستجد تحتها مدافعاً عن الامتيازات. ولعل أفضل سبب للتفكير في إمكانية تحقيق هذا العالم الأفضل هو أن البديل رهيب وقاتم للغاية. *Frank Cottrell Boyce: كاتب سيناريو وروائي بريطاني. *نشر هذا المقال تحت عنوان: A brutal Covid legacy awaits our children. We need the will and ambition to tackle itاضافة اعلان