إسرائيل بصدد خسارة الحرب الدبلوماسية

‏صبي فلسطيني يجلس على أنقاض مبنى دمرته غارة جوية إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين في غزة - (أرشيفية)
‏صبي فلسطيني يجلس على أنقاض مبنى دمرته غارة جوية إسرائيلية في مخيم البريج للاجئين في غزة - (أرشيفية)

ما يزال تدمير غزة مستمرا بلا توقف طوال أكثر من شهرين، لكن الحرب لا تسير لمصلحة إسرائيل على المستويين الميداني والدولي.

 

اضافة اعلان

ويجب على بنيامين نتنياهو فهم أن الدعم الدولي التلقائي لإسرائيل لم يعد مضموناً.
*   *   *
إذا تمثل سر الدبلوماسية الناجحة، وفق قول شهير للرئيس الأميركي ثيودور روزفلت، بضرورة التحدث بلطف مع الاحتفاظ بعصاً غليظة في اليد، فقد وصل وزير الخارجية الأميركي الحالي أنتوني بلينكن إلى منتصف ذلك الطريق على الأقل في إطار سعيه لاتباع نهج متوازن في مقاربته للحرب في غزة.


من خلال طريقته المتحفظة المعروفة في التعبير، أصدر السيد بلينكن تصريحًا له وقع قوي للغاية بخصوص الكيفية التي تدير بها إسرائيل عملياتها العسكرية.

 

ففي حديث له في واشنطن بعد عودته من آخر مهمة له في منطقة الشرق الأوسط، بدا السيد بلينكن واضحاً وثابتاً في مواقفه عندما صرح بأن "إسرائيل ملزمة بضرورة إيلاء حماية المدنيين أهمية كبرى.

 

ما تزال هناك فجوة بين ما قلته على وجه التحديد حينما كنت هناك، أي هدف حماية المدنيين، وبين النتائج الفعلية التي نراها على أرض الواقع".


في المقابل، لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لفك مضامين الرسالة الهادئة وخافتة النبرة التي قدمها بنيامين نتنياهو أثناء وقوفه إلى جوار وزير الخارجية البريطاني، ديفيد كاميرون، الذي يبدو أنه يعزز الوجود البريطاني على المسرح الدولي ويحقق بعض التأثير في السياسة الأميركية.

 

سوف تقف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل و"سوف تؤمن لها ظهرها"، بحسب عبارة قالها الرئيس بايدن.

 

لكن دعم الولايات المتحدة الدبلوماسي والعسكري الحيوي لا يمكن تقديمه بلا نهاية ومن دون أي شروط.


في الأسابيع الأخيرة، رفع اللورد كاميرون سقف تصريحاته عندما أشار إلى أن عدد الضحايا الفلسطينيين كبير للغاية، بكل بساطة.

 

والآن، فعل السيد بلينكن الأمر نفسه. كما أنه لم يكن جلياً دائماً أن القانون الإنساني الدولي يُحترم (من قبل الطرفين)، أو أن الحملة الإسرائيلية جاءت متناسبة كرد على هجمات "حماس"، بغض النظر عن حملة الرعب التي شنتها المجموعة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر).


في المقابل، يجب على السيد بلينكن أن يحذو حذو اللورد كاميرون، وأن يندد علانية بعنف المستوطنين الإسرائيليين الذي يُرتكب ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، على الرغم من أنه لا بد وأن يكون قد أعرب، من دون أدنى شك، عن شيء مماثل بشأن استياء الولايات المتحدة، وإنما بشكل بعيد من الإعلام.

 

ويجب أن يكون القرار الذي اتخذه الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي بالتصويت ضد حزمة المساعدات الأميركية إلى أوكرانيا، وضمان منح الموافقة على تقديم أموال أميركية لمصلحة إسرائيل وغزة، دافعًا يدفع المسؤولين الإسرائيليين في القدس إلى مراجعة أهداف حربهم وكيفية تحقيقها.


واليوم، مع هذه الفترة منذ هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، لم يخفَّ تأثير ذلك العدوان العنيف بعد مرور هذه الفترة القصيرة، إضافة إلى أنها لم تقلص الحق السيادي لإسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد العدوان وأعمال القتل والتنكيل بالمدنيين -وبالطبع، بجنودها أيضاً.

 

لكن هناك شيئًا أقل وضوحاً يتمثل في كيفية نجاح استمرار الحصار والقصف المتواصل لغزة، مع ملاحظة كل ذلك العدد من الإصابات في صفوف المدنيين الذي خلفه، في خدمة تعزيز الأمن الإسرائيلي والآمال بالسلام على المدى الأبعد.


لقد تم اكتشاف بعض مواقع "حماس" على ما يبدو، وتم الاستيلاء على أسلحة، وجمع معلومات استخباراتية واعتقال مقاتلين.

 

وفي المقابل، راوغ قادة "حماس" العسكريين، وقيادات مجموعة متنوعة من الميليشيات الأخرى، على ما يبدو، الدبابات الإسرائيلية.

 

كما أن غالبية القيادات العليا السياسية لـ"حماس" تبقى مقيمة في قطر مع توفر كل وسائل الراحة لها.


في الأثناء، هنالك نسبة مثيرة للقلق من الضحايا الأطفال وحديثي الولادة الذين يتم نقل أنباء وصور مقتلهم ومعاناتهم على شاشات العالم بشكل مباشر، مما يثير غضبًا عارمًا.

 

وبالطبع كان يمكن لكل أولئك الأطفال أن يكونوا أحياء وغير متأثرين بقوة النيران الإسرائيلية، لو أن "حماس" لم تشن عدوانها المروع قبل شهرين من اليوم.


تتمثل القضية أيضاً في أن "حماس" تبدو مرتاحة مع استخدامها الغزاويين الأبرياء كدروع بشرية، إضافة إلى انتهاكها حرمات المستشفيات، وذلك يمثل جريمة حرب. لكن النقطة التي آثارها السيد بلينكن تبقى صالحة.

 

إن الفارق بين الوعود الإسرائيلية بخفض عدد الإصابات في صفوف المدنيين والواقع على الأرض يبدو صارخاً إلى حد كبير.


بالقدر الذي يمكننا الحكم عليه، لم يقُم السيد نتنياهو بطرح هدف واضح لهذه الحرب أبعد من رغبته (غير الواقعية) في "تدمير" حركة "حماس"، وتأمين "استسلامها غير المشروط"، والعمل على إنقاذ الرهائن.

 

وكذلك لم يوضح نتنياهو ذلك لأصدقاء إسرائيل وحلفائها، بمن فيهم الولايات المتحدة، ولا للدول العربية في الشرق الأوسط الذين تربطه بهم علاقة بناءة. بل إنه لم يشرح ذلك حتى لأبناء وطنه.

 

وبحسب ما جرت الإشارة إليه في مرات عدة، على أساس الخبرة الطويلة والمرة، فحتى لو كتب النجاح (لإسرائيل) في كسر شوكة "حماس"، أو ترويعها بشكل ما عبر هذه الحرب، فقد تظهر جماعات مسلحة أخرى لكي تأخذ مكان "حماس"، بحيث ستستمر سلسلة العنف على مدى عقود إضافية مقبلة.


لقد جرى التدمير والتشريد في غزة على مستوى يقارب الدمار النووي، لكن تلك الحرب لا يبدو أنها تسير بشكل مفيد بالنسبة إلى إسرائيل، لا على الأرض ولا على المسرح الدولي.

 

وقد اتخذ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الخطوة غير المسبوقة المتمثلة بإعلانه اللجوء إلى الفصل 99 من ميثاق الأمم المتحدة، ودعا إلى انعقاد مجلس الأمن الدولي لمناقشة التهديدات التي تشكلها حرب غزة على الأمن العالمي.


وطرح أحد أصدقاء إسرائيل الإقليميين الجدد، وهو دولة الإمارات العربية المتحدة التي أرست علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، مشروع قرار يدعو إلى وقف إنساني عاجل لإطلاق النار.

 

ويعد ذلك الأمر مقاربة إشكالية، مع تذكر تردد "حماس" بشأن تخليها عن العنف، لكنه طرح يبدو أنه أخذ يحظى بالقبول.

 

ومع أخذ الأزمة الإنسانية في غزة في الاعتبار، فإنه طرح من شأنه أن ينقذ الأرواح.

 

وبطبيعة الحال، قد يؤدي ذلك إلى الإفراج عن مزيد من الرهائن الإسرائيليين وغيرهم ممن تحتجزهم "حماس".


إن الأوضاع في غزة مزرية بشكل واضح، مع زيادة خطر انفلات موجة من وباء الكوليرا. ويشعر الناس في كثير من أرجاء العالم بمعاناة الفلسطينيين.

 

ولذلك باتت الحرب تحرك التظاهرات وتثير النزاعات في مناطق بعيدة للغاية عن مخيمات اللاجئين.

 

وما يزال الخطر المتمثل في حدوث تصعيد إقليمي يؤدي إلى تدخل إيران، وتركيا والدول الخليجية، قائمًا. ولن يكون أي من هذه الاحتمالات عنصراً مساعداً لشعب إسرائيل للعيش بسلام.


حتى هذه اللحظة، ما تزال الولايات المتحدة، الوفية لإسرائيل، مستعدة لاستخدام حق النقض (الفيتو) في مواجهة أي مشروع قرار يُطرح على مستوى مجلس الأمن.

 

وفي المقابل، يجب على نتنياهو أن يستوعب أنه لم يعد باستطاعته الآن أن يعتمد على أن مثل ذلك الدعم الأميركي سيظل مضموناً بشكل تلقائي.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

غزو غزة سيكون كارثة لإسرائيل‏ ‏على أميركا الضغط على حليفتها لتتراجع عن حافة الهاوية‏

 

 

ذات صلة
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - (أرشيفية)

موت إسرائيل‏

20 كانون الأول 2023