إسرائيل تلعب بورقة ترامب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق - (أرشيفية)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق - (أرشيفية)

نيري زيلبر – (فورين بوليسي) 20/1/2017

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تل أبيب ورام الله- "إننا ندخل عصراً جديداً"، هكذا أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشهر الماضي، في اليوم الذي أعقب تبني مجلس الأمن الدولي قراراً يدين البناء الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقة. وأضاف نتنياهو: "تماماً كما قال الرئيس المنتخب (دونالد) ترامب... سوف يحدث ذلك في وقت أقرب بكثير مما تظنون. في العصر الجديد، سيكون هناك ثمن أعلى بكثير سيترتب على أولئك الذين يحاولون إيذاء إسرائيل، ولن يُستوفى هذا الثمن من قبل الولايات المتحدة فقط، وإما من قبل إسرائيل أيضاً".اضافة اعلان
وقد شرع الإسرائيليون والفلسطينيون التحضير لهذا العصر الجديد مُسبقاً، ويرسمون خطوط المعركة ضد أعدائهم.
كما أوضح نتنياهو، تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى الإدارة الأميركية الجديدة على أنها ستكون بمثابة درع لها ضد بقية العالم، وضد التدابير "المناهضة لإسرائيل" مثل قرار مجلس الأمن الذي سمحت إدارة أوباما بمروره الشهر الماضي. ويجد القادة الفلسطينيون أنفسهم في الموقف المناقض تماماً: إنهم يحاولون الآن بشكل محموم تعبئة بقية العالم ليكون حصناً لهم ضد إدارة ترامب القادمة وإمكانية انفصالها وتخليها عن السياسات الأميركية القائمة منذ فترة طويلة، وستكون أولى مؤشرات ذلك نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
في البداية، وصف الرئيس الأميركي المنتخب التوسط في التوصل إلى سلام إسرائيلي-فلسطيني بأنه بمثابة "الصفقة النهائية". ومع ذلك، فإن النشاط الدبلوماسي الوحيد الذي يجري الآن لا يتركز على أي خطوات إيجابية في اتجاه تحقيق حل الدولتين، وإنما على إدارة صعود ترامب إلى سدة السلطة.
ولكن، يبدو أن لتفاؤل حكومة نتنياهو بقدوم ترامب ما يبرره. ففي الفترة التي أعقبت الانتخابات الأميركية مباشرة، وجه ترامب الدعوة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي للقدوم إلى البيت الأبيض "في أول فرصة"، مضيفاً أن الزعيمين يعرفان بعضهما البعض لسنوات.  وكان الشخص الذي رشحه ترامب ليكون سفيره إلى إسرائيل، ديفيد فريدمان، مؤيداً منذ فترة طويلة للمستوطنات في الضفة الغربية، بل إنه يرأس ذراع التمويل الأميركي لإحدى المستوطنات البارزة. كما أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي المنتخب وكبير مستشاريه، معروف أيضاً بنشاطه المناصر لإسرائيل، وتقوم مؤسسة عائلته بالتبرع لمستوطنات عديدة في الضفة الغربية.
في أعقاب قرار مجلس الأمن الدولي وخطاب وزير الخارجية جون كيري الذي تبعه، والذي أنّب فيه إسرائيل بشدة على مشروعها الاستيطاني، غرد ترامب على "تويتر" بأن الأمور ستكون "مختلفة جداً" عندما يتولى المنصب رسمياً، وحث إسرائيل على أن "تبقى قوية... إن يوم 20 كانون الثاني (يناير) يقترب بسرعة"! حتى أن قادة المستوطنين قرروا حضور تنصيب ترامب.
ثم هناك مسألة موقع السفارة الأميركية. فمثل المرشحين الرئاسيين، بيل كلينتون وجورج دبليو بوش من قبل، وعد ترامب في سباق الحملة بنقل السفارة إلى القدس. لكن المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، لا يعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية، ويعتبر أن الوضع النهائي للعاصمة هو موضوع متروك للمفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية.
بكل تأكيد، نكثت هذه الإدارات السابقة بوعودها التي بذلتها أثناء الحملات الانتخابية بخصوص السفارة. لكن هذه المرة ربما تكون مختلفة مع ذلك: فمستشارو ترامب لم يعمدوا إلى تمييع المسألة والتقليل من جديتها، وقال مساعد كبير لترامب إنها ما تزال "أولوية كبيرة" للرئيس المنتخب. كما زعم فريدمان، على إثر إعلان تعيينه، أنه سوف يتولى منصبه من "سفارة الولايات المتحدة في عاصمة إسرائيل الأبدية، القدس". وبمثل هذا التعبير الواضح عن الدعم غير المشروط، لن يكون مفاجئاً أن يتوقع   69 % من اليهود الإسرائيليين أن يكون لدى ترامب، وفق استطلاع حديث أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي، موقف إيجابي تجاه البلد. وبالمقارنة، نظر 75 % من الإسرائيليين إلى موقف إدارة أوباما المنصرفة على أنه كان غير ودي.
اليمين الإسرائيلي يشعر بالنشوة بشكل خاص
بكلمات عضو بارز في البرلمان الإسرائيلي، فإن انتخاب ترامب ليس أقل من "معجزة" وتبشير بقدوم "المسيح". وفي القضايا المحددة التي يلوم المجتمع الدولي إسرائيل فيها بشدة –بناء المستوطنات وعملية السلام المحتضرة- يرى الساسة اليمينيون الآن فرصة. وقد أعلن وزير التعليم، نفتالي بينيت، رئيس حزب "البيت اليهودي" المؤيد للمستوطنين، أنه مع انتخاب ترامب، فإن "عصر الدولة الفلسطينية قد انتهى"، وإن الوقت قد حان الآن للبدء في ضم المستوطنات في الضفة الغربية (وهي عواطف، إذا أردنا أن نكون منصفين، لم يعتنقها رئيس الوزراء والمقربون منه بعد).
من جهته، قام السفير الإسرائيلي إلى الأمم المتحدة، داني دانون، بجعل التهديد الذي أعلنه نتنياهو أول الأمر أكثر وضوحاً، فقال لإذاعة الجيش الإسرائيل في الشهر الماضي: إن "التصورات مهمة" بالنسبة لأعضاء مجلس الأمن الآخرين. وقد أيدت فكرة دانون التعليقات الأخيرة التي أدلى بها كل من رئيس الوزراء البريطاني ووزير الخارجية الأسترالي، والتي هاجمت خطاب كيري وقرار مجلس الأمن، على التوالي. فإذا أراد القادة الأجانب علاقات جيدة مع الإدارة الأميركية الجديدة، فإن الطريق يجب أن يمر عبر إسرائيل.
في حين أن الاختبار الأول لنوايا إدارة ترامب سيأتي فيما يتعلق بالقدس، فإن تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية تفرد الضفة الغربية المجاورة على أنها ستكون الساحة الأكثر اضطراباً والأقل استقراراً في العام المقبل. وقد تراجعت مؤخراً فقط موجة تصاعد العنف في كل من القدس والضفة الغربية، التي كانت قد بدأت في أواخر العام 2015، وما تزال الإحباطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أشعلت فتيل الاضطرابات قائمة. وكما حدث في مرات عديدة، يمكن أن تعمل القدس كصمام التفجير الذي يشعل الضفة الغربية.
مع ذلك، فإن المسؤولين الأمنيين يظلون متحفظين للغاية عندما يتعرضون للضغط من أجل التعليق على التداعيات المحتملة لنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وكما قال أحد كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي لمجلة "فورين بوليسي": "لستم في حاجة إليّ لكي أخبركم بأن الفلسطينيين لن يحبوا ذلك".
لا تحب السلطة الفلسطينية، بعبارة ملطفة، ما قد يتبين أنها مغامرة ترامب الافتتاحية في الشرق الأوسط. لكن المسؤولين في رام الله كانوا بطيئين للغاية في إدراك أن الإدارة الأميركية القادمة تشكل تغييراً كبيراً عن بقية الإدارات التي جاءت في السابق.
في تصريح له لمجلة "فورين بوليسي" مؤخراً، قال خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية في رام الله: "(الفلسطينيون) صُدموا لدى سماع أن الإدارة الجديدة جدية (في موضوع القدس). كانوا قد قللوا من شأن احتمال حدوث تغيير مع قدوم الإدارة الجديدة –هذه هي (صحوتهم) وهم ليسوا مستعدين".
ربما جاء هذا في جزء منه نتيجة لإيمان ساذج بالخمول المؤسسي لصناعة السياسة الخارجية في الولايات المتحدة. لكنه يعود أيضاً إلى حقيقة أنه لم يكن هناك، اعتبارا من الأسبوع الماضي، أي اتصال مباشر بين الفلسطينيين وفريق ترامب الانتقالي، وفقاً لمصادر في كل من رام الله وواشنطن. ويبدو أن الصلة الوحيدة التي لدى الرئيس محمود عباس مع إدارة ترامب هي مدير صندوق تحوط أميركي، والذي يتمثل وصوله إلى السلطة في أنه يجلس بجوار كوشنر في كنيس "أبر إيست سايد". وقد انخرط الفلسطينيون في محاولة يائسة للتعويض عن الوقت الضائع، حيث يبذلون جهداً دبلوماسياً توعوياً يهدف إلى حشد بقية العالم خلفهم وزيادة الثمن السياسي الذي سيترتب على ترامب إذا ما قرر نقل السفارة. وقد أرسل عباس رسائل في الأسبوع الماضي إلى أكثر من دزينة من قادة العالم، بمن فيهم ترامب نفسه، والتي يحذر فيها من "التأثير الكارثي على عملية السلام، وعلى حل الدولتين، وعلى استقار وأمن المنطقة بأكملها" لمثل هذه الخطوة. كما التقى الرئيس الفلسطيني أيضاً بالبابا فرانسيس في الفاتيكان وأرسل كبير مساعديه، صائب عريقات، إلى موسكو لمقابلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
كما كرر عريقات ومسؤولون رفيعون آخرون التهديد الأخير خلال الأيام الماضية بإلغاء الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، وهو الخطوة المنصوص عليها في العام 1993، في بداية عملية أوسلو للسلام.
في الأسبوع الماضي، قال جبريل الرجوب، العضو البارز في حركة فتح التي يتزعمها عباس، لمجلة "فورين بوليسي": "إذا كان السيد ترامب يريد أن يترجم دعاية حملته الانتخابية إلى أفعال، فإنه لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن الفلسطينيين سيستسلمون. علينا أن نحشد العالم كله للرد وأن نمارس الضغط، لأن... هذا سيلحق الضرر بالاستقرار الإقليمي، والسلام العالمي، والمصالح الأميركية". وتحدث الرجوب عن استراتيجية دبلوماسية تهدف إلى تسخير النفوذ الكامل "للجامعة العربية، والدول الإسلامية، ودول عدم الانحياز ودول الاتحاد الأوروبي، ومجلس الأمن (التابع للأمم المتحدة)".
هذا الجهد طرح بعض الثمار مُسبقاً، حيث قال وزير أردني هذا الشهر إن نقل السفارة إلى القدس يشكل "خطاً أحمر" بالنسبة للمملكة الهاشمية، والذي يمكن أن يشعل الشوارع الإسلامية والعربية. ومع ذلك، فإن الوحدة العربية، التي تظل دائماً احتمالاً متقلباً، لن تشكل أبداً معطى مضموناً ،حتى في القضايا المهمة عاطفياً مثل القدس والقضية الفلسطينية. ويتذكر المسؤولون في رام الله كيف أن مصر تراجعت في مجلس الأمن الشهر الماضي، وألغت تقديم مشروع قرارها الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية في اللحظات الأخيرة، فيما قيل إنه جاء بسبب ضغط مارسته إسرائيل ومعسكر ترامب. (صوتت مصر في النهاية لصالح القرار بعد أن قدمه أعضاء آخرون في مجلس الأمن).
يقول الشقاقي: "لن يكون من السهل (على عباس) حشد الدعم العربي كما يريد. إن لديهم مصالح، (وفي حين أن) القدس تشكل بطبيعة الحال واحدة من المصالح المشتركة الرئيسية، فسوف يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانوا مستعدين لجعل جميع القضايا الأخرى رهينة لهذه القضية".
يحب المسؤولون الفلسطينيون الإشارة إلى أن الشرق الأوسط، الذي يعاني الأزمة أصلاً، يمكن أن يتحمل "انفجاراً" آخر. ومع ذلك، ولهذا السبب بالتحديد، ربما تكون لدى الدول العربية مواطن اهتمام أخرى أكثر إلحاحاً –مثل نفوذ إيران الإقليمي المتزايد- حيث يمكن أن تلعب إسرائيل وإدارة ترامب أدواراً محورية. ولم يُثر أي طرف آخر، سوى عباس، طيف عمل عربي كبير، في احتجاح على تدخل المصالح الأجنبية غير الضروري في الشؤون الفلسطينية.
من جهته، أثار الرجوب تهديداً من عنده عندما قُدمت إليه هذه الفكرة. وقال بهدوء: "عندما يتعلق الأمر بالقدس، فإن الجميع سيكونون متحدين. وإذا كانت لبعض الأنظمة أولويات أخرى، فإنها إما أن تنهار أو تقف في الصف" بسبب الضغوط التي ستتعرض لها من شعوبها.
سوف تضع إدارة ترامب كلا من تهديدات القيادة الفلسطينية (إلغاء الاعتراف بإسرائيل) وتطميناتها (اللاعنف والمفاوضات) على المحك. وعلى الرغم من أن إسرائيل سوف تحتفي بدعم ترامب، فإن تداعيات تحركاته يمكن أن تفضي إلى أزمة أمنية حادة لن تكون من صنع يديها هي. وستكون قضية الادعاء بملكية القدس والأحقية فيها، كما يقول الرجوب، "مثل اللعب بالأسلحة النووية".
مع ذلك، ينظر الإسرائيليون إلى اعتراف الولايات المتحدة بعاصمتهم في القدس الغربية، التي يحتفظون بها منذ تأسيس الدولة في العام 1948، على أنه تصحيح لخطأ تاريخي. وقال أحد وزراء حزب الليكود، والمقرب من نتنياهو لمراسلي "فورين بوليسي" هذا الأسبوع: "لن تكون هناك أي تداعيات. ما هو الشيء الكبير في المسألة"؟
سوف تتوقف مسألة التداعيات على مدى استعداد المجتمع الدولي للدفاع عن الجانب الفلسطيني، وعلى أي مدى تختاره إدارة ترامب للمضي قدماً في دفاعها عن إسرائيل دولياً.
هذه "الحقبة الجديدة" لترامب، التي تبناها نتنياهو بشكل قاطع والتي خشيها عباس في وقت متأخر، سوف تضع بلا شك موضوعاً إيمانياً شائعاً جداً بين كل من الفلسطينيين والإسرائيليين، على المحك: أن الشؤون العالمية، سواء كان ذلك في واشنطن أو أي عاصمة رئيسية أخرى، إنما تدور دائماً وبشكل حتمي حولهم.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان:
 Israel Plays its Trump Card