‏إسرائيل كدولة قومية يهودية ومعاداة السامية‏

متظاهرون في برلين يحملون يافطة تقول: معاداة الصهيوني لا تساوي معاهدة السامية - (أرشيفية)
متظاهرون في برلين يحملون يافطة تقول: معاداة الصهيوني لا تساوي معاهدة السامية - (أرشيفية)

دانيال وارنر‏* - (كاونتربنش) 2024/5/17

 

ينبغي تحدي فكرة أي دولة-قومية، سواء كانت هذه الدولة تمثل مجموعة دينية أو عرقية. وتفترض الواصلة بين كلمتي "دولة" و"قومية" أن مجموعة متجانسة عرقياً أو دينياً هي التي تشكل مواطني دولة معينة.

اضافة اعلان

 

ولكن، ما مِن سبب للقبول بأن هناك وجودًا لمجموعة متجانسة، وأن المجموعة المهيمنة والدولة هما الشيء نفسه.
*   *   *
"لا يمكن فصل اليهودية عن إسرائيل. والصهيونية هي، ببساطة، المظهر المتجسد لهذا الاعتقاد". هذا ما ذكرته رسالة حديثة صدرت عن الطلبة اليهود في جامعة كولومبيا.‏


‏مما لا شك فيه أن سياسة إسرائيل مشتبكة بشكل وثيق مع معتقداتها الدينية.

 

ومنذ العام 2018، أصبحت إسرائيل تعتبر نفسها قانونياً دولة قومية يهودية بلا أي نوع من الفصل بين الدين والسياسة. وهذا يفسر السبب في أن الإسرائيليين يعتبرون أي انتقاد للدولة معادياً للسامية.

 

وإذا كانت إسرائيل بصدد التحول إلى شبه ثيوقراطية، كما حذر رئيس بلدية تل أبيب، رون حولداي، في مقابلة أجريت معه في العام 2022، فإن أي انتقاد للدولة الدينية اليهودية سيُعتبر معاديًا للسامية. (في وقت سابق، في العام 2015، حذر أوري مسغاف في ‏‏صحيفة "هآرتس"‏‏ من أن إسرائيل "على الطريق إلى أن تصبح ثيوقراطية").‏


‏تتمثل إحدى الفرضيات الأساسية التي تقف وراء الاحتجاجات الحالية ضد الإجراءات والأعمال الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية في ادعاء المحتجين بأنهم يتظاهرون ضد الإجراءات السياسية الإسرائيلية وليس ضد اليهودية.

 

ويقيم المتظاهرون تمييزاً أساسياً بين السياسة والدين. بالنسبة لهم، بمن في ذلك العديد من المتظاهرين اليهود، يُعد هذا هذا التمييز مركزياً لأنه يبرر الاحتجاجات السياسية باعتبار أنها منفصلة عن الإدانة الدينية الأكثر إثارة للجدل. ويقولون إن كونك تقف ضد نظام نتنياهو لا يعني معاداة السامية.‏


‏لقد أصبحت شبه الثيوقراطية- القومية- اليهودية في إسرائيل شيئاً منصوصاً عليه اليوم في القانون. في العام 2018، أقر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قانوناً أساسياً يضفي الشرعية على إسرائيل كدولة قومية يهودية.

 

(تُعتبَر القوانين الأساسية في إسرائيل قوانين دستورية لأنه لا يوجد دستور رسمي للبلاد). وكان القانون الأساسي للعام 2018 بعنوان ‏‏"إسرائيل - الدولة القومية للشعب اليهودي‏"‏. وتم تمريره في البرلمان (الكنيست) بتصويت 62 إلى 55 -مع امتناع عضوين عن التصويت.‏


و‏كانت المبادئ الثلاثة الأولى لهذا القانون الأساسي هي:

 


‏1. "‏‏أرض إسرائيل" هي‏‏ ‏‏الوطن التاريخي‏‏ ‏‏للشعب اليهودي‏‏ الذي أقيمت فيه ‏‏دولة إسرائيل‏‏.‏
‏2. دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، حيث تمارس حقها الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي في ‏‏تقرير المصير‏‏.‏


‏3. إن الحق في ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل هو حق مقتصر على الشعب اليهودي.‏


ولم يتم تمرير هذا القانون بلا جدل؛ فقد هتف أعضاء البرلمان العرب-الإسرائيليون: "أبارتايد"، في قاعة الكنيست عندما تم تمرير القانون. وقال زعيم ائتلاف من الأحزاب العربية المعارضة إن إسرائيل "أقرت قانون التفوق اليهودي وأخبرتنا بأننا سنكون دائمًا مواطنين من الدرجة الثانية".‏


‏وفي داخل إسرائيل وخارجها، اعتقد الكثيرون أن هذا القانون الأساسي يتعارض مع القوانين الإسرائيلية المكرسة التي تكفل الديمقراطية والحرية. ومع ذلك، في العام 2021، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بتصويت 10 إلى 1 بأن هذا القانون دستوري. (القاضي المعارض الوحيد كان جورج القرا، العضو العربي الوحيد في المحكمة).‏


في الرد على المنتقدين حول كيفية تهديد قانون 2018 للديمقراطية والحرية، كتبت رئيسة المحكمة العليا آنذاك، إستر حايوت، لغالبية المحكمة أن "‏‏’القانون الأساسي‏‘‏ ليس سوى فصل واحد في دستورنا، الذي يبلور ولا ينفي طابع إسرائيل كدولة ديمقراطية". وأكد مؤيدو قرار المحكمة أن القانون "يرسخ جوهر وطابع إسرائيل باعتبارها الدولة القومية للشعب اليهودي".‏


‏ينبغي تحدي فكرة أي دولة-قومية، سواء كانت هذه الدولة تمثل مجموعة دينية أو عرقية. وتفترض الواصلة بين كلمتي "دولة" و"قومية" أن مجموعة متجانسة عرقيًا أو دينيًا هي التي تشكل مواطني دولة معينة. ولكن، ما مِن سبب للقبول بأن هناك وجودًا لمجموعة متجانسة، وأن المجموعة المهيمنة والدولة هما الشيء نفسه.

 

وكما قال الفيلسوف السياسي البريطاني- التشيكي البارز، إرنست غيلنر، ساخرًا: "يجب أن تكون لكل أمة دولة، ويجب أن يكون لكل دولة أمة، ونأمل أن يكونا متماثلين". نأمل أن يكون الشيء نفسه جزءًا من مثال الليبرالية، وهذا المثال خارج الواقع التاريخي.‏


‏أوضح الأستاذ السابق في كلية لندن للاقتصاد، فريد هاليداي، التمييز الحاسم بين الأمة والدولة: "أحد الفروق هو أنه بين الدولة، في [أ] ... الحس الاجتماعي، والمجتمع ... قد لا يكون المجتمع نفسه متجانساً، حيث يضم طبقات اجتماعية ومجموعات مصالح مختلفة...".

 

ومضى إلى القول: "إن مصطلح ’الدولة القومية‘، القائم على افتراض التجانس العرقي وقابلية التمثيل السياسي، من الناحية التجريبية، غير مناسب للعالم الحديث". وأكد هاليداي أنه "لم يسبق لأي دولة أوروبية (ناهيك عن دولة أوروبية مقلَّدة غير أصلية في أي مكان آخر في العالم) أن تكون أبدًا على مسافة قابلة للقياس من ’الدولة-القومية‘".‏


‏كيف إذن يمكن التوفيق بين دولة إسرائيل والوطن اليهودي وبين العالم الحديث غير المتجانس؟ كيف يمكن التوفيق بين إسرائيل باعتبارها "‏‏الوطن التاريخي‏‏ ‏‏للشعب اليهودي‏‏" وعرب إسرائيل؟ وفقًا لدراسة أجرتها لـ"مجلس العلاقات الخارجية" في العام 2023 كالي روبنسون، فإن "العرب يمثلون خمس سكان إسرائيل".

 

كيف يكون موقعهم في "أمة متجانسة"؟ وفقًا لروبنسون، فإن "التمييز المنهجي، واندلاع العنف الطائفي، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني الأوسع، تستمر كلها في توتير علاقاتهم (العرب) مع الأغلبية اليهودية في إسرائيل".‏


إن ‏كل ما سبق هو نتيجة ادعاء إسرائيل بأنها دولة قومية ديمقراطية للشعب اليهودي في حين أن خمس سكانها ليسوا يهودًا. و"التمييز المنهجي واندلاع العنف الطائفي" متأصلان في محاولات إسرائيل إقامة دولة قومية متجانسة لا يمكن أن تكون شاملة ولا ديمقراطية لجميع الذين يعيشون فيها. ولا يتوافق المثال الأعلى للدولة القومية اليهودية مع الواقع التجريبي لسكان إسرائيل.‏


‏كما ألمح غيلنر وجادل هاليداي، فإن أي تطابق بين الأمة والدولة يفترض تناظرًا غير محتمل. إنه يفترض أن أولئك الذين ليسوا أعضاء في المجموعة المهيمنة سيواجهون تمييزاً مستمراً. هذا هو ما يعنيه مفهوم الدولة-القومية، وهذا ما أكده القانون الأساسي الإسرائيلي للعام 2018 وقرار المحكمة العليا الذي أكده.‏


‏تساءل وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، شلومو بن عامي "عما إذا كانت معاداة الصهيونية قد لا تكون مرادفاً لمعاداة السامية". والجواب هو "نعم" إذا نظر المرء في القانون الأساسي للعام 2018 وقرار المحكمة العليا. من خلال إضفاء الشرعية رسمياً على إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، جعلت إسرائيل أي انتقاد للسياسة الإسرائيلية معادياً للسامية.

 

وتسلط رسالة طلاب جامعة كولومبيا الضوء على كيف يمكن أن تؤدي إزالة "القانون الأساسي" للعام 2018 للتمييز بين السياسة الإسرائيلية والديانة اليهودية إلى انتقاد تصرفات إسرائيل السياسية، الذي يجري تفسيره على أنه معاداة للسامية.‏

‏*دانيال وارنر Daniel Warner: مؤلف كتاب ‏‏"أخلاق المسؤولية في العلاقات الدولية‏‏" An Ethic of Responsibility in International Relations. يعيش في جنيف.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel as a Jewish Nation-State and Antisemitism

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

تسليح معاداة السامية يعرض اليهود للخطر‏